في مرسم حسن جوني

مضى وقتٌ طويلٌ على زيارتي الأخيرة لمرسمه الكائن على بعد قبلةٍ من زرقة البحر، بحر المنارة، أو منارة البحر. وعلى مرمى نظرةٍ وآهة. على مرمى قبلةٍ ونظرةٍ وآهة.

المرسم هو للفنان حسن جوني. وأنا أقصده باستمرار.

فالموقع بيتٌ بيروتيٌّ قديمٌ، منزوٍ، على حدة، يكاد لتواضعه أن لا يُرى، وأن لا يُكتشَف.

لكنكَ حين تصل إليه، تتدارك، فتدرك أنّه مكانٌ جوهريٌّ، فريدٌ في اقتناصه سرّ اللحظة وشهقتها.

مرسمه يفتح لي طريق العبور إلى جماليات البرهة المشهدية المتاحة، وطقوسها المرهفة.

لكنّي أقصد المرسم، لأنّي أقصد هذا الرسّام تحديدًا.

ليس لأنّ حسن جوني يرسم فحسب.

بل لكي أحفظ حضوره الذكيّ، حواره المؤنس، ثقافته الجمّة، وحديثه الشعري والأدبي الشائق.

مثلما أقصد المرسم، وصاحبه، لجوءًا وهربًا.

لجوءًا إلى مناعته الإنسانيّة الحصينة، وهربًا من هول ما آل إليه وجودنا اللبنانيّ والعربيّ.

كلّ شيءٍ في الحيّز العامّ؛ الحيّز المحليّ والحيّز الشرقيّ، بات تقريبًا في قبضة الوحوش. في فم الظلام.

كلّ شيءٍ تقريبًا في قبضة الوحوش. وفي فم الظلام.

فيا لحياتنا الضائعة. ويا لوجودنا العبثيّ اللامجدي!

لكنْ، مهلًا.

ليس كلّ شيءٍ في قبضة الوحوش تمامًا، وفي فم الظلام.

قلتُ: تقريبًا فقط. تقريبًا فحسب.

ثمّة حفنةٌ من أناسٍ نادرين، لا يزالون يصنعون لنا الحياة والأمل والحلم، ويخترعون لنا جمالاً وسعادةً، لا تصل إليهما أيدي الوحوش وأنياب الظلام.

حسن جوني هو واحدٌ من هؤلاء.

ومرسمه ملجأٌ حصينٌ ومنيع.

وأنا أقصد الرسّام في مرسمه، لجوءًا.

لأستنجد. لأهدّئ الروع. لأرى أصابع يده. لأشمّ حواسّ اللون وعطوره. لأسافر في الوقت وفي المكان، خارج الوقت تمامًا. وخارج المكان.

من مدريد إلى المتنبي. ومن جبران إلى فيلاسكيز. من ملوك الأندلس إلى بني سفيان. ومغول كلٍ مكانٍ وزمان. من العزلة وحرية العقل إلى عقود الطوائف والمذاهب. من الزواج إلى اللازواج. من الموسيقى إلى البشاعة. من “رندلى”، و”كما الأعمدة” إلى المسيح، ومن الشعر إلى فجيعة الموت الرخيص في الزمن اللبناني والعربي الرخيص.

هذا كلّه من معاني اللجوء إلى مرسم حسن جوني. الفحوى هنا. هي ها هنا.

يرنّ الهاتف. فيتوقّف الحوار قليلًا.

أغتنم اللحظة لأسرق بعينيَّ هاتين، تلك المرأة المستلقية في تجريدات اللون وتعبيراته، وفي رحابة التأجج الناريّ للجسد، الغارق في لامبالاته السوريالية.

أسرق اللحظة، لأسرق اللوحة، لوحة بيروت وبحرها.

أسرق لحظة الهاتف، لأهرب إلى لوحة الزيتون، إلى الحقول المفعمة بالغبطة، إلى الأريج، إلى جلوس الناس في هواجس المقاهي، إلى المتعة الفنّية الخالصة من كلّ تفسير، إلى اللذة، لذّة الخروج من الوقت ومن المكان.

ينحدر أوّل المساء بشيءٍ من الوجع.

أخرج عائدًا، وفي قلبي وعقلي، شيءٌ من عزاء.

في مرسم جسن جوني، حياةٌ أخرى، يجب تقريظها.

Akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*