في قديم الزمان… كان يا ما كان

 توفيق قريرة 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
17032020

قول سحريّ بدأنا نفتقده كان يفتح بالسرد عيوننا على عوالم خياليّة بديعة هو: كان ياما كان في قديم الزّمان.. قول فتح عقولنا على عوالم افتراضيّة يمكن أن يحدث فيها كلّ شيء، كأن يتزوج ابن سلطان الإنس من بنت سلطان الجان ويطلّقها فتصير بين الثقلين حرب كورونيّة ضروس، وفي غفلة نادرة من غفلات الجان ينتصر الإنس في وقت يسمّى «قديم الزمان».
قديم الزمان هذا هو زمن لسْتَ فيه لأنّه كان وانتهى فهو ماضٍ مضى عليه ردْحٌ من الدّهر حتى صار غابرا، هكذا يُفهم القَديم من الزمان أوّل وهلة. يبدأ هذا الزمان عاديّا فالأحداث هي التي تؤكّد أنّه عاديّ وممكن. نقرأ: «كان يا ما كان في قديم الزمان رجلٌ طاعنٌ في السنّ فقيرُ الحال كثيرُ العيال…» لمَ لا يكون هذا الزمان ممكــنا والرجل بعمره وبفقره وبكثرة عياله، ممّا يمكن له أن يوجد، بل هو موجود نراه كلّ يومٍ؟ أحداث قديم الزمان التي تفتح الوضعيّة هي أحداث كلّ يوم؛ هي أحداث يومك، بل ربّما كانت أحداثك، لكنّها سرعان ما تنقلب لتصبح غريبة عنك. فضل حكايات كانَ يا ما كان.. أنّها لا تترك الأوضاع على ما هي عليه، بل تقلب الأشياء؛ فيكفي أن تدخل أنت في الحكاية وتصبح شاهدا على عصرها، حتى تتغيّر الأحوال، وينتقل الأمر من الواقعيّ إلى العجيب.
لنعد على سبيل المثال إلى الرجل الطاعن في السنّ الفقير الحال الكثير العيال. يريد له القصّ في الزمن الغابر أن يعاني أكثر فيشتغل بحّارا أو حَطّابا، ولكنّه لا يستطيع أن يبيع بضاعته ولا أن يصل إلى عمله، فهو يظلّ يحاول أن يصطاد شيئا فلا تقع في شباكه أيّ سمكة تصلح أن تكون ثمنا للقوت، أو تكون هي نفسها قوتا. حين يتقدّم الزمان بالأحداث قليلا في «قديم الزمان» لن تزيد الأوضاع إلاّ تعكّرا والطين إلاّ بلّة. يراد لي ولك حين ندخل القصّة أن نكون شُهودا على تعكّرها، فنلعن الزمان والخصاصة ونكد الحظّ. نحن لا نلعن في الحقيقة إلاّ زمانا يشبه زماننا. حين نلعن الزمان نحن لا نلعن في الحقيقة الوقت، بل نلعن الظروف التي اجتمعت علينا في زمان ما. نحن لا نلعن المكان الذي اجتمعت فيه ولا نلعن بؤسنا الذي قادنا إلى هذه الوضعيّة ولا عقلنا الذي لا يعرف التدبير نحن نلعن الزمان.
هل نعي ونحن نسمع حكايات كان يا ما كان أنّ المشكلة ليست في الزمان، بل أنّ المشكل في حركة الزمان ذاتها ومن يتحكّم فيها.. لكن من يتحكّم في حركة الزمان؟ فلكيّا ليس للإنسان من قوّة في التحكّم في حركة الزمان لأنّ الزمان هو حركة الأفلاك ولا دخل للإنسان في انتظام هذه الحركة أو في بلبلتها، وليس مهمّا إن كانت هذه الحركة سابقة سبقا كثيرا أو قليلا للوجود البشري. يموت الأفراد وتبيد الجماعات والزمان تحركه دواليب الأفلاك، وتمضي به في خطّ لا رجعة فيه ولا وقفة. ربّما كان في الأمر حكمة كبيرة، أنْ ليس للإنسان من يد في هذه السيرورة الفلكيّة فلو استطاع المرء لحركة الفلك شيئا لجعلها تتغيّر لفائدته وفائدة عترته. يبدو لنا أنّ حركة الفلك هي التي جعلت الرجل في الحكاية «طاعنا في السنّ.. ما مضى من الزمان في عمره أقلّ ممّا سيأتي. يسعى الإنسان دائما وأبدا إلى الهيمنة على الزمان والتحكّم فيه، رغم أنّ فعل الزمان فيه يكون أظهر للعيان من أيّ فعل آخر للزمان.

كان يا ما كان في قديم الزمان.. تجعلنا نرحل في ضرب من الاستذكار السّردي للحظة راهنة مرّت ونحن بين وعي وليد، أو وعي عديم بأنّ ما حدث حدث فعلا.

توهّم الإنسان أنّه استطاع أن يروّض الزمان حين قسّم الوقت إلى ساعات والساعات إلى دقائق.. كان ذلك شيئا من التحكم في الزمن بتكميمه. واستطاع أن يملأ هذه الخانات الزمانية المحدودة بأعماله. يظلّ المرء يعمل وبحساب الساعات والأيّام يدفع أجره: الأعمال إن وزّعت على الزمان اكتسبت قيمتها.. لكنّ خلف هذا النظام عبثا كبيرا، لأنّه يمكن أن تشتغل كلّ الوقت الذي عليك أن تشتغله وتشقى وتكلّ، ولكنّك لا تكافأ بمثل ما يكافأ به غيرك بأعمال أقلّ وقتا وأقلّ قيمة. استطاع الإنسان بالزمان أن يخلق نوعا من الميز غير المعقول بين الجهود وأجره. تحكّم الإنسان مرّة أخرى في الوقت والمال والجهد والأرواح العاملة. يعمل العبيد في حقول السادة ويعمل أولادهم وأحفادهم ويجني السادة ثمار العمل فقط، لأنّهم عرفوا كيف يستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. بالحكي نستطيع أن نعيد توزيع ملكيّتنا للزمان بأن نلوّنه كما نريد. أنا لا أعتقد أنّ الحكايات ولدت في القُصور، أو بين الأشْراف لأنّ هؤلاء لا يحكون هم يعيشون، وفي الزمان يفعلون، وغيرهم هم من يروون عنهم أفعالهم فتضحى سردا يفارق شيئا فشيئا واقعيّته المقيتة.
ما يصنعه الحكي هو أنّه يجعل الزمان ذا إيقاع. من حسن الحظّ أنّ الزمان، وككلّ شيء خطّيّ، يمرّ خفيفا وفي خطّ واحد، وهذا ما يسمح لك أن تعترضه وترافقه أو تقطعه إلى هنيهات تعيشها على إيقاعات. لكنّ المشكل في هذا أنّ الوقت كما يعتقد باشلار «ليس له إلاّ حقيقة واحدة هي حقيقة اللّحظة الراهنة» ذلك أنّ «الزمن حقيقة مشدودة إلى الوقت الراهن ومعلّقة بين العدمَيْن. فقد يُولد الزمن من جديد، ولكن عليه أن يموت أوّلاً». يظلّ الراهن يموت ويُبعث حتى نموت نحن ونُبعث؛ المهمّ أنّ حركتنا معه هي انتظار للحظة متجدّدة. ويحدث ونحن بين لحظتين، أن نعيش ضربا من العُزلة عن ماضينا؛ يقول باشلار: «بضرب من العنف الإبداعيّ، فإن الزمن الذي يتحدّد بالوقت الحالي لا يعزلنا فقط عن الآخرين، ولكنّه يعزلنا أيضا عن أنفسنا، لأنّه يقطع مع ماضينا العزيز علينا». إن اكتفينا بواقعنا اكتفينا من الزمان بلحظة عابرة، لذلك نحن نحمل زماننا في أوعية هي ذاكرتنا أو أفكارنا وخيالاتنا لنتأمّل من جديد تلك اللحظة اليتيمة التي عشناها في راهننا أو لنغيّرها بالسرد.
كان يا ما كان في قديم الزمان.. تجعلنا نرحل في ضرب من الاستذكار السّردي للحظة راهنة مرّت ونحن بين وعي وليد، أو وعي عديم بأنّ ما حدث حدث فعلا.. السرد يريد أن يقلب الأحوال، لذلك يبحث الشيخ الطاعن في السنّ في الغابة عن الخشب، فإذا به يجد كنزا مطمورا تحت الشجرة، أو يجد الكنز في جوف حوت لم يستطع بيعه، فعاد به لعشاء الكفاف؛ فتخرج ياقوتتة فجأة لتحلّ مشكلة الشيخ الأزليّة: الفقر.. سننسى إلى حين، وربّما إلى الأبد أنّ مشكلة الشيخ ليست الفقر، بل إنّه كان في أرذل العمر فهو سيفارق الحياة ولن يعوضه مال الدنيا عن عمر هو بحجم هنيهة راهنة. ينسينا الخيال أنّ الإشكال في أعمارنا أنّها تعاش على لحظات متقطعات ثمّ ترحل.. عندها لا يهمّ ما الراحل بها أهو واقع الحياة أم خيال السارد.
نسي اللسانيّ أن يقول لشبكة الصياد التي غاصت في الهامش، إنّه لم ينسَ لحظة أنّه لسانيّ وهو يتحدّث عن كان يا ما كان في قديم الزمان.. ففعل الزمان السردي فعل لغويّ قبل كلّ شيء وأنّ في قديم الزمان ما كان الذي كان إن لم يوجد لسان هذا مجمل الحكاية وتفصيلها في درس العلماء الذي ليس هذا عبابه.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*