الرئيسية / أضواء على / في مكتبة جامعة الكسليك

في مكتبة جامعة الكسليك

صمتٌ يشعّ عليك نوراً يقودك إلى كتاب.

الصمت معلمٌ أكبر في مكتبة جامعة الروح القدس- الكسليك التي تجمع الماضي الورقي مع الغد الإلكتروني، من دون أن يعني هذا الترابط  قفزاً في عالم افتراضي، العالم في هذه المكتبة معلوم لأنّه يتجذّر في المعرفة والإنفتاح والإرتقاء.

مكتبة تتسع وتتطوّر، وتجذب جيلاً جديداً من القراء، بمنهجية أكاديمية تعتمدها الجامعة، فتبقي “مكتبتها” حيّة في “عصرنتها”، وفي ما تحتوي من تراكم وتراث وعراقة.

نجحت هذه المنهجية في إبقاء خيط التواصل قائما بين الصف والمكتبة… عسى ينسج غداً أفضل.

                                                    ****

 في الثمانينيات (تحديداً العام 1984) قصدتُ هذه المكتبة طالباً، أقرأ بنهم في مكتبة صغيرة في رواقها المستطيل، عميقة في محتواها، ألمحُ فيها مستشرقاً ألمانياً تخطى الثمانين من عمره.

حلمتُ بالتماثل به، فأقرأ وأقرأ مثله، عجوزا طويل الشعر، يطالع بشهيّة، وثائق ومجلدات، وكأنه يعيش دهرا…

لم أعرف اسمه، ولا علمه، ولا هدفه، لم اقترب منه مخافة أن أوقظه من حلمه…كنتُ أراه مثل “سيزيف” في الميتولوجيا الإغريقية، لكنّه يحمل ورقة أو مجلداً بدلا من صخرة، ويصعد من الأسفل الذي أنا فيه، إلى الأعلى الذي هو في قمته، حيث يعود متدحرجاً إلى الوادي، ليس في رمزية العذاب الأبدي، بل في رمزية التعمق في المعرفة اللامحدودة، وكأنّه في كل ما يكتسب من معرفة يشعر أنّه لا يعرف…

هذا المشهد الذي أتمناه لسنوات “تقاعدي”، استرجعه معكوساً، حين أدخل المكتبة الحديثة في جامعة الكسليك، وألمح فيها شباباً وشابات يطالعون بنهم، وصمت، وسلام … يتوزعون على كراسيها وطاولاتها، في طبقاتها التي تكتنز بذاكرة مارونية، ومسيحية مشرقية، ولبنانية، وعربية، وغربية، لا مثيل لها في كثير من القطاعات المعرفية.

حين أنتظر على الباب لأجد مكاناً ضيّقاً لي، تنفتح أمامي منافذ، فأشعر بأنّ المكتبة ترفع، وتنقذ الشباب من شياطين الانحراف.

في مكتبة الكسليك شباب وشابات من الطبقة المتوسطة في الغالب، يشقى أهلهم ليرفعوا مستوى أولادهم، وكأن وصيّة اللاتين  في السلطنة العثمانية لا تزال تدوّي الآن: إذا أهملتكم “سلطنة” فالعلم يرفعكم ويحرّركم، وعلى هذه الوصية بنى الموارنة مدارس تحت السنديان وفي المغاور وفي “أنطش” الكنائس، وعلى التلال حيث الرهبان وشركاؤهم يتقاسمون الخبز والزبيب والدبس وروائح الحبر لنسخ المخطوطات.

وبناء على هذه الوصية باع أهلنا “ثيابهم” ليُطعِمونا علماً…

                                          ****

في مكتبة الكسليك، راهب “بالجينز” يناديه الجميع الأب جوزف مكرزل، هو المدير-المبدع- المتواضع، يذكرني كلّما رأيته، براهب يسوعي أجنبي، في “المكتبة الشرقية” الواقعة في شارع “مونو”، يحمل كتباً على ظهره لينقلها عبر المصعد الطويل من الطبقة السفلية إلى الطبقة الأعلى، حدث هذا فعلاً…

يُفرح هذا المشهد: طلابٌ يقرأون ورجال دين يخدمون على موائد المعرفة.

اضف رد