الرئيسية / أضواء على / «قاموس» إسكندر نجار يسترجع ذاكرة لبنان

«قاموس» إسكندر نجار يسترجع ذاكرة لبنان


بيروت – عبده وازن
الحياة
23112017

كم تبدو صفة «سويسرا الشرق» التي أطلقها الكاتب الفرنسي الكبير فرنسوا مورياك على لبنان، واهية اليوم وغير واقعية بعدما بلغ «وطن الأرز» ما بلغ من أحوال تردّ وتراجع وإفلاس، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، عقب حروبه المتعاقبة منذ العام 1975. أضحت هذه الصفة التي راجت كثيراً، من ذكريات الماضي الجميل الذي ولّى نهائياً. هذا الماضي الأشبه بحلم عابر هو ما يسترجعه «قاموس لبنان» (دار الساقي) للكاتب إسكندر نجار، مستعيداً رموزاً ووجوهاً وظواهر ساهمت في صنع صورة لبنان الذي كان يوماً كما هيأت له خصوصيته أن يكون، بلد الانفتاح والازدهار والإلفة، و «همزة الوصل» بين الشرق والغرب.

صدور هذا «القاموس» اليوم، في أوج الأزمة السياسية المتفاقمة، يبدو مناسبة لإعادة قراءة التاريخ، والواقع الجيو- سياسي وخصائصه التي طالما تفرّد بها لبنان. وتمكن نجار من تجاوز التناقضات التي يحفل بها البلد، الذي أصبح أشبه بـ «حقل ألغام». حتى الآن وبعد حرب أهلية طاحنة، ما زال اللبنانيون يختلفون على أمور جوهرية مثل الانتماء والهوية والوطنية ومفهوم الآخر.

أبعد المؤلف أهل السياسة والسياسيين عن قاموسه، متحاشياً السجالات السياسية المفلسة والعقيمة، لا سيما أن بعضاً من هؤلاء السياسيين كما يقول، كان مسؤولاً عن الآلام التي يعانيها لبنان، هذا الوطن الذي تحكمه «جماعة مافيوية» لا يهمها البتة بناء دولة عادلة تكون بمثابة خصم لها. لكنه استثنى بضعة سياسيين كانوا صحافيين وكتاباً.

استطاع هذا البلد أن يبقى وتمكن أهله من الصمود، يعيدون في الصباح بناء ما دمره العنف في الليلة السابقة. يصف نجار لبنان السياسي بـ «عقدة عُقدٍ معقّدة»، وهو هكذا فعلاً. وينقل عن الكاتب الفرنسي هنري لورنس قوله الصريح: «إذا فهمتم شيئاً مما يجري في لبنان، فهذا يعني أنه شُرح لكم خطأ». لكن ما يؤسف له أن كل شيء تغير في لبنان، «حتى مظهر لبنان تغير. الأبنية القديمة التي كانت تصنع سحر العاصمة اختفت، والبناءات الفوضوية شوهت الساحل والجبل». يضع نجار هنا إصبعه على الجرح النازف: الجرافات هدمت بيروت القديمة وذاكرتها، وقضى الفساد والجهل على النظام الهندسي في معظم المناطق. لكنّ لبنان يبقى الوطن الذي تعاقبت على أرضه سبع عشرة حضارة تشهد عليها الآثار القديمة والعريقة في بعلبك وجبيل وصور… وطن المناخ الجميل، وطن الموزاييك الديني بطوائفه الثماني عشرة ، وطن «الرسالة» وفق تعبير البابا يوحنا بولس الثاني. وما يميزه أيضاً هو الطابع الكوزموبوليتي الذي يجعل زوار لبنان لا يشعرون بأنهم غرباء.

سعى نجار إلى جعل هذا «القاموس» شاملاً فلم يدع اسماً أو معلماً ثقافياً وأثرياً وظاهرة تاريخية أو راهنة إلا اختارها وكتب عنها. كل الأسماء الكبيرة هنا، كل الوجوه اللامعة التي صنعت «مجد» لبنان. كل الظواهر التي صنعت فرادة لبنان هنا، من صغيرها إلى كبيرها، من نافلها إلى أشدها حضوراً. وكم بدت جميلة استعادة الشعراء والروائيين العالميين والعرب الذين عبروا لبنان وكتبوا عنه واستوحوه في أعمال لهم: خورخي أمادو، موريس بارّيس، آغاتا كريستي، غوستاف فلوبير، جان جينه، إندريه جيد، جيرار دو نيرفال، أرنست رينان، أرتور رامبو، جورج برنار شو، نزار قباني، محمود درويش.

ولم يتجاهل المؤلف الثقافة الشعبية فكتب عن «المنقوشة» نجمة الفطور، وعن «القبضاي» و «أبو العبد» الشخصية البيروتية التي تدور حولها مئات النكات الشعبية، عن الشونسونييه أو مسرح القوّالين، عن الدبكة والزجل والكعكة والعرق والنارجيلة والقهوة والخبز والطربوش والشتائم البلدية. كل لبنان هنا ولكن كما يجب أن يكون. لبنان التاريخ والجغرافيا والحضارة والأدب والفن والصحافة والعادات والتقاليد والثقافة الشعبية واليومية.

اضف رد