الرئيسية / أضواء على / “قبضة الثورة” بين بيروت وصربيا… ماذا عن “الأوتبور”؟ إليكم التّفاصيل

“قبضة الثورة” بين بيروت وصربيا… ماذا عن “الأوتبور”؟ إليكم التّفاصيل

  • هالة حمصي
  • المصدر: “النهار”
  • 1 تشرين الثاني 2019 | 17:10

متظاهرون تجمعوا حول “قبضة الثورة” في ساحة الشهداء (27 ت1 2019، أ ف ب).

فنّانون محترفون من “ابناء بيروت”، من “المؤيدين للتغيير والمطالبة بحقوقنا كمواطنين”. هؤلاء صنعوا “#قبضة_الثورة” بأنفسهم ورفعوها في ساحة الشهداء وسط بيروت. مبادرة “عفوية” في أوقات تاريخية، ولّدت مجسما ضخما لقبضة يد بيضاء، بيضاء، “من دون اي صبغة سياسية” لها، جمعت حولها ثوار لبنان، منذ نحو اسبوع.

الخبر اليقين يزيل الغموض حول المجسم الضخم الذي شغل كثيرين. في الأيام الماضية، استخدمت جهات المجسم للهجوم على الثورة والتشكيك في الثوار، عبر ربطه بحركة “أوتبور” الصربية، واعتباره علامة على “تمويل خارجي” للانتفاضة اللبنانية. فيديو اتهامي وحملة تشكيك على وسائل التواصل الاجتماعي… واليوم، تأكيدان لـ”النهار”: الاول من بيروت، لبيروتية المجسم. والآخر من صربيا، من مؤسس “#أوتبور” (السابقة)، ان هذه الاتهامات “غير صحيحة”، والفيديو المتناقل “يدخل في سياق نظرية المؤامرة”.

قبضة الشجاعة

البداية من ساحة الثوار في بيروت. التساؤلات حول قبضة الثورة وجدت، في الساعات الماضية، جوابا مؤكّدا. الجهة التي تقف وراءها هي الشركة البيروتية المعروفة، Styro 3D، المتخصصة بصناعة المجسمات الثلاثية الابعاد، والتي تولت انتاج فعاليات I Love Beirut. “نعم، المجسم تقدمتنا”، على ما يؤكد صاحب الشركة طارق شهاب لـ”النهار”.

مبادرة “عفوية”، تلقائية”، بتعبيره. “نحن من أبناء المدينة قبل كلّ شيء، ومن مؤيدي التغيير والمطالبة بحقوقنا كمواطنين. في كلّ تحرّك، تنبعث أفكار عفويّة. وهذا (اي المجسم) أقلّ شيء يمكننا أن نفعله كمحترفين في مهنة الفنّ والستايروفوم، من خلال مشاركتنا في نقل روح الاندفاع ورمز الشجاعة في المطالبة بأبسط حقوقنا كلبنانيّين”.

المقر في قلب بيروت. Styro 3D شركة ديكور رائدة “متخصصة بنحت الستايروفوم Styrofoam ثلاثي الأبعاد. وهي تضم مواهب شابة ومصممي المنتجات ومهندسين معماريين متخصصين بالعرض ثلاثي الأبعاد”، على ما تعرف بذاتها. في 25 تشرين الاول 2019، قدمت “قبضة الثورة” الى الثوار، ورفعتها في ساحتهم.

قبضة الثورة بعد تعرضها للتخريب في بيروت (29 ت1 2019، النهار)

قبضة الثورة خلال تعرضها للتخريب في بيروت (29 ت1 2019، النهار)

نسأل شهاب عن قبضة اليد وتصميمها، فيشرح “انها حركة عفويّة، طبيعيّة عند الإنسان، منذ آلاف السنين. ويقوم بها الشخص عندما يطالب بحماسة، ويشجّع. ونشاهدها دائماً في المناسبات الرياضيّة وغيرها…”.

لماذا القبضة بالأبيض والأسود؟ يجيب: “لم نرد أن نختار أيّ لون لها، لأنّ كلّ حزب لبنانيّ لديه لون، وتفادياً لأن يكون للمجسم اية صبغة سياسيّة، وايضا كي نترك للشعب اللبناني حرية التعبير من خلال رسوم وكتابات عفويّة يخطها عليها”.

وبالنسبة الى ما يتردد عن “تكلفة عالية” لانجاز المجسم، يوضح شهاب “انها لم تتجاوز 300 الف ليرة، ذلك ان المجسم يتألف من اربعة ألواح خشب فقط”.

بوبوفيتش والحركات اللاعنفية الناجحة

من بيروت إلى صربيا… بحثاً عن #الأوتبور OTPOR#. الاسم يعني “مقاومة” بالعربية، وله وقع كبير في تاريخ تلك البلاد لارتباطه بحركة كفاح سلمي شبابي (عام 1998) كان لها دور كبير في اسقاط حكم الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش في ت1 2000. الى جانب تحوّل اعضائها وجوها وطنية، اشتهر ايضا شعارها وانتشر: قبضة يد بيضاء مشدودة على خلفية سوداء.

نقرع الباب، ونثير الاتهامات المساقة ضد “الاوتبور”، بأنها “تقف وراء ثورة لبنان”، وبان “قبضة يد الثورة في وسط بيروت دليل على ذلك”، وفقا للمزاعم، لا سيما في فيديو الاتهام المتناقل. غير ان مؤسس “الاوتبور”، المدير التنفيذي لمؤسسة كانفاس (CANVAS) #سرجا_بوبوفيتش Srdja_Popovic#، لا يوافق اطلاقا على هذه الاتهامات. هذه المزاعم “غير صحيحة”، على ما يؤكد لـ”النهار”، والفيديو المتناقل “يدخل في سياق نظرية المؤامرة”.

ويقول: “الاوتبور كانت حركة صربية حاسمة في إطاحة الديكتاتور الصربي ميلوسوفيتش. لقد تم حلها، ولم تعد موجودة منذ عام 2003. لذا، بالتأكيد لا يمكن أن تشارك في أي شكل في الاحتجاجات اللبنانية الحالية. ومع ذلك، أصبح شعار الاوتبور، القبضة المشدودة، مصدر إلهام قوي لعشرات الحركات المؤيدة للديموقراطية في جميع أنحاء العالم (جورجيا، مصر، جزر المالديف). لكن استخدام هذا الشعار لا يعني على الإطلاق أن أوتبور ضالعة في التمويل، بل هو مجرد شعار استلهمته تحركات أخرى حول العالم من التحرك الصربي الناجح وغير العنفي، أي أنها ظاهرة تاريخية شائعة إلى حد كبير”.

سرجا بوبوفيتش.

في المرحلة اللاحقة لحلّ حركة الاوتبور اللاعنفية، أسّس بوبوفيتش Centre for applied nonviolent action and strategies CANVAS (مركز تطبيق اعمال واستراتيجيات الصراع اللاعنفي)، ويتولى حاليا منصب مديره التنفيذي. “منظمتنا هذه مؤسسة تعليمية صغيرة، غير ربحية، مقرها بلغراد، وتعمل على تمكين المدافعين عن حقوق الإنسان والديموقراطية في جميع أنحاء العالم. وإلى جانب إنتاج مواد تعليمية جامعية على نطاق عالمي، عملت مؤسستنا في مجال التثقيف وبناء قدرات منظمات الحقوق المدنية في جميع أنحاء العالم”.

أخبار الاحتجاجات اللبنانية بلغت الى مسامع بوبوفيتش “عبر وسائل الإعلام”. ويؤكد ان “مؤسستنا لم تشارك في أي نوع من أنواع التعليم أو التدريب أو التمويل للأفراد أو الجماعات المشاركين في الاحتجاجات اللبنانية”.

ويرى ان “نظريات المؤامرة القائمة على فكرة خاطئة مفادها أن الثورات اللاعنفية يمكن تصديرها واستيرادها بطريقة ما (وقد ثبت أنها خاطئة- حركة سلطة الناس كانت ناجحة تاريخياً فقط عندما نشأت محليا وتتبعت الرؤية والقيادة المحلية) شائعة جدًا. وكانفاس استهدفتها الكثير من تلك النظريات في الماضي. لكن نظريات المؤامرة هذه لا تستطيع تغيير الواقع- على الحركات اللاعنفية الناجحة ان تتبع رؤيتها وقيادتها الخاصة من اجل ان تكون ناجحة”.

ويقول: “بعكس الصراع المسلح، تتطلب الحركات اللاعنفية، من اجل ان تنجح، رؤية ووحدة وتخطيطا وانضباطا لاعنفيا وأعدادًا كبيرة (3%-5% من إجمالي السكان وفقا للبحث العلمي لستيفان وشينويث Stephan and Chenoweth بعنوان: why civic resistance works، وهي أحدث دراسة علمية شاملة حول حركات سلطة الناس). لذلك لا توجد طرق قابلة للتطبيق، بحيث يمكن هذا النوع من التغيير الاجتماعي أن يكون موجهًا من الخارج بطريقة أو بأخرى”.

شعار القبضة… البدايات  

عبرة من صربيا، في وقت تواجه مكوّنات في حراك الثورة تخوينا بسبب قبضة اليد المرفوعة او المشدودة التي اتخذتها شعارا لها، بينما تظهر الوقائع، بالصور، ان القبضة المرفوعة تعتمدها ايضا احزاب وتيارات في السلطة شعارا لها، على غرار احزاب ومنظمات أخرى تحمل لواء التغيير والثورة.

القبضة المرفوعة “لطالما كانت رمزا لما يجعل البشر بشرا”، على قول الاستاذ في جامعة توبنغن الدكتور غوتفرد كورف Gottfried Korff في بحث عن قبضة اليد المشدودة. ويعيد “تقليدها الايقونوغرافي” الى القرنين السادس عشر والسابع عشر، بحيث “كانت ترمز الى الوفاء والاخلاص”، وارتبطت خصوصا بـ”الحركات العمالية الاولى”. خلال الثورة الفرنسية وبعدها، “رمزت للاخوة”. وقد انتقلت من فرنسا الى المانيا، حيث “أصبحت رسميا رمزا للمنظمة العمالية في منتصف القرن الثامن عشر…”.

وتتقاطع قبضة اليد المرفوعة مع تاريخ حركات اليسار الثورية بأكملها في القرن العشرين (هنا، وهنا). و”قد ظهرت للمرة الاولى عام 1924 في ألمانيا داخل الحزب الشيوعي لجمهورية فايمار. وانتشرت لاحقا، بحيث اتخذها الاشتراكيون شعارا لهم في الثلاثينيات من القرن العشرين”.

في النصف الثاني من القرن العشرين، “رافقت نضالات الحقوق المدنية للسود في القارة الأميركية في إطار الكفاح ضد الفصل العنصري. وفي الستينيات، تبنتها حركة “الفهود السود” في الولايات المتحدة”. ومن اشهر الصور، قبضة الزعيم الجنوب افريقي نيسلون مانديلا مرفوعة بعد اطلاقه من السجن في 11 شباط 1990. في الارشيف، تشكيلة منوعة من رسوم لقبضة مرفوعة، وتعود لنضالات هذا الفريق السياسي او تلك المجموعة في العالم، ولثورات في هذا البلد او ذاك. 

لبنان

في لبنان، اتخذ على سبيل المثال تكتل “لبنان القوي” قبضة مرفوعة التف حولها العلم اللبناني شعارا له . كذلك، اتخذ “حزب الله” شعار قبضة يد مرفوعة تحمل سلاحا. وادناه شعار للحزب الشيوعي اللبناني (من صفحة الحزب- منظمة عين بعال في الفايسبوك). كذلك، امكن ايجاد القبضة المرفوعة في شعار تكتل طلاب الجامعة اللبنانية… 

كذلك، يتخذ “حزب سبعة” القبضة شعارا له. وتقول عضو الهيئة التنفيذية في الحزب فيكي زوين لـ”النهار” ان “ربط شعار القبضة بحركة خارجية ما لتوجيه اتهام الى هذا الفريق او ذاك، ألاعيب لا تقنع أحدا”.

وتؤكد رفض “لغة التخوين التي يتعرض لها حراك الثورة وكل من يشارك فيها”، مشددة على ان “الثورة انطلقت من الناس، وقد وحدت اللبنانيين بعيدا من الزعماء والطوائف. وقد نزلوا ليقولوا كلمتهم انه حان الوقت لتغيير هذه الطبقة السياسية. هناك من انزعجوا من  الامر وينشرون شائعات”. وتقول: “ثورتنا سلمية. ونتعرض لحرب شائعات غير طبيعية”. 

شعار حزب سبعة (صفحة الحزب في الفايسبوك).

hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد