اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / في معنى «الهويات القتيلة»

في معنى «الهويات القتيلة»

 واسيني الأعرج
القدس العربي
4052022 

كلما تعلق الحديث عن «الهويات القاتلة» الذي ألفه أمين معلوف قبل سنوات، معتمداً فيه على خبرته الذاتية في التعامل مع ظاهرة شديدة الحساسية هي الهوية، تذكرنا كيف تنتقل الهوية من حالة السكينة والتسليم الخفي بأقدارها إلى حالة من المطلبية العنيفة غير المبررة (ظاهرياً على الأقل)، وننسى في ثانية واحدة أن وراء ذلك كله شيئاً شديد الخطورة، تاريخاً من الظلم المتراكم والتضيدات strates التي تراكم بعضها فوق بعض حتى أصبحت مادة خطيرة سريعة الالتهاب وشديدة الانفجار في أي لحظة من اللحظات. هذا لا يبرر العنف ولا يجعله مقبولاً مطلقاً، ولكن فهمه قبل الخوض في «الحرب المنقذة» أكثر من ضرورة، وقبل الانفجار الكلي لحظة تتهيأ الشروط الموضوعية لذلك، أو يتم إنضاجها والتسريع بها بالخصوص بالنسبة للبلدان التي يراد تفجيرها من الداخل، فيتم تحريك كل التناقضات الداخلية، وهنا لن نكون في حاجة إلى انتظار الظروف لإيقاظ «الهويات القتيلة» ومنحها فرصة الظهور والتنامي، فالعالم العربي يملك جسداً مزروعاً بالقنابل الموقوتة التي يمكن تفجيرها في أية لحظة، يمكن اختراقه بسهولة في ظل أنظمة حكم مكروهة ودكتاتوريات مهزومة داخلياً.
رأينا في السنوات الأخيرة، بشكل جلي، وبسبب تراكمات كثيرة، استيقاظ «الهويات القتيلة» التي لم يتم اعتبارها كوجود مشروع لمجموعة بشرية لها الحق كله في أن تكون، ولم يتم التعامل معها بأية إنسانية، وحُرمت من أدنى حقوقها الوجودية، بالقمع والإهمال العمدي، لتنتقل من الحاضنة؟ القومية الشكلية أو الخطابية، مثل «كلنا سواسية كأسنان المشط»، إلى صورة قهرية لا شيء يبررها إلا الفكر القومي الضيق والعنصري أحياناً، الذي حولته الهزائم العربية المتكررة والتراجعات المستمرة في حقوق الإنسان إلى إعادة إنتاج الظلم الذي تلقاه من مستعمر الأمس، في ظل غياب كلي للمواطنة لحساب أساليب قبلية وجهوية وعنصرية متخلفة، موجودة وغير معلنة، لا يكفي الاسترشاد بالتاريخ العربي الإسلامي في الأندلس في لحظاته الأكثر تنوراً، أو في بغداد أو بلاد الشام، حيث تم انصهار كل القوميات تحت مسمى العروبة والإسلام، بمعناهما الثقافي والحضاري، وليس العنصري الضيق. يحتاج الأمر إلى ربط المواطنة بالهوية. لا قوة منعت موسى بن ميمون (1135-1204) مثلاً من الكتابة باللغة العربية، مع الحفاظ على ديانته اليهودية، ولم يكن في ذلك أي تناقض. كانت اللغة العربية وقتها لغة العصر والحضارة، لهذا ظلت وسيلته لتوصيل رسالته في المنطقة التي عاش فيها بقرطبة، مثلما يحدث اليوم لدى كثير من المثقفين العرب الذين يستعينون بلغات أخرى كالإنجليزية مثلاً لأنها اللغة الأكثر شيوعاً. كتاب ابن ميمون الشهير «دلالة الحائرين» ما كان له لأن يصبح مشاعاً لو كتب بالعبرية وقتها على الأقل، طُبع الكتاب لاحقاً في باريس من سنة 1865 إلى 1866م مع ترجمة فرنسية وشرح دقيق لمنظومته اللغوية والفكرية، وقد تناول فيه الموضوع الأثير لدى الأندلسيين ولدى أستاذه بالتبعية العلمية ابن رشد، فكرة التوفيق بين الفلسفة والتوحيد والتفسير باستخدام الفلسفة وعلم الكلام. وألف باللغة العربية أيضاً «كتاب الشرائع» وترجمها إلى العبرية شالومن بن يوسف بن أيوب، طُبع جزء منه في لايبزيغ (ألمانيا) سنة 1881م، إضافة إلى ذلك كله، له مقالة طبية شديدة الأهمية «في تدبير الصحة» وكتاب «فصول في علم الطب»، اعتمد فيه على مُصنفات جالينوس اليوناني. عندما سقطت مواطنته الأندلسية بسبب الزحف الموحّدي، هرب من قرطبة بحثاً عن السلام، فقد فرض الموحدون ممارساتهم الدينية المتطرفة على مسلمي الأندلس، لكن أيضاً على مسيحييه ويهوده الذين كانوا يعيشون بحرية كبيرة، فأحرقت معابدهم وكنائسهم، وفرض عليهم الإسلام واعتبروا من أهل الذمة. انهارت فجأة المواطنة وحلت محلها نظم العبودية. انتقل إلى القاهرة وهناك عاش حتى وفاته. تأثر بأطروحات ابن رشد كثيراً في بناء مشروعه التأملي الفكري، فقد عكف على دراسته والتعمق في جهوده طوال ثلاث عشرة سنة بلا توقف. تدمير المواطنة جعل من الهويات الصغيرة «هويات مقتولة» كان عليها الدفاع عن نفسها لدرجة التعامل مع جيش «الريكونكيستا» المسيحي.
ولا قوة أيضاً منعت أبو حامد الغزالي (1058م – 1111م )، المسلم والفارسي من أن يجد مكانه في المدينة الحضارية العربية، ويستمتع بحقه الفكري والقومي، بل من أن يصبح أحد كبار الفلاسفة المسلمين، الذي عاش بين طوس (نيسابور) مسقط رأسه وبغداد قبل العودة إلى طوس، حيث ظل يعلم بها حتى وفاته هناك. ألّف العديد من الكتب باللغة العربية، منها كتاب «إحياء علوم الدين»، أحد أهم الكتب في موضوع التصوف وعلم الأخلاق، والذي ألّفه خلال رحلة عزلته التي دامت 11 سنة، حيث بدأ في تأليفه في القدس، وأنهاه في دمشق. مغالاته في الدين الإسلامي دفعت به إلى تكفير الكثير من الفلاسفة المسلمين المتأثرين بالفلسفة اليونانية، كابن سينا والفارابي في كتابه «تهافت الفلاسفة»، فكان معادياً للاجتهاد الفكري والعقلي، ثم جاء ابن رشد، في وقت لاحق، فرد عليه بقوة في كتابيه: «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، ثم «تهافت التهافت»، فكان سجالاً ثقافياً رفيعاً.
على الرغم من أن موسى ابن ميمون كان يهودياً وظل على دينه، وكان أبو حامد الغزالي فارسياً من حيث القومية، مسلماً من حيث الدين، إلا أن كليهما وجد مكانه في المدينة الإسلامية من بغداد والشام، حتى الحاضرة الأندلسية. لم يجمع بينهما لا الدين ولا القومية، ولكن اللغة العربية والهاجس الحضاري، في ظل دولة مركزية قوية مهما كان رأينا التاريخي فيها. عبرا عن هوية لغوية مشتركة، لكن هذا المشترك لم يتحول إلى وسيلة قمع لتجليات عناصر هذه الهوية. لكن، عندما اضمحلت الدولة المركزية ولم يعد لها وجود فعلي، خلفت وراءها رماداً حقيقياً، ومتطرفين قاصري التفكير جعلوا من الإسلام وسيلتهم لتصفية كل المكاسب التي حققتها التجربة الأندلسية المميزة، أو العباسية. في النهاية، لم تكن «الدولة الموحدية» التي دمرت كل شيء بتطرفها الأعمى إلا التعبير القاسي عن هذا الانهيار المنظم الذي أعطى قوة أكثر لملوك الشمال الإيبيري في حروبهم الاسترجاعية، ومنحهم فرصة للتمدد أكثر داخل مجتمع متهالك ومفكك هوياتياً. فقد فرض الموحّدون إسلاماً جافاً على شعب عاش حراً في كنف الدولة الأندلسية، وغيروا من عاداته، واستباحوا كل شيء بواسطة القوة والبطش، ودمروا اللحمة التي كانت قائمة، وأصبحوا هم الإخوة الأعداء الذين عبروا جبل طارق دفاعاً عن إخوتهم، فكانوا أول من أحرقهم. وبدأ الناس يقارنون بين الزمن السابق واللاحق. وفي تلك اللحظة بدأت الهويات التي تلاقحت عبر ثمانية قرون، تضمحل وتموت وتنهار تحت ضربات اللاعقل والتطرف الأعمى. من حيث لا يدرون، دمر الموحّدون الأسوار الأخيرة التي كانت تحميهم من عدو مسيحي شرس كان بصدد الانقضاض على ما تبقى من الدولة العربية الإسلامية في الأندلس، فكانوا هم من أطلق رصاصة الرحمة على واحدة من أجمل اللحظات في تاريخ البشرية. فالهويات هشة وهي عرضة للتحولات المجتمعية؛ ترتقي بالتسامح والمواطنة، وتنهار كلياً وتعود إلى دوائرها الضيقة كلما سرقت منها الحرية وحقها في الحياة، وتفكك النسيج نهائياً؛ فمُنع الناس من ممارساتهم الدينية والمجتمعية السابقة، وفُرضت الجزية على أهل الذمة الذين كانوا مواطنين بدرجة كاملة، وفتحت أبواب جهنم «الهويات القتيلة»، التي ماتزال تحرق الجسد العربي إلى اليوم على اتساعها.

كلمات مفتاحية

واسيني الأعرج