الرئيسية / مقالات / في مقدور باسيل أن يكون “شمعون آخر” أو”بشير الثاني”؟

في مقدور باسيل أن يكون “شمعون آخر” أو”بشير الثاني”؟

تستذكر أوساط مريدة وأخرى خصيمة لرئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل بين الفينة والاخرى كلاماً معبّراً قيل إنه ظهر في فلتات لسانه أمام جمع من الاعلاميين كانوا بمعيّته على متن طائرة في احدى رحلاته الخارجية التي ضربت رقماً قياسياً، ومفاده: سأجعل المسيحيين في يوم ما ينسون زعامة كميل شمعون وتجربة بشير الجميل.

هذا الاستذكار وهذه الاستعادة لكلام لم تنفِه أي جهة وقد سرى سريان النار في الهشيم في حينه، يحضر في كل مرة يكون فيها نجم رئيس “التيار البرتقالي” في صعود، وفي كل مرة ايضاً يكون فيها محور جدال ونقاش وخلاف داخلي كما هو واقع الحال مع القمة العربية الاقتصادية وما سبقها وتخللها، ومع الكلام المتجدد عن حراك شرع به اخيراً (باسيل) لمعاودة ما بدأه حيال موضوع تأليف الحكومة.

من الجائز ان تكون ثقة الانسان بنفسه وبقدراته راسخة الى هذا الحد وربما أبعد، خصوصاً في حالة شبيهة بحالة الصعود المستمر منذ اعوام للوزير باسيل المستحوذ على قدرات وحيوية وطموحات لا تُنكر.

لكن الأكيد ايضاً ان رجلاً في موقع باسيل محتوم ان يجد من يسائله ويحاسبه في أي يوم على خيارات يتخذها أو رهانات يعقدها، واستطراداً يتعين ان يقبل بالمثول أمام الاختبارات والتحديات.

ما من مخضرم في عالم السياسة إلا ويدرك ان ثمة ظروفاً ومعطيات ووقائع محلية وإقليمية أعطت كلاً من شمعون وبشير الجميل فرصة الصعود وأخذ مكانة تاريخية في تجربة الزعامات المسيحية، واستطراداً فرصة القبض على دفّة اللعبة السياسية في حقبة كل منهما. ولا ريب ان باسيل نفسه ومعه كوكبة من المحللين والمستشارين هم على دراية بأن الظروف والمعطيات والوقائع التي تصيِّر إنساناً ما زعيماً استثنائياً، غير قابلة للتكرر والاستعادة، فهي عادة تمر مرَّ السُّحب ولا يستحسن ان يُقاس ويُبنى عليها.

في المعلوم ان باسيل يطلق العنان لطموحاته السياسية مستنداً إلى حزمة معطيات عمل طويلاً لها. فهو على سبيل المثال أسند ظهره الى حليف متين موثوق به هو “حزب الله” وما يمثل من فائض قوة في شارعه وشوارع اخرى، فضلاً عن موقعه الاقليمي الذي يُحسب له ألف حساب، لكنه افتقد هذا الحليف لحظة اصطدم بشريكه في “الثنائي الشيعي”، أي الرئيس نبيه بري الذي ما زال يفصح كل يوم عن رفض متأصل لديه لكل ما يوحي بان زمن نجوميته يوشك على الأفول، وما انفك يقرع الاجراس في كل مرة يجد أن الآخرين يتجاوزونه أو يتجاهلونه، وآخر برهان على ذلك ما سُجل من أحداث عشية القمة الاقتصادية العربية في بيروت وقبلها محطات عدة.

والأكيد أيضاً وأيضاً ان باسيل اعتقد انه أسند ظهره الى حائط التفاهم الرئاسي مع الرئيس سعد الحريري وأبرم معه ذات ليل باريسي ما صار معلوماً انه تفاهم أعمق مبنيّ على مصالح مديدة ومستدامة، ولكن غاب عنه أو تجاهل عامداً حقيقة التحول في الساحة السنية الذي أفضى الى سقوط قبضة الحريري على القرار السنّي، أو على الأقل وجدت مَن ينازعها وينافسها ويطالب بحق يراه مكتسباً. وقد تجاهل باسيل القوة المنافسة للحريري في شارعه وتعامل معها على أنها ملحقة بحليفه “حزب الله”، وتمادى في استخفافه بها الى حد غير معقول عندما حاول “تبليع” هذه القوة التي انضوت في “اللقاء التشاوري” مسألة تمثيلهم في الحكومة عبر شخصية اخترعها وسمّاها، ثم أراد ضمَّها الى لقائه النيابي والوزاري من دون ان يمنح هذا “اللقاء” حق الاجتماع علانية بهذه الشخصية.

وعلى المستوى المسيحي، نجح باسيل في الحصول على أكبر كتلة نيابية مسيحية في التاريخ المسيحي المعاصر، لم يحصل عليها بالتأكيد مثلاً الرئيس شمعون في عز مجده وامتداده. وصحيح انه أخذ حزب “القوات اللبنانية” على حين غرّة بجريرة “تحالف الضرورة” مع الرئيس الحريري، لكنه لم يستطع ان يحافظ على علاقة مستقرة مع حليف سابق له هو زعيم “تيار المردة” النائب السابق سليمان فرنجيه فاستحال مصدر إزعاج وحالة قلق دائمة وحقيقية له.

والصحيح ايضاً ان باسيل أحرز تقدماً في الشارع المسيحي ورفع شعارات جذابة فيها روحية العودة الى زمنٍ سلف والى عبق زمن تولّى، لكنه بالاجمال لم يستطع ان يستنسخ تجربة حليفيه “الثنائي الشيعي” وحليفه الآخر “تيار المستقبل” الى الفترة التي سبقت الانتخابات الاخيرة، لجهة اثبات القدرة على تسيّد هذه الساحة وإقصاء كل منافسيه الآخرين على النحو الذي يرتجيه.

ولا بد ان ثمة مَن يأخذ في الاعتبار ان باسيل ينطلق اولاً من سند قوي هو “العهد الرئاسي”، ولكن ثمة مَن يذهب الى القول بان تهوّر باسيل ونهجه المتسرع والمتكىء على حسابات خاطئة، قد أكلا من رصيد هذا العهد الذي لاشك في ان ثمة مَن راهن على دور مفترض له في عملية الاصلاح والتغيير التي رفع شعارها طويلاً وعدَّه سمة مميزة له عن سائر القوى.

ولعل أبرز ما يُذكر في هذا المجال هو النهج الذي أصر باسيل على اتباعه في الرحلة الهادفة الى تأليف الحكومة ومحاولته الواضحة لتجاوز حسابات ووقائع وتعقيدات، إنْ عبر التعمّد الواعي أو عبر السعي الى فرض أمر واقع على الحلفاء والخصوم في آن، فكان أن حمل مسؤولية انسداد أفق التأليف وبقاء البلاد اسيرة الفراغ طوال اكثر من سبعة اشهر.

بالتأكيد لباسيل فضيلة المداومة وميزة المثابرة والاصرار وفائض الحيوية السياسية التي تجعله كما يقول المحيطون به لا ينام كثيراً، لكنه لم ينجح الى الآن في ان يوفر الظروف التي تضمن له خلافة حميه في قصر بعبدا، لان الامر يتجاوز حدود الشطارة والحيوية والحراك، فالمشهد السياسي اللبناني لا يسلس القياد لأحد، إذ هو مشهد أقل ما يقال فيه إنه بالغ التعقيد ومتداخل ويحتاج الى حسابات اكثر دقة هي بالطبع خلاف الحسابات والوقائع التي أتاحت للرئيس شمعون ولبشير الجميل الصعود واحتلال مكان عال جداً في تاريخ الزعامات اللبنانية المسيحية واللبنانية عموما.

يعرف باسيل ان الكلام الآنف لا ينطوي على دعوته الى مغادرة الميدان السياسي، بقدر ما هي دعوة الى اتباع نهج سياسي أكثر حكمة وتوازناً وتأنياً يأخذ في الاعتبار دقائق الوضع الداخلي والتحولات الاقليمية، فكثر قبله خالوا لبعض الوقت ان وسادة الحكم ثنيت لهم وانهم قبضوا على الزمام، لكنهم لم يلبثوا إلا قليلاً ليستفيقوا على واقع مختلف. ولعل تجربة فريق 14 آذار حدثت منذ فترة لم يمر عليها الزمن بعد.

ibrahim.bayram@annahar.com.lb

اضف رد