في يوم ميلاد المسيح: عودة إلى حكاية هجرة السيدة مريم باتجاه الصحراء

 محمد تركي الربيعو 
القدس العربي
28122019
https://www.alquds.co.uk/

في ظل الاحتفالات التي نعيشها هذه الأيام بميلاد السيد المسيح، يكثر الحديث عن معاني هذه الولادة، ودورها في خلق السلام والمحبة بين الأديان. فيسوع المسيحي الذي بقي، كما تروي الحكايا والقصص الدينية، يصرُّ على رسالته، رغم كل الأذى الذي تعرّض له، قد يمثِّل نموذجاً وصورة مثالية لآلاف المظلومين والباحثين عن خلاص واستقرار، وعن ولادة جديدة في حياتهم.
كما أن هناك من يستغلُّ هذه الفرصة للحديث عن صورة هذا المخلّص في الأديان ودوره في تجديد رؤيتها، ولاسيما داخل الإسلام. ولعل هذا ما كان محل اهتمام الباحث التركي مصطفى أكيول في كتابه «يسوع الإسلامي: كيف أصبح ملك اليهود نبياً للمسلمين». فقد حاول أكيول، في كتابه هذا، المقارنة بين وضع مسلمي القرن الـ21 ووضع اليهود خلال الاحتلال الروماني، وشعورهم بضرورة محاربتهم بأي طريقة كانت، ليصل إلى نتيجة وهي، أن المسيح جاء لإعادة تفسير رسالة الله إلى اليهود، التي نادى بها نبيهم موسى، وبالتالي فإن الأخذ بمثاله قد يُعدُّ مدخلاً جيداً للمسلمين اليوم، لإعادة النظر في تفاسيرهم الدينية، التي، وفقاً لأكيول، لا تزال حبيسة القرن التاسع عشر. البعض قد يفسّر هذا التأويل بوصفه امتداداً للتأثر بنموذج الإصلاحية البروتستانتية، التي ترى أن الإشكالية اليوم في عالم المسلمين تكمن في عدم تجديدهم لرؤيتهم الدينية، وبالتالي لا بد من وجود مارتن لوثر، وهو في مثال أكيول المسيح نفسه، وقد يكون مقبولاً أكثر من لوثر، فهو نبي من أنبياء المسلمين؛ كما أنه قد يكون محل خلاف كبير أيضاً، إذا ما قورن بليالي الشرق الأوسط الدامية والسوداء، فقتامة هذه الليالي لا تتحملها التفسيرات الدينية القروسطية حسب (داعش)، بل كذلك عنف الدولة وقمعها وقتلها لكل شيء من بشر ومعان للحياة، وعقلانية مشتهاة. وفي حال عرضنا عن هذا النقاش اللاهوتي، ربما ما يُسجّل في غالبية هذه المقالات وحتّى في الاحتفال بهذا الميلاد، هو أن السيدة مريم العذراء ما تزال تحتل مكانة متواضعة في معاني ورمزية هذه الاحتفالات، وكذلك على صعيد ما تخلقه هذه المناسبة من نقاشات لاهوتية بين الإسلام والمسيحية، ولعل هذه الملاحظة بالذات هي التي ستكون محل اهتمام عدد من دارسي الديانات التوحيدية الإبراهيمية من أمثال الفرنسي ميشيل دوس، الذي كان له إسهام كبير في إعادة الاعتبار للسيدة مريم، في قصة خلق السيد المسيح، من خلال إعادة تركيبه وتقميشه لصورها في التوراة والإنجيل والقرآن؛ وبدلاً من النظر لها بوصفها أم المسيح، استطاع دوس أن يقدّم لنا، من خلال مقارنة بين النصوص الدينية (اليهودية والمسيحية) وسورتي مريم وآل عمران في القرآن، تفسيراً فريداً، بل أن يُحدِث انقلاباً في سردياتنا عن قصص الخلق الأولى، كما يكشف لنا عن القواسم الروحية المشتركة بين الأديان، التي عادة ما نروم للوصول إليها في حديثنا عن هذه المناسبة.

السيدة مريم.. قصة اللقاء الأولى

تذكر لنا المروياتُ الإسلاميةُ حوادثَ عديدة عن نشأة الإسلام المبكّر وما عاناه رفاق النبي من مظالم على يد أهل قريش، الذين كانوا، حسب بعض الباحثين في تاريخ العرب قبل الإسلام (توفيق فهد مثلاً وكتابه «الكهانة العربية»)، أصحاب رؤى وشعائر دينية عميقة؛ فبعد دعوة النبي محمد وانتشارها بين أهالي مكة، تروي المرويات أن هذا الانتشار سرعان ما أخذ يقلق رجالات المدينة المشركين، الذين خافوا على مصالحهم أو بالأحرى، كما يقول الإناسي الراحل حسن قبيسي، رفضوا هذه الدعوة انطلاقاً من فكرة ثقافية تقوم على الإخلاص لذاكرة الآباء أو طقوسهم «بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون» (سورة الزخرف)، وبالتالي لم يكن أمامهم، كما تذكر المرويات الإسلامية، سوى التضييق على هذه الدعوة، من خلال جعل حياة أنصار النبي مستحيلة؛ وفي ظل هذا المعطى وجد النبي أنه لا سبيل للخلاص سوى في ترك بعضهم مكة والتوجّه إلى الحبشة لاجئين عند النجاشي، ملكها المسيحي، ليكون أول ارتحال للمسلمين عن ديارهم، وتكون وفقاً للبعض بمثابة الهجرة الأولى في الإسلام، خلافاً للتقويم الذين يربط الهجرة الأولى بهجرة النبي. لن تتوقف الأمور عند هذا الحد، إذ ستقوم مكة بإرسال عدد من رجالاتها لحث الملك الحبشي على إرجاع المنشقين عن بلادهم، وفي هذه الزيارة سيحدث ربما أول نقاش لاهوتي بين المسلمين والمسيحيين، بعد أن طلب منهم النجاشي تبيان حجتهم، فتقدّم أحدهم، واسمه جعفر (لابن كثير رواية أخرى تقول أن من تحدّث يومها هو عثمان بن عفان وأن جعفر تمثّل دوره في ترجمة الكلام)، ليتلو سورة مريم التي كانت حديثة العهد بالنزول «واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً».
غالباً ما قالت بعض التفسيرات لهذه الحادثة أن اعتمادَ المسلمين على هذه الآية جاء كاستراتيجية دفاعية حاول المسلمون اتباعها لاستعطاف موقف أهل الحبشة، بيد أن دوس وجد أن هذا التفسير يبقى ذا رائحة سياسية، لا يولي مكانة كبيرة للمناخ الفكري آنذاك، المشحون برمزيات دينية عالية، قد لا توافق عقلانية المفسّر الديني أو التاريخي اليوم؛ فهذه الحادثة لم تكن حادثة عادية، بل جاءت لتمثّل أول لقاء جدي بين المسلمين والمسيحيين.
من هنا فإن الصورة التي رسمها لنا الرواة المسلمون عن هذا اللقاء، إنما كانت تعكس حدثاً تاريخياً مشحوناً برمزية دينية كبيرة، فهؤلاء المهاجرون لم يسعوا وحسب إلى بناء أو خلق حالة قرابة روحية مع الآخرين (النجاشيين المسيحيين)، بل كانوا يرومون صياغة حكاية مشتركة، من خلال جعلهم السيدة مريم تُقدم على هجرة، من خلال انفصالها عن ذويها، لتعود لهم حاملة المسيح، البشارة الإلهية، وكم لهذا التفسير أن يكون بليغاً في خطابه لأولئك المسلمين الأوائل، المرغمين هم أيضاً على الرحيل عن ديارهم قبل أن يأذن الله لهم بالعودة إلى مكة حاملين لأهلها الخلاص.

مع إعادة كتابة قصة الخلق مع مريم، تغدو المرأةُ هي الحاملة لروائح التكوين والبشارة والتجديد داخل البشرية، وربما هذا ما تروم إلى قوله والتذكير به كل عام قصة هجرة السيدة مريم وميلاد السيد المسيح.

حواء الجديدة..انقلاب الأدوار

يكمل الفرنسي دوس قراءته لدلالات فكرة الهجرة في قصة السيدة مريم، فيعود بنا إلى حادثة ارتحالها إلى الصحراء بعيداً عن قومها، لتنتبذ مكاناً لا تعرفه، يصفه القرآن بـ«الشرقي»، وهي كلمة توحي بالفجر وبانبثاق النور الذي يمزّق الظلمات، وليس بمكان ما بالضرورة. يتنبه دوس أو «الثعلبي الفرنسي» العارف في تاريخ الأديان التوحيدية وقصص أنبيائها؛ أن مريم لم تكن الأولى التي قطعت صلاتها بقومها، فقد سبقها في ذلك إبراهيم، بناء على أمر إلهي، نحو وجهة لا يعرفها، كما اضطرت هاجر أم إسماعيل لأن تلجأ إلى الصحراء، لأنها طُرِدت من منزل أسيادها، وكذلك مريم التي تغادر أسرتها وتتوجه إلى الصحراء. ولعل اختيارها للصحراء جاء استكمالاً للقصص الدينية، فالصحراء قد تجلّت، ومنذ الأزمنة التوراتية، بالمكان المثالي الذي يتفجّر فيه الكلام النبوي، الذي تتمثّل واحدة من مهامه في نقد أشكال السكون واليقينيات، وعلى هذا تغدو البرية مقترنة اقتراناً لصيقاً بكل عودة إلى أصول الوحي الإلهي، وينبغي لكل مرحلة جديدة أن تمرّ من نقطة الصفر تلك. ولعل في هذه الدلالة ما يذكّرنا بعشرات القصص والحكايا عن متصوفة هاجروا إلى الصحراء أو اعتزلوا (من جذر عزل، والتي تأتي بمعنى الابتعاد والاختلاء في مكان بعيد، وهو ما يعني شكلاً من أشكال الارتحال أو الهجرة المؤقّتة) قبل أن يعودوا لاحقاً حاملين رؤى ورسائل أخلاقية، وربما حتى يومنا هذا، غالباً ما ترتبط محاولات البدء والمراجعة بضرورة الهجرة أو الارتحال إلى البرية؛ وفي حالة السيدة مريم، لم يهبها الله ابناً إلا بعد أن اعتزلت قومها وأقدمت على الهجرة للصحراء، وفي هذا المكان القصي تباغتها الآلام فترغمها على أن تسند ظهرها إلى جذع النخلة كما يقول القرآن، وهنا يكشف لنا دوس عن تفسير جميل وفريد، ففي تفسيره للآية «وهزّي إليك بجذع النخلة» يرفض فكرة اعتبارها أي نخلة، فصيغة المفرد المعرف تجعل تلك الشجرة كأنها فريدة ولا مناص من أن تذكّرنا بالشجرة التي حُرّم على آدم وزوجته أن يقرباها. وهنا يكمن تفسير دوس، فالعودة والربط بين نخلة ولادة السيدة مريم، وشجرة آدم المقدسة ليس الهدف منه العودة للحديث عن دور الأشجار في قصص الأنبياء والقديسين والمتصوفة وحسب، بل أيضاً عودة للفضاء الذي أحاط بها، وهي قصة الخلق الأولى، ففي هذه القصة تُخلق حواء، وفقاً لسفر التكوين، من آدم، لتكون رفيقة ملائمة للرجل، في حين نجد أن هجرة مريم إلى الصحراء والبرية وولادتها إلى جانب شجرة مقدّسة، إنما تعيد ترتيب قصة الخلق الأولى من جديد، اذ ينفخ الله من روحه في العذراء، ليخلق عيسى، بينما يقوم في قصة الخلق الأولى بالنفخ في صلصال لخلق آدم الذي تُخلق حواء من ضلعه، وهو ما يعني انقلاباً في الأدوار أو في «طقس الخلق»؛ ذلك أن نظام الخلق مع قصة السيدة مريم بات يعتمد على امرأة، وهذا ما يعني ضرورة التأسيس لمدلولات جديدة في علاقة الرجل بالمرأة، فالنظام الاجتماعي ـ حسب بيير بورديو ـ يشتغل باعتباره آلة رمزية تصبو إلى المصادقة على الهيمنة الذكورية عبر الأساطير التأسيسية للجــماعة، وهي في حالتنا القديمة قصة خلق حواء، التي تولد من ضلع آدم، ما يكسبها موقعاً دونياً في المخيال الشعبي والحياة اليومية، بينما مع إعادة كتابة قصة الخلق مع مريم، تغدو المرأةُ هي الحاملة لروائح التكوين والبشارة والتجديد داخل البشرية، وربما هذا ما تروم إلى قوله والتذكير به كل عام قصة هجرة السيدة مريم وميلاد السيد المسيح.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*