الرئيسية / أبحاث / قبضايات الطوائف ببيروت.. يجنّدهم الصراع الشهابي الشمعوني بعد 1958

قبضايات الطوائف ببيروت.. يجنّدهم الصراع الشهابي الشمعوني بعد 1958

محمد أبي سمرا|الأربعاء27/05/2020
Almodn.com

كرّست حوادث 1958 وذيولها نفوذ الفتوات والقبضايات الشيعة في بيروت (Getty)

لم تقوَ المدارس وأنظمتها على حمل الفتى رستم المقداد – المولود سنة 1944 في حيّ أهله الذي يحمل اسم عشيرته (حي المقداد) في حارة حريك – ولا تمكّنت من حمل إخوته الـ 18، على تجاوز المرحلة الابتدائية من التعليم.

العشائريّة والتعليم
فلا المدرسة الأهلية المجانية القريبة من حيّ المقداد (وهي تدعى مدرسة “عبد الهادي” لمؤسسها ومالكها حميد دكروب، النائب عن الجنوب، لاحقًا)، ولا المدرسة الرسمية (“الغبيري” المعروفة بـ”مدرسة الحرش” لقربها من حرج الصنوبر ما بين بيروت وقرى ساحل المتن الجنوبي، وضاحية بيروت الجنوبية)، تمكنتا من حمل الإخوة الـ18 على الانتظام في مسارهم التعليمي. فأيٌّ منهم لم يتجاوز مرحلةَ التعليم الابتدئي، إلا بصعوبة وشقِّ الأنفس. وقد تكون العصبية العشائرية من عوامل صعوبة استمرارهم في التعليم.

ففي مدرسة الغبيري ضرب رستم المقداد مدرسًا من آل حلاوي، فحُرم من التقدم إلى الامتحانات الرسمية للشهادة الابتدائية (السرتيفكا)، وطُرد من المدرسة. قبل ذلك، عبثًا حاول والده وخاله (علي أحمد الحاج، وهو من عائلات حارة حريك “الأصليين”، ووكيل أملاك الوقف الإسلامي في المنطقة، والمشيدة مدرسة الغبيري الرسمية على قطعة أرض من أوقافه) الحدَّ من مشاكسته المدرِّسين واعتدائه على التلامذة، ومن نفوره من التعليم وهربه المتكرر من المدرسة.

قبضايات وطوائف
وبعد طرده، شغّله والده سنتين أو ثلاثًا في مشغل حدّاد سيارات في وادي أبو جميل بوسط بيروت. وحوادث 1958 وأخبارها ألهبت مخيلة رستمٍ الفتى، وغذّت ميله إلى الفتوّة والفتوّات والشجار والقبضنة.

وهو يؤرخ بميله هذا وبمثالاته لمنعطفات سيرته: “كنت أعمل في الوادي عندما أقدم الشرطي حسن الشميساني (السنّي البيروتي) على الثأر لأخيه – أحد قبضايات بيروت السُّنّة – من قاتله متري العقدة (من القبضايات المسيحيين في المصيطبة)، فأرداه برصاصات من مسدسه الأميري”، قال رستم، كأنه يروي خبرًا من يوميات حياته. ثم تابع كخبير مجرّب في حوادث الفتوّات والقبضايات وشبكاتهم الأهلية، وفي ما تجرّه نزاعاتهم من تبعات: “بعد الحكم القضائي على ابنها بالاعدام، هبّت أم حسن الشميساني مستنكرة، فجيّشت أهالي بعض الأحياء البيروتية مناديةً: قوموا هبّوا يا مسلمين. فقامت تظاهرات في بعض أحياء بيروت الإسلامية، قابلتها تظاهرات في أحياء مسيحية بيروتية مجاورة، مطالبة بتنفيذ حكم الإعدام بالشميساني”.

لا يبدو أن حوادث 1958 الطائفية والأهلية في أحياء بيروت وفي لبنان، شكّلت منعطفًا في سيرة رستم المقداد، بقدر ما شحذت ميله إلى الفتوّة وفتّحت عينيه على أفق ودور جديدين في شبكة جديدة للفتوّات والقبضايات، التي أدت تلك الحوادث إلى استنهاض شبكاتهم وتجديد أدوارهم وتوسعها على مسارح الحياة العامة للجماعات الأهلية المحتقنة والمعتصبة، فآلت إلى أعمال مسلحة في كثرة من المناطق اللبنانية.

قبضايات وأحزاب
اللافت في حالة المقداد أنه كان لا يزال فتىً (طفلًا؟!) لم يتجاوز الرابعة عشرة أثناء حوادث 1958. لكن رواياته وأخباره عنها شديدة الالتصاق بها، كأنه عاش في خضمها في قرى ساحل المتن الجنوبي: “قبلها – قال – كنا نسمع أخبارًا عن وجود محازبين شيوعيين من دون أن نعرف أحدًا منهم. كانوا ينشطون في الخفاء، تحت الأرض، كما كان يُقال عنهم آنذاك. واحد منهم فقط، هو خليل علامة من أبناء الطيونة، كان يتردد اسمه وتتردد أخباره دائمًا على مسامعنا: اعتُقل، حقق معه رجال جهاز الأمن العام، ضربوه وعذبوه، ثم أخلي سبيله”.

لكن حال الشيوعيين في المنطقة اختلفت تمامًا في حوادث 1958 وبعدها: “صرنا نعلم من هم الشيوعيون الذين أخذوا ينشطون في العلن. أشهرهم إسبر البيطار الذي فرَّ من خدمته العسكرية في الجيش اللبناني، والتحق بثوار 1958، وأخذ يدرب شبانًا منهم في مدرسة الغبيري الرسمية وفي أحياء بيروت الاسلامية”. أما المحازبون السوريون القوميون الاجتماعيون في الساحل فكان لهم حضورهم الشبابي والأهلي في الأربعينات، قبل إعدام زعيمهم أنطون سعادة سنة 1949، ومهاجمة محازبين منهم مخفر الغبيري وسنترال الهاتف في برج البراجنة. وخفت ذلك الحضور حتى تلاشى تمامًا سنة 1962، عقب محاولتهم الانقلابية الثانية في عهد فؤاد شهاب الرئاسي، الذي جرَّد عليهم حملة مطاردات واعتقالات واسعة.

وجهاء وعائلات
والمعروف أن الرئيس كميل شمعون كان في عهده الرئاسي (1952 – 1958) واسع النفوذ لدى وجوه من العائلات الشيعيّة المحلية والمفاتيح الانتخابية في برج البراجنة (آل عمار خصوصًا) وفي الغبيري والشياح (آل الخليل والحاج). لكن حوادث 1958 – وهي جيّشت الشارع الإسلامي (السني البيروتي خصوصًا) ضد العهد الشمعوني في نهاياته، على قاعدة العروبة الناصرية الجماهيرية – ربما لجمت ولاء العائلات الشيعية الشمعوني في الساحل وكتمته، أثناء ذلك التجييش العروبي الذي لقي أنصارًا في أوساط عائلات شيعية أخرى (السبع والحركة). وهذه تنافس العائلات الشيعية الشمعونية على التصدر والنفوذ المحليين.

لكن الانكفاء الشمعوني الشيعي سرعان ما انقلب إلى عكسه بعد 1958، على قاعدة سعي العهد الرئاسي الشهابي وجهاز مخابراته العسكرية (الشعبة الثانية) في تقويض ركائز الزعامة الشمعونية وتهميشها، عبر قيام الشهابية باستمالة قطبي النزاع الأهلي في الشارع: “حزب الكتائب اللبنانية” الواسع النفوذ في الأوساط المسيحية، و”حزب النجادة” في الشارع الإسلامي البيروتي الذي برزت فيه بقوة لافتة أثناء حوادث 1958، زمر وعصب عاميّة مسلحة في الأحياء على رأسها فتوات وقبضايات ومفاتيح انتخابية من بطانات الزعامات البيروتية النافذة (صائب سلام خصوصًا).

الشهابية والشمعونية
لتقليص نفوذ هذه الزعامات البيروتية التقليدية وسواها في المدن السنية، ولشل قدرتها على تحريك عراضات “الغوغاء” في الشارع، علاجًا لحوادث 1958 وذيولها، عمد ضباط في جهاز “الشعبة الثانية” الشهابي إلى استمالة فتوات الأحياء وقبضاياتها و”تجنيدهم” مع زمرهم وعصبهم المحلية، إضافة إلى قيام الجهاز نفسه بإبراز وجوه من زعماء الصف الثاني في المدن السنيّة.

لمواجهة هذه “الخطة” الشهابية، عمدت الزعامة الشمعونية المحاصرة مسيحيًا بـ”حزب الكتائب” وبـ”المد الناصري الشعبي” المعادي لها إسلاميًا، إلى اتباع الأسلوب الشهابي نفسه: الاعتماد على وجوه محلية وفتوات وقبضايات في الأحياء المسيحية المدينية وفي القرى الساحلية، وخصوصًا وجوه العائلات الشيعية الموالية لها في تلك القرى، على قاعدة مجابهة نفوذ الفتوات والقبضايات في الشارع السني البيروتي.

ظهور فتوّات شيعة
“هذا ما أدى إلى ظهور فتوات وقبضايات شيعة وبروزهم في قرى الساحل”، قال رستم المقداد معتدًّا متفاخرًا، فيما هو يشير إلى نشأته وبروزه في عدادهم: عباس الحاج (قريب أمه)، عكيف وحمزة السبع (ربما كانا مناوئين لشمعون في حوادث 1958) حسن حرب، علي جواد الخليل، وسواهم من برج البراجنة.

وقد يكنّي بروز هؤلاء القباضايات عن بدايات تحول القرى الساحلية ضواحٍ لبيروت، على ما يشير مسرح تكونهم وعملهم كفتوات وقبضايات: سوق الخضر، محطات النقل ومواقف سيارات السرفيس، في وسط بيروت المديني.

فبعدما كان “معلمو” سوق خضر بيروت – أي فتواته وقبضاياته النافذون – من السنّة والمسيحيين – وفقًا للمقداد – كرّست حوادث 1958 وذيولها نفوذ “معلمين” شيعة، تصدّرهم عباس الحاج، وشق طريقهم في السوق ومواقف السيارات، ضد استفراد الفتوات والقبضايات السنّة المدعومين من صائب سلام، قبل أن يستميلهم جهاز “الشعبة الثانية” الشهابي. ومن هؤلاء: منير فتحه (كردي) وعصبته في سوق الخضر، وآخرون في أحياء بيروتية، من أمثال شخص من آل الفيومي، وآخر من آل بيضون، إضافة إلى فاروق شهاب الدين ومحمود علوان في المصيطبة وبرج أبي حيدر والبسطة.

سوق خضر بيروت وأحيائها
“قبل ظهور عباس الحاج – روى رستم المقداد – لم يكن لجماعتنا (عشيرة المقداد الشيعية، وعائلات قرى الساحل “الأصليين” من الشيعة)، أي وجود في سوق الخضر. ومدعومًا من كميل شمعون في مجابهة قبضايات سنّة الجهاز الشهابي بعد 1958، قام الحاج وفتوّاته باثبات وجودهم في السوق. فراحوا يتشجارون مشاجرات عنيفة مع منير فتحة وزمرته”.

وقد قال منح الصلح مرة: “من يسيطر على معدة بيروت (أي سوق الخضر ومعلّميها “الرياس” فيها)، كان يسيطر على بيروت كلها، ويعطل الحياة العامة في المدينة”. وكانت شبكات الفتوات والقبضايات التابعين للزعماء السياسيين فاعلة أساسية في تلك السيطرة.

ويتابع المقداد رواية أخبار قبضايات الطوائف، فقال: “في البسطة – حيث كان الشيعي يتهيّب المرور خوفًا من محمود علوان السني (صاحب ناد رياضي لكمال الاجسام) وسطوته – أقدم عباس الحاج وشبانه على ضرب علوان وكسر سطوته. ثم أثبتنا وجودنا في مواقف السيارات بوسط بيروت، فصار كلٌ منا يحمي واحدًا منها. وفي العام 1964 صرت معلمًا في تجارة البطيخ المصري المنقول بالمراكب إلى مرفأ بيروت، ومنه إلى سوق الخضر، حيث غدوت شيخ شباب ومسدسي دائمًا على خصري، فأحصِّل حوالى 3 آلاف ليرة ربحًا صافيًا في السنة. وبعدما كثرت المنافسات والصراعات بين معلمي تجارة البطيخ وشبكات فتواتها وقبضاياتها، وكادت مرة أن تؤدي إلى مذبحة بين السنّة والشيعة – بعدما انضم إلينا، نحن الشيعة، حسن الشميساني عقب خروجه من السجن – حاولنا أن نؤسس شركة مساهمة تجمع أعمالنا، سنّة وشيعة. لكن هذه المحاولة لم تتجاوز الكلام العابر”.

وتوكيدًا منه على انتشار شبكات الفتوات وعلى نشاطها ونفوذها في الأحياء البيروتية، وسواها من أحياء الضواحي في الستينات، قال المقداد: “عندما كان شخص ما يتعرض لنشل (سرقة) محفظة نقوده الصغيرة من جيبه مثلًا، كان يكفي أن يُعرف في أي مكان أو حي أو شارع نُشلت منه المحفظة، ليصار إلى تعيين فتوته أو شبانه الذين نشلوها”.

لكل زعيم قبضاياته
الحادثة الختامية التي رواها المقداد لشرح صلة الفتوّات وزمرهم بأقطاب السياسة وزعمائها، تتعلق بإقدام معلمي تجارة البطيخ وفتواتهم في سوق الخضر، على الاشتباك مع رجال من “فرقة الـ 16” أمام البرلمان في ساحة النجمة، بعد محاولة عناصر الفرقة إبعاد شاحنات بطيخ أوقفها تجاره وسط الساحة، احتجاجًا منهم على استيراد البطيخ المصري وكسره أسعار الانتاج المحلي العدلوني.

اعتقل رجال الأمن المعتدين عليهم واقتادوهم إلى مخفر ساحة البرج، حيث حاولوا التكاثر عليهم لضربهم ثأرًا منهم لكرامتهم المهانة، فما كان من الضابط المناوب في المخفر، رامز كنج – من الشياح وتجمعه صلة محلية ببعض فتوات تجارة البطيخ – إلا أن هدّد عناصر فرقته الأمنية، قائلًا لهم: “من يمدّ يده إلى أي منهم سوف أكسر يده”.

وبعد ساعات على الحادثة وصل إلى المخفر كل من صائب سلام، عبدالله اليافي، محمود عمار، عادل عسيران، وكاظم الخليل، فاصطحب كل من هؤلاء الزعماء السياسيين “معلم البطيخ” التابع له مع زمرته من الفتوات.

الشمعونية وفتوّات الشيعة
وفي نشأته فتوة، كان رستم المقداد صلة وصل أو جسر ما بين حي المقداد العشائري الشيعي وشبكة الفتوات الناشئين المنتمين إلى عائلات شيعية من السكان “الأصليين” في حارة حريك والغبيري وبرج البراجنة. فرستم كان فتى من 18 أخًا، أمهم ابنة إحدى تلك العائلات المنتشرة في القرى الساحلية التي لعب قريب أمه، عباس الحاج، دورًا مؤسسًا ورائدًا في نشأة فتواتها الشيعة.

وإذا كان الفتوات الشيعية قد ظهروا في عشايا حوادث 1958 وفي خضم شقاقها الأهلي الطائفي، فإن نشوء حي المقداد العشائري كان قد سبق له أن أثار في محيطه السكني “المستقر” فوضى واضطرابًا ومخاوف بثّت شقاقًا أهليًا في ما يسمى “التعايش” او “الوئام” بين أكثرية السكان “الأصليين” المسيحيين وأقليتهم الشيعية في حارة حريك. فهذه الأقلية وجدت في الحي الشيعي العشائري الناشىء سندًا لها، يمكّنها في قابل الأيام وتقلبات ظروفها من الاستقواء، كأقلية محلية، على الأكثرية المسيحية. وهذا ما حان موعده إبان حوادث 1958 الأهلية الطائفية التي فاقمت مخاوف المسيحيين، وفي خضمها وبعدها ظهر الفتوات الشيعة، لكن لمجابهة الفتوات السنّة على المسرح المديني البيروتي، مدعومين من الزعامة الشمعونية.

(*) عن نشأة حي المقداد وملابساتها، ونشأة رستم المقداد وسيرته، راجع في “المدن”: “عشيرة المقداد وآل الأبيض”. و“عشيرة المقداد في حارة حريك”.