الرئيسية / home slide / في وداع القصيدة: هل غادر الشعراء من متردم؟

في وداع القصيدة: هل غادر الشعراء من متردم؟

فيليب جاكوطيه ـ فيرجينيا وولف ـ رينيه شارجان ميشيل مولبوا

تقديم وترجمة رجاء الطالبي

هل الشعر في أزمة؟ يبدو هذا السؤال محزنا، وأكثر إلحاحا وتجليا في الوقت الحاضر، يعاني الشعر من عزلة كبيرة. قد يزود القراء بالكلمات الأساسية لرؤية أفضل، قد يساهم في حلم التسامي بالحياة؛ لأن كل كلمة مكتوبة هي سر مكشوف لفك رموز العالم! لكن لا يزال الشعر يعاني من تجاهله. يواصل الشعراء، في عزلة وفي غياب أي دعم، يواصلون، رغم كل شيء، طريقهم مثل الكلاب الضالة. لا جمهور ولا اعتراف! ومع ذلك، يجد كل مؤلف في عزلته الشجاعة لملء الفراغات الموجودة في عصرنا، كالظلال المراودة شساعة البحر هم الشعراء، كالجزر والمنارات!
في الواقع يوجد الشعراء حيث يعيش الناس، بصحبة الصمت يعانون من الهجران في الصباح والليل. لماذا إذن يحكم على الشعراء بهذا الوجود المنعزل؟ ربما لأنهم يملكون القدرة على رؤية ما لا يراه غيرهم، ربما لأن الخيال قوة مهددة تزعزع رسوخ الواقع، ربما هو الواقع الذي لا يقبل أن يرى بأعين تخترقه، وترى أبعد مما يعرضه السطح، هل لأن الشعر مزعج؟
الشعر ليس فنًا من أجل الفن أو فنا للاحتفاء بالجمال فقط، إنه عمل يمكن الوصول إليه، دون خداع، دون غش. كثيرا ما يسخر الشاعر ويقول أشياء؛ ربما تكون فظيعة، لكنها يجب أن تقال. إن الشعر حديث وربما حديث جدا؟ ومع ذلك، هذا ليس إنتاجا نخبويا.. ربما يكون جديدا جدا، هذا كل ما في الأمر.
صغير جدا هو الشعر في السن، ولا يزال أخضر. بالنسبة للشعراء الأكبر سنًا!
أخيرا، إن الشعر حقل لاختبار التجارب الملموسة، التي يمكن أن تكون خطرة على السلطة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاحتفاء بأقوى المشاعر والمبادئ كالسلام والعدالة والحرية، وحتى النضال من أجل الحرية، لتتحول القصيدة إلى أغنية ينقلها المقاومون أو الضحايا إلى القلب. هل سبب هذه الأزمة هو تخلي الشعراء عن مواجهة الأسئلة الكبرى للوجود كسؤال الموت، وقيمة الحياة وضرورة النضال من أجل غد أفضل؟ هل تعد هذه الأسئلة متجاوزة وكم يبدو مغريا هذا الالتصاق المريض بالذات والعبث بجراحها، أو الالتصاق بإسفاف في مهنة العيش عبر تقويض ما يدعم الوجود الحقيقي بركوب العبث والسخرية والعربدة؟ عبر تدمير كل شيء وتربع عدم غير مبدع. هل هذا سبب إدانة الشعر وسجنه؟ وباختصار، فإن الشعراء مشكوك فيهم لدرجة أنه لا يمكن نشر دواوينهم وقراءتهم والاحتفاء بميلاد شاعر كما كان في عهد ليس ببعيد؟

يقترب الشعر من نهايته.. إنه يحتضر اليوم

ربما لن يكون هناك شيء آخر يمكن كتابته قريبا. غير متحمسين «لإسراف الجسد» يتخلى المعاصرون عن تحدي المستحيل بالكلمات. متخلين عن هذه السلعة، يرضون فقط بالدهشة. متدافعين في صخب المدن، متدحرجين في دقيق الصور، متخلصين من المنشفة، لم يعودوا يسعون إلى استعادة موطئ قدمهم في الأرض التي استبعدوا أنفسهم منها.
هذا كتاب وداع لما ضاع أو اختفى بالفعل: القصيدة، حياكة الأشكال، موضوع الجمال، كثافة الحقائق اللغوية، التنفس السريع أو البطيء للفكر. الوضوح والحيرة. يتحول الشعر في نهايته بحزن نحو الأصوات العزيزة التي صمتت. والتي تنعي القصيدة، كما أحببناها، كشيء مفقود.
أن تقول وداعا: هذا يعني، مع ذلك، أنه لا يزال يتعين كتابة شيء ما… في ذكرى القصيدة. كمن يعتني بقبره ليحافظ على ذكراه، أو يقوم ببناء منزله الأخير: صندوق بسيط بمسمار. «القبر الصغير بالطبع للروح».

لإرضاء الذوق الفرنسي، عليك بالكاد إخفاء الشعر، كما تفعل مع الحبوب، بإخفائها في مسحوق عديم اللون، وتجعله يبتلعه دون أن يدرك ذلك.في فرنسا، يظل أكبر عدو، هو القوة الساحرة للغنائية.

الشعر المتقطع الأنفاس

كان الشعر الفرنسي في ذلك الوقت يتغذى، لدرجة الاختناق، على كل ما يقوض النشيد ويمنعه ويشله. بعد أن تم الوعي بخرابه، استمر في تكرار تصدعه واجترار عيوبه وعطالته. مع استثناءات نادرة، يجهل الشعر أو لم يعد قادرا على قول أي شيء، عاجز عن التعبير عن دعمنا المحتمل، أو أسباب عيشنا أو ممتلكاتنا. غير قادر على تقديم يد المساعدة، لا يبدو أنه يمكنه أن يعارض العصر إلا من خلال التنصل من نفسه. تتلخص الإجابات الوحيدة الممكنة عن مهامه لدى العديد من المعاصرين في تهويل الحقيقة، ومفاقمة تصويرها، وفي تلك السوداوية التي تغلب على تناوله للموضوع. غريبا، معاديا لأحلامه القديمة، سئم من عجزه، خجلاً مما حل بالعالم، يود الشعر أن ينهي تاريخه.
لكن لسنوات عديدة، حاول الحديثون تبييض القصيدة من عيوبها، بتحريرها من الموسيقى والصور. هزيلة، فقيرة، ممنوعًة من الإنشاد، أصبحت القصيدة موضوعا قاسيا ورصينا للغة، وأقل قدرة على الحركة أو الإغواء أو بث الخوف. لا يتسامح الخطاب الحالي مع الشعر إلا بشرط أن يعلن نفسه «غير مقبول»: مذنب بالخداع، ولن تتم تبرئته من جرائمه الرومانسية إلا من خلال الانخراط في أشد أشكال النقد الذاتي. ومع ذلك، فإن الشعراء ليسوا أطفالًا ضالين ولا حالمين لا يمكن إصلاحهم. لا يخلطون بين الأقنعة والوجوه. على الرغم من كونها مذهلة، فإن الصور التي يبتدعونها تتكون من «أخطاء محسوبة» تتخذ من التردد وتذبذب المحسوس موضوعا لها.
من خلال تأكيد اكتفائه الذاتي وفحص نفسه في المرآة، لم يعد الشعر يرى سوى نفسه فقط. مشلولا بالريبة، لم يعد يغني، لم يعد يمنح نفسه، بل انقلب على أسبابه القديمة: القلق، الجمال، الأمل، وحب هذا العالم… لا يجد سوى الإغراءات والأكاذيب في ما كان في السابق ذا قيمة بالنسبة له. لم يعد هذه القوة العظيمة في اختبار الأشياء والوجود، تلك القوة الممزوجة بالإنشاد.، كما نجدها لدى بودلير أو رامبو أو مالارمي: لا شيء سوى المصطلح المرير لوضعية منحلة.
ماذا نفعل الآن بالقائمة الطويلة من الفضائل والواجبات التي رفضها فيكتور هوغو سابقًا في مقدمته لـ«الأصوات الداخلية»؟ هل هي فقط شهادة عفا عليها الزمن عن حقبة منسية ومهمة ضائعة؟ بين المبالغة الرومانسية في القيمة والتفاقم المعاصر للهراء، ألا يوجد مكان لبعض «الأفكار الجادة والمسالمة والهادئة» التي يظل الشاعر مسؤولاً عنها؟ غالبا ما أتذكر هذه الكلمات غير المتوقعة من هنري ميشو: « يجب أن أمنح الثقة والشجاعة».
لقد أدركنا منذ فترة طويلة أن «كل شيء يستدعي الصمت» «أن اللغات» كثيرة» وأن الكلمات ليست أشياء، وأننا منفيون في الكلام، وأن الصور خادعة، وأن الأفكار لا تشكل عالماً نعيش فيه، وأن الغنائية هي سرير لفشلها… كل هذا، الذي تكرر كثيرا، تراجع لأكثر من قرن بجميع النغمات، مثل وحي مظلم تتبعه عواقب لا تحصى، أصبح الآن حقيقة بديهية. كما تتكرر أيضًا فكرة «لسنا في العالم» وأن «الجزء الملعون» موجود في القصيدة التي ستقال.. مهيؤون بشكل سيء لهذا العالم، غير راضين ومتلهفين، نشتكي كلنا من نقص ما.
هذا النقصان، مع ذلك، هو أثمن ما نملكه. بعيدا عن الخوض فيه بحزن كعلامة لا تمحى على عدم اكتمالنا وعجزنا، إنها مسألة قبوله نهائيا دون مرارة: لا يحرمنا السلبي من النشيد، بل يكشف لنا جماله. إذا بقي مبرر وجود الأشياء بعيدا عن متناولنا وإذا بقي الواقع غير قابل للاختراق، فنحن قصيدة هذا الصمت!
لإرضاء الذوق الفرنسي، عليك بالكاد إخفاء الشعر، كما تفعل مع الحبوب، بإخفائها في مسحوق عديم اللون، وتجعله يبتلعه دون أن يدرك ذلك. في فرنسا، يظل أكبر عدو، هو القوة الساحرة للغنائية. قدرتها على المبالغة، وشهيتها لما هو متسام، وعزمها على الرغبة في المستحيل، وكذلك تلك الحمى ومعتقداتها المفاجئة.. لا نحب الأصوات الدافئة بلهجات مؤثرة، نحن نفضل نثرا شديد البياض، وباردا ونحويا، وهذه السمة الساخرة التي تبقي الآخر بعيدا.
… لم نعد هناك. حان الوقت لإعادة الاتصال بإمكانات لغة تم استكشاف عيوبها ومزالقها في جميع الاتجاهات.
– قل لي، هل الكلمات تتألم؟ تسأل فيرجينيا وولف. لكن ما الذي ستعاني منه؟ لولا نسيانها وهشاشتها وتألقها؟ الانتقال من فم إلى فم، أو من كلمة إلى أذن، دون الالتفات إليها وإلى الضجيج المحيط بها. لقد أصبحت مألوفة، أو عملة قديمة، دون تذكر هذا الفراغ الذي ينتمي لها وهو أن تحفر في رأس الإنسان. هل يعود للشاعر أن يبالغ في عنايته بها، أم أن يضاعف معاناتها؟
لمن سيحتفظ الشاعر بفرصة أن يُسمع، إذا كان قلمه يرحب فقط بما هو مخالف ولا يبعث على الارتياح؟ هل يعتبر أنه فقد مكانه إلى الأبد، ولا معنى لوظيفته: معزولا عن كل الجمهور، يكتب فقط لأقرانه الذين لا يقرؤونه، يقول من أجل لا شيء أو أي شخص، أسير هوس عقيم؟ هل يمكنه فقط أن يكون عنيفا وساخرا ويائسا: شاهدا على نهاية عالم كان سيتخلى تماما عن جعله أكثر قابلية للقراءة؟

إن الشعر موجود ليموضع نفسه ويعيد تقييم نفسه باستمرار ضد ما يهدده أو يقوضه أو يمنعه. لذلك لا يمكنني التنازل عن وصفه بأنه الهدف الوحيد لقياس «شساعة الكارثة» وأرفض تكرار مقولة عدم جدواه.

من الصعب بعد رامبو، أو لوتريامون، أو باتاي، أو بيكيت، أو أرتو، أن يظل صوت الأمل مسموعاً، بما إن الكتابة استطاعت مواجهة الشر واللامبالاة من أجل التحدث عنها بقوة، يبدو أن الطريق السلبي فقط هو الذي يبقى مفتوحا أمامها، وأنه لا يمكنها محاربة قبح العصر، إلا بتكراره بعنف. ومع ذلك، هناك حقيقة واحدة تضعف القوة التخريبية لمثل هذه الأساليب: انتعاشها السخيف والتافه من قبل مجتمع المشهد والسوق. ليس هناك ما هو أكثر عصرية اليوم، في الأدب كما في الفنون، من التجاوز: «الحتمية الإباحية» تجعل التجارة في الورق والصور تزدهر. كما يلاحظ جان كلير في De Immundo، «يبدو أن مؤسسة ذوق كاملة تشيد بفن الاستياء هذا. ليس هناك ما هو أكثر شيوعا في الشاشات الكاتوديكية من العنف الأنيق أو التافه. لا شيء أندر من الجمال. ألا يمكن أن يصبح المنحرف والغريب عبر هذه العودة المذهلة، وما لا يمكن تصديقه والمرفوض نقيضا للسلبي؟ ليس الإفراط، لكن العقل، ليس الجنون، لكن الرغبة في المعنى؟

الشعر مع ذلك

إن الشعر موجود ليموضع نفسه ويعيد تقييم نفسه باستمرار ضد ما يهدده أو يقوضه أو يمنعه. لذلك لا يمكنني التنازل عن وصفه بأنه الهدف الوحيد لقياس «شساعة الكارثة» وأرفض تكرار مقولة عدم جدواه. إن خاصية الشعر الحديث هي: دمج النقد بحدوده والوعي بفشله. تحديد اللاشيء الذي يجب أن يبدأ منه من جديد. لذلك لم يعد الأمر يتعلق بتكرار الحاجة إلى القضاء عليه. بدلا من ذلك، أبحث عن كيفية الاستمرار في هذه «اللعبة المجنونة»: ما هو الهدف منها؟ إلى أي مدى ستتورط فيها ؟ وبأية قوى ستمضي؟ الشعر: هو تلك الحقنات المعززة ضد النسيان، ضد الاستعمال، ضد البلى.
يتطلب إنقاذ فكرة الشعر: الثقة في تنفس محتمل في اللغة. يجب عدم اعتباره وسيلة خاضعة «للاتصال» ولا علامة قاتلة لغربتنا. بدلاً من ذلك، يجب النظر إليه كمكان للعمل، حيث تبدأ الكلمات أحيانا في مشابهة الأشياء مرة أخرى، حيث تتم إعادة إنشاء الروابط ويتم اختراع النماذج لأكثر الفجوات التي لا يمكن حلها.
نحن نعلم أن الشعر يتحدث عما يُطّلِق الكلام أو يقطعه: العواطف، والقلق، والمرور الصامت للجمال. إنه يبطل التشوهات والاضطرابات ويضاعف المعاني. وبالتالي، فهو يتألف من فرط نشاط المعنى الذي يستجيب للغياب الأولي أو تحجر المعنى. كل قصيدة حقيقية تحتضن في الحركة نفسها دعوتها للصمت والرجوع عن هذا الصمت.
على السؤال الذي يطرح في كثير من الأحيان: «كيف تكتب بعد أوشفيتز؟» ما زلت أسمع جواب إدموند جابيس:
تستبطن أناشيدي هشاشة العظام تحت الأرض. احتفلت في الماضي بالنسغ والفاكهة. لم أكن أهتم كثيرا بالرياح.
سماء الخريف الحديدية هي سماؤنا الثقيلة.
يتخذ هذا الرد شكل قصيدة شعرية مختصرة تؤكد كلمات بول سيلان: «ما زالت هناك أناشيد تُغنى خارج نطاق البشر. لم تعد هذه الأغاني احتفالية ولا تمجيدية لأن السماء «مصفحة» مثل الأحذية الثقيلة للجيش. لم يعد الأمر يتعلق بالغناء عن النمو والثمار، بل يتعلق برؤية غير المرئي، سواء كان نفسًا أو ذكرى مدفونة. كتابة وفائه لما كان والذي اختفى، بكلمة متقطعة ومجزأة. والاعتناء بالمحدودية كما نعتني بالموتى. لتتبعها، للحفاظ على ذاكرتها. الإبقاء على القلق الحالي من معاناة الماضي. «يجب أن نكتب من أوشفيتز، من هذا الجرح الذي يتجدد باستمرار ».
تبقى هناك رغبة يائسة: وهي استرجاع ما يبتعد، معاودة تداول ونقاش اثنين من الزخارف العظيمة التي أثبت بودلير دون رحمة انحطاطها خلال الحداثة الشعرية منذ ذلك الحين وهما: الأمل والجمال. هاتان كلمتان مفقودتان، قمران قديمان لا صلة لهما بالموضوع، وأصبح الحديث عنهما غير منطقي… اعتبارا من مسؤولية الشاعر في وقت يتقلص ​​فيه جمهور صوته. ومع ذلك، فإنني أسمي «شاعرا» – وهذه الكلمة، بالطبع، يتردد صداها مثل مفارقة تاريخية – ذلك الشخص الذي يعجز، بعد قياس حجم الكارثة، عن الإفلات من كلامه بواجب الأمل. الشخص الذي تنحدر لغته في الظلام حيث تتخمر «مليون دودة معوية» لكنها لا تزال تريد قبل كل شيء «تحية الجمال».
لا تسمح لغة الشعر لنفسها بأن تنحصر في أي فئة، ولا يمكن تلخيصها بأي توضيح. ولا يمكن اختزالها في أداة ولا في زخرفة، فهي تدقق في كلمة تحمل العصور في طياتها والفضاء العابر، مؤسسة الحجارة والتاريخ، والمرحبة بغبارهما. إنها تتحرك بالطاقة التي تصنع الإمبراطوريات وتفقدها.
يذكرنا تاريخ شعر الماضي، في أكثر الأوقات ازدهارا، بأوقات الضيق التي نعيشها كم من الوقت سيظل هذا الفن مرتبطًا بشغف بآثار الجمال. لا يوجد ادعاء أكثر كارثية من ذلك الذي ينوي كنس هذه الذاكرة ورفض كمية الخيال والرغبة اللذين يحتوي عليهما الشعر دائما. مهما كان شاعر اليوم عاجزا ومريبا، فإن الأمر متروك له لمواصلة الاستماع إلى «أناشيد الامتلاء» التي تم جمعها من كتب الماضي. إذا لم يتمكن من تأليف مثل هذه الأشياء، على الأقل سوف يستقبلها كأضواء بعيدة مقبلة لتضيء ليلته.

لا تسمح لغة الشعر لنفسها بأن تنحصر في أي فئة، ولا يمكن تلخيصها بأي توضيح. ولا يمكن اختزالها في أداة ولا في زخرفة، فهي تدقق في كلمة تحمل العصور في طياتها والفضاء العابر، مؤسسة الحجارة والتاريخ، والمرحبة بغبارهما.

أن نقول معا، بأكبر قدر ممكن من التقارب من بعضنا بعضا، ما الذي يبقينا على قيد الحياة وما الذي يجردنا منها: ربط العيش والموت في حزمة واحدة من الكلمات. الشعر هو هذا العمل اللغوي الذي يوضح قدرتنا على التعبير عن نهايتنا في الوقت الذي نحن فيه. إذا كان الشعر غالبا ما يستدعي الملاحظة أو المقطع أو المقال إلى جانبه، فذلك لأنه يتعين عليه إعادة تعديل موضوعه باستمرار في ارتباطه بالأشياء التي تفلت من يده.
الشعر: هو تحديات وأشكال مصيرنا في اللغة. لا حياة أخرى، ما من عالم آخر: على هذه الأرض يحدث ذلك.
يجب عدم السماح للتفكير في الشعر أن ينغلق على نفسه بغيرة، لكن يجب عليه أن يدرك في القصيدة الجوهر أو القلب الثرثار والغني جدا في حياتنا اللغوية. لذا اسأله بعناية، ليقترب من مشكلة الوجود. من هنا تأتي أهميته، حاسم، في وقت لم يعد قادرا على الاكتفاء بالاستمتاع بلغة الأشياء ومظهرها. لا يزال هناك قلق للقول بقوة ودقة وتألق وأحيانًا بحماسة. كلمة يمكن رؤيتها بوضوح حتى وقت متأخر من الليل. يبقى هذا الجهد لقول ما هذا، وما هذه… لفهمه… لمنحه للإدراك… ليُنظر إليه بطريقة أكثر حرصا… قل ماذا تشبه… بدلاً من تحمل الحياة دون أن تشبه شيئا.
أسمي العالم كل ما هو موجود، بعيد، قريب جدا، هناك، في الخارج أو في الداخل، كل ما هو موجود بالنسبة لنا، على المستوى البشري، والذي يمكنني التحدث عنه. في هذا العالم، عالمنا، إنها الأشياء المتبقية وغيرها التي لا تتوقف عن التغير، طبيعة وعصر، المعلوم والمجهول، كل هذا محجوب بسؤال هائل لا يمكن لأي جهد بشري أن يوفر له إجابة. إذن العالم سجننا وشساعة مواردنا وقوتنا: إنه يوفر أكثر من عيشنا، ضمن الحدود المخصصة لنا… ماذا يفعل الشعر إذا لم يكن المواصلة عبر العصور المقابلة المثيرة، والجياشة، للكائن مع العالم؟ هذا العالم؟ إنها طريقتنا في كل من المساءلة والرد كحضور بلا هوادة. إنها طريقتنا للقلق، للتعلق، للنظر في ما يحدث، سواء كان مستمرا أو متراجعا. للنظر بأحداق مفتوحة.
على الشعر أن يقودنا، ليس من الليل إلى النور، بل من رثاء الظلام إلى إمكانية حب النور. إنها ليست مسألة جعل الصوت مسموعا لا صوت الأرض البسيط الموكول إلى الطيور أو الرياح، ولا الآلهة الضالة أو الملائكة، لكن الجهد والرغبة البشرية الحقيقية في قول ما يتكون منه الوجود، إذا تاهت وجردت من سلاحها كما هي عليه