في لحظة «دفن» تنظيم «الدولة»: كي لا ننسى إنسانيتنا

رأي القدس 
القدس العربي
25032019

يقدّم تقرير الصفحة الأولى من «القدس العربي» اليوم تفاصيل مرعبة تنفذها «قوات سوريا الديمقراطية» في الجيب الأخير الذي كان يسيطر عليه تنظيم «الدولة الإسلامية» في الباغوز شرقي سوريا، وينقل تأكيد ناشطين وعناصر عربية من «قسد» أنها قامت بدفن أكثر من 300 جثة معظمهم من النساء والأطفال بشكل جماعي في حفرة وأنها حظرت دخول الصحافيين لمنع العالم من رؤية حقيقة ما يحدث فعلا هناك.
يشير التقرير إلى أن طيران «التحالف الدولي» شن 30 غارة طالت مخيم الباغوز ليلة الثلاثاء 19 آذار/مارس مما جعل المكان «محرقة» «بحيث لم يعد هناك أحد على قيد الحياة»، و«غالبية الجثث اختفت ملامحها»، فيما قامت قوات كردية خاصة بإعدام العدد القليل الباقي من الجرحى ولم ينج إلا 9 أطفال تم نقلهم إلى مخيم الهول قرب الحسكة.
ساهم في هذا العنف الشديد بالتأكيد إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الادعاء أنه أنهى تنظيم «الدولة»، (وهو ادعاء كرّره 16 مرة حتى الآن)، وعلى الأغلب أن ينجح «التحالف» والقوات الأرضية التي حاربت التنظيم في إخفاء معالم هذه المعركة الأخيرة بحيث تبدو «نظيفة» و«معقمة» على الطريقة الأمريكية التي مثالها الأعلى قيام موظّف ما بضغط زرّ على شاشة ما في مكان بعيد جداً (قد يكون كاليفورنيا أو هاواي) فينقصف موقع ما (قد يكون معسكراً أو مشفى أو مدرسة) وتتحول الوجوه والمعالم والقصص إلى معطى رقميّ لا علاقة له بالواقع الذي يجري في سوريا أو العراق أو اليمن.
غير أن الأسوأ من «تعقيم» القوات الأمريكية لأعمالها العسكرية ونتائجها الكارثية على المدنيين، هو التبريرات التي تقوم بها «قوات سوريا الديمقراطية»، ومن ذلك ما قاله «عضو إدارة الحزب الديمقراطي» الكردي السوري في كوباني (عين العرب) محمد حبيب الذي أوضح في اتصال هاتفي لـ«القدس العربي» معه قبل أيام حول الصور التي كشفت نساء وأطفالا يبكون على جثث أقاربهم في الباغوز إنه «لم يبق مدنيون في الباغوز» وأن «هؤلاء الأطفال والنساء قرب الجثث هم من عوائل داعش»، وهو ما يخرج الأطفال والنساء من تصنيف «المدنيين» لأنهم «من عوائل داعش».
إضافة إلى ذلك فقد قام ناشطون سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي بترديد أقوال من قبيل إن لا إثباتات على أن القوات الأمريكية تستهدف المدنيين، أو أن الأطفال والنساء «لم يقتلوا قصدا» وأن المسؤولية تقع على «أفراد داعش الذين اتخذوا عائلاتهم رهينة»، وهو ما اعتبره ناشطون آخرون تبريرا لقتل الأطفال والنساء بدعوى محاربة تنظيم «الدولة».
القضاء على تنظيم «الدولة» هو أمر في صالح العالم بالتأكيد، وفي صالح السوريين والعراقيين بشكل خاص الذين عانوا من سطوته، فهذا التنظيم مسؤول عن مجازر وانتهاكات فظيعة لحقوق البشر، وبالتالي فإن الهدف من محاربته هو وقف تلك المجازر والانتهاكات وليس القيام بها تحت مبرّرات أخرى، وقيام من يحاربونه (سواء كان «التحالف الدولي» أو القوّات السائرة في ركابه) بانتهاكات لحقوق البشر يسقط دعاواهم السياسية المتغطّية بمصطلحات «الديمقراطية» وغيرها، ويضعف مزاعمهم في «محاربة الإرهاب»، فالإرهاب لا يحارب بالإرهاب والوحشيّة لا تواجه بالوحشيّة وإلا فقدت القيم الإنسانيّة معانيها وضاعت الخطوط بين «الإرهابيين» ومن يحاربهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*