الرئيسية / home slide / في “متحف نابو” معرض تاريخيّ استثنائيّ غير مسبوق لمشهد الفن التشكيليّ في لبنان خلال الانتداب الفرنسيّ

في “متحف نابو” معرض تاريخيّ استثنائيّ غير مسبوق لمشهد الفن التشكيليّ في لبنان خلال الانتداب الفرنسيّ

05-02-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

منزل قيصر الجميل في شويا.

فيصل سلطان يفتتح اليوم السبت في “#متحف نابو” (شكا – الهري) “مشهد الفن التشكيلي في #لبنان (1920-1948)”، الذي يتضمن مختارات من أبرز الظواهر الفنية التي عرفتها فنون بيروت خلال مرحلة الانتداب الفرنسي وصولاً الى ما بعد الاستقلال. يترافق المعرض الذي يستمر إلى 17 حزيران) مع صدور كتاب الدكتورة مهى عزيزة سلطان، “الفن في لبنان من الانتداب الفرنسي الى الاستقلال: 1920 -1943″، راصدا مرحلة مفصلية من تاريخ الحياة الفنية في لبنان.

مع الانتداب بدأ التحديث يشمل مختلف مرافق الحياة، وراحت تقاليد المعارض الفنية تظهر منذ العام 1921 ((Foire de Beyrouth في رعاية المفوضية الساميّة العليا، وتتبلور في اتجاهات وظواهر أكدت حضورها لدى الفنانين بتنوعات أساليبهم. فكان للبنان وجهان: فينيقي مرتبط بتراثه وجذوره، وهي صيغة المثقفين الناطقين غالبا باللغة الفرنسية، والوجه العروبي الذي نشأ في اعقاب ثورة الملك فيصل. شكل ارتباط الفن بالأدب ظاهرة ثقافية استثنائية متناغمة في أهدافها، قل نظيرها في تاريخ الفن في لبنان، لعبت دوراً كبيرا في صعود اللوحة الانطباعية، كوجه مضيء من وجوه الفن الوطني المرتبط بالأرض، أرض فينيقيا الجذور وثمرة لقاء الحضارات والأديان.

ملامح التغيير
المعرض لوحات من انتاج رواد الفن في لبنان؛ داوود القرم، حبيب سرور، خليل الصليبي، يوسف الحويك، جبران خليل جبران، فيليب موراني، جورج قرم، إلى لوحات من الجيل الانطباعي (مصطفى فروخ، عمر الانسي، قيصر الجميل، صليبا الدويهي، ماري حداد، بلانش لوهيك عمون ورشيد وهبي، اختيرت من 12 مجموعة خاصة، عكست بسلاسة مرحلة الانتقال من عصر التأسيس الفني في الحقبة الكلاسيكية التي كانت وجهتها روما، الى عصر ما قبل الحداثة حين أصبحت باريس قبلة الفنانين اللبنانيين الجدد، الذين درسوا في معاهدها وتأثروا بالانطباعية. رسم الطبيعة على الطريقة الانطباعية لم يأت عبثاً بقدر ما كان ترجمة عملانية لمفهوم “دولة لبنان الكبير” بعدما كان عبارة عن ولايات في زمن المتصرفية العثمانية. وما بين الشغف بالماضي الفينيقي الذي تصاعد مع الاكتشافات الأثرية في مدن جبيل وصور وبعلبك والتراث العروبي المتمثل فنياً بإبداعات فرّوخ، نرى مظاهر التغيير في الأساليب الفنية، يتبدى في تداعيات المناخات الاستشراقية، وكذلك في المظاهر المدنية المتمثلة بتصوير الوجوه و”فن البورتريه” الذي خاطب صعود البورجوازية اللبنانية، والتحولات التي طرأت على المجالس والعادات الاجتماعية، وكذلك في لوحات المناظر التي قطفت خصائص جمال الطبيعة القروية، كما عكست أجواء الطبيعة المدنية في بيروت بطرازها المعماري وساحلها وثغرها البحري، وخصوصاً أن لبنان بمناظره الخلابة ومواقعه الجغرافية شكل موضوعاً للملصقات التي أعدتها سلطات الانتداب الفرنسي، لتشجيع السياحة والاصطياف في لبنان. للمعرض وقفة مع نماذج فريدة من هذه الملصقات، وصولاً الى موضوع العري في الفن، وظاهرة مشاركة الفنانات اللبنانيات للمرة الاولى في المعارض والصالونات الفنية (ماري حداد وبلانش عمون) التي تعود الى تلك الحقبة. 

رحلة في معالم الجناح الفرنسي


تبدأ رحلة المعرض في الجناح الفرنسي مع دخول القوات الفرنسية الى الشرق وإعلان دولة لبنان الكبير (1920) عبر لوحة جدارية من تلك المرحلة تعرض للمرة الأولى، رسمها الفنان الفرنسي ريمون دو لا نيزيير (1865-1935) تمثل “الجنرال غورو على رأس الجيش الفرنسي باتجاه دمشق”، إضافة الى لوحة أخرى ممهورة باسم كادير وهي لفنان مغمور تمثل بورتريه الجنرال غورو في قسمها الأعلى، في حين تظهر قلعتا بعلبك وتدمر في القسم الأسفل. فآثار البلاد الشرقية جذبت العين الفرنسية في أكثر من مجال، خصوصاً في المعرض الكولونيالي العالمي الذي أقيم في باريس العام 1931 متضمناً جناحاً للفن في لبنان وسوريا حمل عنوان “آثارنا تدل علينا” من تنظيم فيليب موراني.

من اللوحات النادرة التي تعرض للمرة الاولي أيضا لوحة تمثل مرفأ بيروت لبيار لوكوك دو لافريمونديير، مدير “بنك سوريا ولبنان” وهو رسام شغوف بنقل المناظر اللبنانية، ومن اوائل الفرنسيين الذين شاركوا في المعارض التي نظمت في مدرسة الفنون والحِرَف منذ مطلع الثلاثينات. ولوحة لجان كوبير أستاذ الفن ورسام المناظر، كما تضمن الجناح الفرنسي لوحة تمثل منظر عين المريسة للفنان جورج سير، الذي لقّب بـ”عميد منطقة عين المريسة”، بعدما اتخذها مقرا دائماً لإقامته، فرسمها كشرفة بحرية مطلة على العالم. فهو منذ قدومه الى لبنان في العام 1934 صادق الفنان عمر الانسي وكتب مقالات غزيرة عن الفن في لبنان على صفحات “لوريان ليتيرير” و”ماغازين” ولاريفو دو ليبان”، كما عرف شهرة واسعة كرسام مائيات، وهو الأستاذ الذي تدرب في محترفه العديد تلامذة الفن، حيث امتاز أسلوبه بالاختصار في معالجة الطبيعة وفق الاشكال الهندسية، كي يكون ممهداً للفن التكعيبي في لبنان. كتب عنه أندره باركوف: “لم يحب أحد تلك الطبيعة اللبنانية كما أحبها جورج سير الذي عرف كيف يدرك بثبات وبأس سرّها الوهّاج”. 

من منجزات جورج سير، أنه أسس “جمعية أصدقاء الفنون” التي انتسب اليها غالبية الانطباعيين اللبنانيين والفرنسيين والأجانب المقيمين، طارحاً فكرة “الصالون” كتقليد سنوي، على طريقة صالونات “الغران باليه” في باريس. والجدير بالذكر ان الثنائي الأنسي وسير نظم الصالون الأول في البهو الأرضي من مبنى البرلمان اللبناني في العام 1939، وكذلك الصالون الثالث العام 1941، الذي شهد استقدام الناقد الفرنسي جاك لاسين وهو من أبرز مؤرخي الانطباعية الفرنسية، كي يشارك في تنظيم المعرض الذي قدّم له وقتئذٍ الكاتب غبريال بونور مؤسس مدرسة الآداب العليا في بيروت.

أرز لبنان
كشف جناح الفنانين الرواد عن أبرز التحولات، من خلال أعمال حملت تداعيات تلك المرحلة، بينها “طبيعة صامتة بالبطيخ” و”حجر الحبلة في بعلبك ” لداوود القرم، و”البدوية ” و”الطاحونة ” لحبيب سرور، وبورتريه لسيدة بيروتية بريشة خليل الصليبي، الذي بشّر بقدوم الانطباعية من خلال لوحة حديقة الكوليدج هول في الجامعة الأميركية في العام 1920. علماً ان موضوع البدويات الذي أطلقه سرور وأوصله الى ذروته التعبيرية المليئة بالشجن والتقشف والمعاناة الإنسانية، ظل يتردد في غالبية اعمال الانطباعيين اللبنانيين، وانتقل الى ذائقة الفنانين الفرنسيين في مرحلة الانتداب (في طليعتهم ميشليه) الذين نظروا الى الوجوه البدوية على انها آخر سلالات البشر الآتية من أرض الأنبياء في بلاد الشرق.  

لم تغب عن المعرض نماذج من صور الوجوه التي رسمها جورج القرم، والرؤى الحلمية والرمزية التي طرحها كل من جبران خليل جبران ويوسف الحويك في مرحلة مبكرة من أوائل القرن العشرين، حين أثار كل منهما على طريقته صحوة الشرق التي نسجت حكاياتها اعمال فيليب موراني الذي أطلق عليه الفرنسيون اسم “مستشرق من الشرق”، بعد مشاركته لسنوات طويلة في صالون الفنانين المستشرقين في باريس. وعلى خطى المستشرقين رسم موراني في لبنان وسوريا موضوع الطواحين والمساجد والحمامات والأسواق، كما رسم مقاهي القاهرة وضفاف النيل برؤى بانورامية وصوّر داخل المصابغ حيث تسكب الألوان من أزرق وأحمر على لفائف القماش الموضوعة في الأحواض. وثمة لوحة نادرة تمثل هذه التيمة من مجموعة متحف نابو، موجودة في المعرض الى جانب لوحة جدارية عن “أرز لبنان” جلبت خصيصاً للمناسبة من قطر (من مجموعة الشيخ حسن بن علي آل ثاني)، سبق أن شاركت في الجناح اللبناني الذي نظمه الشاعر شارل القرم في معرض نيويورك الدولي العام 1939. وقد خصّ موراني شجرة الأرز بالعديد من اعماله باعتبارها رمزاً للبنان وهيكل خلوده عبر التاريخ. يكشف المعرض ايضاً عن قدرات موراني في تصوير البورتريه من خلال لوحة رائعة لم تُعرض من قبل، وهي لسيدة فرنسية جالسة على شرفة مطلة على منظر الساحل البيروتي، وهي تحمل الكثير من الأناقة والدقة في الرسم والسطوع اللوني الذي تعلمه موراني من استاذه الفرنسي بول لورنس.

عشاق الطبيعة
يفرد المعرض جناحاً خاصاً للإنطباعية اللبنانية بلوحات مختارة من ذرى ابداعات فرّوخ والأنسي والجميّل والدويهي، أبرزها مناظر لفروخ عن مسقط رأسه بيروت (موقعة في العام 1935) التي لطالما عشقها ورسم بيوتها المتوجة بالقرميد في إطلالاتها على البحر وجبل صنين، وهو الباحث عن لغة اللون والضوء ونعمة تذوق جمال الطبيعة اللبنانية كمصدر للذة الحياة، ومن الفنانين القلائل كتبوا بلوحاتهم ومواقفهم خطوات اليقظة الفنية الحديثة في الثلاثينيات. آمن بأن الانطباعية هي الأقرب الى الذوق المحلي لأنها تتفاعل بشكل تلقائي ومباشر مع الواقع اللبناني لذا راحت ريشته تمجد ما سماه بالشعر اللوني للأمكنة الرضيّة. وهو مصور الوجوه البارع في التقاط حيوية الملامح وفق القواعد الاكاديمية التي تعلمها في روما، وتبرز في المعرض لوحة نصف كاملة لسيدة بيروتية، بريشته تعكس مواصفات نساء الطبقات الراقية في ذلك الحين. 

من اعمال الأنسي الملقب بشاعر اللون والنور، اختار المعرض مائيات وزيتيات عبارة عن مناظر من الرملة البيضاء ومحيط بيروت (موقعة في العام 1935)، هو الذي أدخل ذائقة التصوير المائي وكرّس اعترافها كلوحة متكاملة بشروطها الفنية، اسوة باللوحة الزيتية على نحوٍ استثنائيّ. وهو الرحالة الذي جاب لبنان بمدنه وقُراه فضلاً عن رحلاته الى فلسطين والأردن وسوريا بحثاً عن صبوته الفنية، تميز بطريقته السريعة في التقاط اللحظات الزائلة وفق المبادئ البصرية للرسم الانطباعي، وعرف كيف يقتنص المشهد ويختزله أنواراً وظلالاً ملونة.

أما لوحات الجميّل “رنوار لبنان”، فتعكس الشغف اللوني بالمناظر المحببة اليه، التي رسمها في محيط منزله “القيصرية” في شويّا، التي كانت ملعباً لأهازيج الشمس ولعبها الحائر والمتقلب فوق خضرة الأرض ونعميها بين أحضان صنين والتلال الصاعدة اليه، وهي تعانق سحب السماء. كانت وصيّة قيصر قبل رحيله تحويل هذا المنزل الى متحف، كي تبقى ذكرى الفنان مترددة بين الأجيال، لكنها لم تتحقق وبقيت اعماله وحدها شاهدة على طلاقة ريشته وشغفه بالطبيعة. ولعل المفترق الأساسي في المعرض يبرز في اعمال الدويهي (وهي في غالبيتها من مجموعة متحف نابو) المعروف بأنه جدد الفن المقدس في لبنان وطرح موضوعات تكمل المسار الانطباعي، من زاوية رؤية المنظر وطبيعته التكوينية، التي تتمثل في سلسلة لوحات وادي قنوبين، كما تبهر الأنظار لوحة الصورة الكاملة لسيدة اريستوقراطية جالسة على شرفة تطل على خليج جونيه، بأسلوب لوني براق يتمثل في أسلوب الجلسة مع الامتداد الافقي للمنظور في لعبة التأليف.

من أبرز الظواهر في حقبة الانتداب، صعود لوحة العري على أوسع نطاق في نتاج غالبية الفنانين الذين واجهوا تحفظات المجتمع اللبناني، لا سيما بعد حادثة مقتل خليل الصليبي وزوجته العام 1928، في سياق المعارض الرسمية والصالونات التي أقيمت في بيروت في الثلاثينات. فموضوع الموديل العاري يتراءى في غالبية النتاج الأكاديمي لدى الانطباعيين، لكن الأنسي عالجه بلغة الشفافية التي تتميز بها المائيات، في حين تميز الجميّل بتمسكه بمزاولة هذا الموضوع بشهوانية لونية عارمة في قوله: “أنا مصوّر المرأة ففي بشرتها ما ليس في الزهر والثمر”. لذا زوّد محترفه في بيروت وقيصريته في بكفيا بالموديل العاري مريم التي سرعان ما أصبحت أول نموذج للعري في الدراسة الفنية داخل الاكاديمية اللبنانية (ألبا) التي أسسها ألكسي بطرس بالتعاون مع قيصر الجميّل في العام 1943.

نساء رائدات في المشهد الفني
ألقى “متحف نابو” الأضواء على صعود نتاج الفنانات الرائدات من نساء بيروت، والأكثر تمرداً وتأثيراً كانت ماري حداد ابنة انطوان شيحا (مؤسس بنك فرعون وشيحا في بيروت)، التي لقّبت برسامة البدويات، واحتلت مناصب مميزة كمنسقة للمعارض والجمعيات في لبنان والخارج، شاركت في الصالونات الباريسية منذ العام 1933، بناء على دعوة من صديقها الكونت دومارتيل، وأقامت معرضاً لها في غاليري جورج برنهايم في باريس العام 1937، وأقتنى “متحف جو دو بوم” لوحة بورتريه لقروي من الجبل اللبناني، مما ساهم في شهرتها، لفتت بأسلوبها الوحشي نظر الناقد لوي فوكسيل الذي سبق وأطلق تعبير الوحشية على ماتيس ورفاقه. كذلك يلقي المعرض الأضواء على إنجازات الفنانة بلانش لوهياك عمّون، التي ظهر أسمها لأول مرة في سياق معرض مدرسة الفنون والحرف العام 1931، وهي تتلمذت على يد حبيب سرور قبل ان تستقل بأسلوبها الفني المتحرر من القيم الكلاسيكية. علماً انها أقامت أول معرض فردي لأعمالها في فندق السان جورج في العام 1938، تفرد بتقديم اللوحة الجدارية لعمّون بعنوان “المعاهدات الفينيقية” التي شاركت بها في معرض نيويورك الدولي العام 1939 باعتبارها عملاً يعكس العلاقة بالجذور والتراث الفينيقي بأسلوب تخييلي لا يمكن إلا أن يُرى على انه حديث.