الرئيسية / مقالات / في مدرسة الضيعة

في مدرسة الضيعة

شربل نجّار
هنا لبنان
16032019

كانت مدرسة الرهبان  في نهاية الخمسينيات  تفتح أبوابها  صيفا  وتستقبل تلاميذ   المتين والجوار . يتدبّر أمرهم معلّمون  ، “أخوخ  يتهيّؤون “ورهبان متهيّئين”.

كنا في بيروت نرتاد مدرسة  علمانيّة بلا تلاوين دينية ولا مفرقعات طائفيّة.   يرتادها  خليط من التلاميذ   يجمعهم كتاب واحد  يقرؤون فيه جميعهم حتى إذا حل المساء قصدوا مرابض  خيولهم ومهاجع أهاليهم وعادات وتقاليد أديانهم ليستيقظوا  في صباح اليوم التالي عائدين الى ذلك الكتاب الواحد  .


أخبرني إبن عمّي  ذات يوم  أنّه يستعد للذهاب في اليوم التالي  أو الذي يليه الى مدرسة الرهبان الصيفيّة.

وعشية ذلك اليوم بالذات  سمعت   ابي يقول لوالدتي : ولماذا لا نسجّل “شربل”  في مدرسة الرهبان  هذا الصيف “ولادنا رح يطلعوا بلا دين”.

كان أبي مغاليا مزايدًا !  فالدين والطقوس والشعائر الدينية  وصور وايقونات  القديسين كانت شغلنا الشاغل في مربض خيلنا  ومهجع أهلنا طوال أيام الأسبوع.

لقد بدأ  أبي يعدّني  للقربانة الأولى منذ الصّف العاشر فغيبت الأبانا والسلام  وجعلني أغيّب فعل الندامة في الصف التاسع وكذلك   قانون الإيمان  الذي يبدأ ب “نؤمن بإله واحد…..” وقد غيّبت النصّين الطويلين  ببغائيًأ  لأنتهي من مماحكات أبي. ثمّ عاد وسجّلني في بيت الرعية بجوار منزلنا  في الأشرفية ورافقني للمثول أمام قديسات مرشدات مهيّئات لتعليم الأولاد  مبادئ الدين المسيحي  بعد قدّاس الأحد. فأطعت  لا صاغرًا ولا مختالًا غير أن الجوّ الذي كان سائدًا بين تلك القدّيسات لم يعجبني فتمنّعت في الأحد التالي ولم أجارِ أبي. كان أحدا تاريخيا ذلك الأحد إذ سمعت يومها  رنّة الصفعة الأولى على “خدي الأيمن ” كما سمعت صوتًا في داخلي يلعن القربانة الأولى.

بعد أيّام على إتمام تسجيلي في مدرسة الرهبان  ترافقت وابن عمي على دروب القادوميات بين حي مار جرجس وحي مدرسة الرهبان. الطريق طويل بين الحيّين لولا إلقاء السلام عملا بتوصيات الأهل على الجيران والأقارب والمعارف الذين كنا نصادفهم  على جانبي المعابر خلال مشوارنا المُمِل.

وصلنا باكرا فتجمّعنا مع من تجمّعوا في ملعب المدرسة وكان من الأولاد من نعرف ومن لا نعرف فتعارفنا وكان من بينهم  جماعة من القاطنين في المدرسة يشعرون بأن البيت بيتهم ومن بين هؤلاء أمين الدكّان الذي كلّفه الراهب الإهتمام بعمليات البيع والنظارة وقد عدت فالتقيته بائعا وناظرًا  ورئيسًا لبلدية المنصورية
بعد زمن.

دخلنا الصف الذي وجّهونا إليه ودخل وراءنا راهب قيل لنا أنه “بير أنطوان” فهدأ التلاميذ وانتصبوا واقفين “وشرعوا  بال “أو نون دي بير …..”
نظرت باتجاه ابن عمي  متسائلا عما يحدث فوجدته ينظر باتجاهي مبتسما وبسرعة البرق هوت يد “بير أنطوان” على خدي الأيسر فارتميت أرضا مغشيًا عليّ.

فمن صفعة الى صفعة ومن أيمن الى أيسر صرت أخشى الصفع الديني إذ تيقّنت  أنه صفع غدّار يطالك من حيث لا تدري ولذنب لم تقترفه.  

فأنا ابن مدرسة يقف تلامذتها إحتراما  للمعلم الداخل اليهم ثم يجلسون . بلا مقدمات ولا مؤخرات ولا صلوات كمثل “أو نون دو بير” ألتي لم أتعلّمها قط بل علّمني إياها أبي ب”العربي” ولقد كلّفني جهلي بالترجمة آنذاك  رجمًا  صاعقا وكأن ذاك الرجل شاء أن “يأخذ بتار”  “الأو نون دي بير الذي في السموات ” من ولد في السابعة من عمره.

رجع ذلك الولد للتو الى بيته مكسورًا ….. ولمّا مرّ بمحاذاة  كنيسة مار جرجس قبّل حائط الكنيسة كجري عادته وحطّ في منزله باكيا شاكيا متوعدا رافضا العودة الى المدرسة الصيفية في اليوم التالي.

في السابعة من عمره لم يكن باستطاعة ذلك الولد ان يستخلص دروسا وعبرا إلا أنه وبعد أكثر من نصف قرن صار ذلك الولد الستيني متيقنا من أن المسيحيين حتى المسيحيين في لبنان لم يقرؤوا في كتاب واحد ولا يزالون الى غيّهم يسعون   والى ابتعادهم عن لبنان يجدّون.

أما مار جرجس المتين فلا أنا ابتعدت عنه ولا هو ابتعد رغم الدّمار الذي لحق ببيته وبيتي في آن واحد عام 1976.

(يتبع)

اضف رد