في ظل المواجهة السعودية ـ الإيرانية

لبنان بعد استقالة الحريري يدخل في فترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي

القدس العربي
الداد شفيت ويوئيل جوجنسكي
نظرة عليا – Nov 08, 2017

رئيس وزراء لبنان، سعد الحريري، أعلن على نحو مفاجئ في 4 تشرين الثاني، في أثناء زيارة له إلى السعودية بأنه يستقيل من منصبه. وفي تعليله للخطوة هاجم الحريري بحدة إيران وحزب الله وقضى بأن طهران تحاول أن تثبت في لبنان الحقائق بالقوة. فقد قال إن «إيران تتجاوز الحكم اللبناني في محاولة لفرض واقع على الأرض. وأينما توجد إيران توجد حروب أهلية وخراب… أيديها في المنطقة ستقطع». ولم يوفر الحريري سوطه عن حزب الله أيضا. فعلى حد قوله «نجحت المنظمة في أن تفرض واقعا بقوة السلاح»: «نحن نرفض وجود سلاح ليس في أيدي سلطات الحكم الشرعي في لبنان»، أضاف قائلا. واتهم الحريري حزب الله بالمحاولة لاغتياله، مثلما اغتيل أبوه (شباط 2005).
يتولى الحريري مهام منصبه منذ كانون الأول 2016، بعد أن انتخب في إطار «صفقة» اتفق فيها بعد فترة طويلة من الطريق المسدود، الطرفان السياسيان الخصمان في لبنان «قوى 14 آذار» المدعومين من السعودية والغرب من جهة و»معسكر المقاومة 8 آذار»، الذي يقوده حزب الله من جهة أخرى، على تعيين ميشيل عون (الماروني) رئيسا، ورئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري، الذي أخذ مكان أبيه زعيم الطائفة السنّية في لبنان، رئيسا للوزراء. وكان سلوك الحريري حتى موعد استقالته يشهد بالذات على محاولة من جانبه لإيجاد القاسم المشترك بين المعسكرين، وإن كان واضحا أنه يعمل تحت ضغوط من جانب حزب الله وإيران ولاسيما على خلفية التطورات في سورية ـ هزيمة الدولة الإسلامية وتعزز سيطرة النظام السوري وإيران، وكذا ضغوط متصاعدة من جانب الولايات المتحدة على حزب الله.
من عموم ردود الفعل حتى الآن يبدو أن الاستقالة أخذت بالمفاجأة الشديدة عموم محافل القوى العاملة في لبنان، باستثناء السعودية. في أعقاب ذلك يتعزز الانطباع بأن التوقيت نسق مسبقا مع أسياد الحريري السعوديين. وذلك بعد أن التقى ولي العهد محمد بن سلمان ومسؤولين سعوديين آخرين قبل بيانه. وتأكيد أن استقالته نسقت على الأقل مع كبار رجالات المملكة، إن لم تكن فرضت عليه عمليا، يمكن أن نجده في أقوال تامر السبهان، وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج والناقد الحاد لإيران وحزب الله، الذي التقى الحريري هو الآخر. وكان السبهان دعا قبل بضعة أيام من استقالة الحريري إلى إسقاط حزب الله ودعا إلى معاقبة المتعاونين مع المنظمة.
يشار إلى أنه في أواخر 2016 تحسنت قليلا العلاقات بين لبنان والسعودية، بعد أن منحت المملكة مباركتها للصفقة السياسية المتحققة. يحتمل أن يكون السعوديون أملوا في التأثير على الرئيس المنتخب عون ليهجر حلفاءه السياسيين الحاليين. وفي إطار هذا ظهرت حتى تقارير حول زيارة مخطط لها من الملك سلمان إلى لبنان وعين سفير سعودي جديد في لبنان، بعد أن مرت سنة من دون أن يكون للمملكة سفير في الدولة. فضلا عن ذلك، فإن التحسن في العلاقات بين الدولتين أدى أيضا إلى تصاعد حاد في السياحة السعودية إلى لبنان: فعدد السياح السعوديين إلى لبنان تضاعف منذ بداية 2017، موازنة بالسنة السابقة.
ترى السعودية حزب الله فرعا إيرانيا بكل معنى الكلمة، هدفه زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة وضعضعة استقرار الدول العربية، وليس منظمة مقاومة لبنانية. على هذه الخلفية، حتى لو كان التفسير الرسمي لاستقالة الحريري لا يزال محاطًا بالغموض، يبدو أنها نتيجة تقدير سعودي بأن الخطوة السياسية التي كانوا شركاء فيها في لبنان في 2016 لا تجدي من حيث تقييد قوة حزب الله وأن الحريري رئيس وزراء جُرّ عمليًا خلف جدول أعمال المنظمة، لا ينجح في تقليص نفوذها ونفوذ إيران في الدولة، وأن هذا النفوذ يتعاظم فقط. يحتمل أن تكون قيادة السعودية تفترض بأن الاستقالة ستقضم من الشرعية التي حصل عليها حزب الله بفعل مشاركته في الحكومة اللبنانية. في آذار 2016 كان مجلس التعاون الخليجي قرر بدوله الست إدراج حزب الله في قائمة منظمات الإرهاب، وألغت السعودية التمويل للجيش ولقوات الأمن اللبنانية بحجم 4 مليارات دولار، وذلك على ما يبدو بسبب الخوف من أن يجد السلاح طريقه إلى حزب الله. وذلك برغم أن جزءا من السلاح، من انتاج فرنسا، وصل إلى لبنان.
ليس واضحا كم هي خطوة استقالة الحريري جزء من استراتيجية مرتبة، أعدتها القيادة السعودية ضد إيران وهل تتضمن أيضا خطوات أخرى ستكون لازمة من أجل تقليص نفوذ حزب الله وإيران في لبنان. ومع ذلك معقول أن الخطوة اتخذت في إطار صراع القوى المتعاظم بين السعودية وإيران ولا سيما في ضوء إنجازات إيران في سورية وفي العراق، التي جسدت أن يدها هي العليا في عدة ساحات في الشرق الأوسط، وتطلّع سعودي لوقف هذا الميل. بل يحتمل أن تكون الخطوة جزءا من الاستراتيجية الأمريكية، مثلما عبر عنها الرئيس ترامب، وغايتها زيادة الضغوط على إيران وحزب الله. في هذا الإطار اتخذ الكونغرس قانونا لتشديد العقوبات على حزب الله. ويشار إلى أنه حسب التقارير في وسائل الإعلام، قام صهر الرئيس جارد كوشنير مؤخرا بزيارة السعودية، وفي إطارها التقى ولي العهد محمد بن سلمان.
إن استقالة الحريري تصعد التوتر السياسي القائم على أي حال في لبنان. والانتقاد الحاد الذي ينطلق من جانب إيران وحزب الله على خطوة الحريري وتوجيه الاتهام إلى السعودية بصفتها المسؤولة المباشرة عن ضعضعة النظام في لبنان تشهد على أن التسوية السياسية التي تمت في 2016 خدمت أهدافهم وأن الفوضى السياسية المتوقع أن تنشأ الآن في لبنان هي ذات إمكانية كامنة لتفرض المصاعب عليهم في الطريق إلى تحقيق أهدافهم. حتى لو كانت خطوة الاستقالة تدخل لبنان في فترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي، فعلى الأقل من ناحية حزب الله وإيران فإن المصلحة ستكون الامتناع عن الانجرار إلى المواجهات، على أمل أن يكون ممكنا استقرار الساحة. إلى جانب ذلك، معقول أن تكون الضغوط التي ستمارس على المنظمة لن تحملها على التراجع عن الأهداف التي وضعتها لنفسها حتى الآن مع التشيد على تعزيز وتطوير مستوى قوتها العسكرية. مشكوك أن يكون الرهان السعودي في أن توجه التهمة عن الاستقالة إلى حزب الله فتضعف مكانته في الساحة اللبنانية، سيتحقق بالفعل. العكس هو الصحيح: يحتمل أن يستغل حزب الله الوضع، بمساعدة الرئيس عون، كي يعزز مكانته. بل يمكن أن تكون النتيجة المباشرة لخطوة الاستقالة بالذات تقليص النفوذ السعودي ـ الذي كان محدودا على أي حال ـ على حكومة لبنان، وعمليا تترك الفراغ لإيران. في كل الأحوال، حاليا، لا يبدو أن الخطوة ستحدث تغييرا في النهج الحذر لحزب الله تجاه إسرائيل حاليا؛ والانطباع هو أن المنظمة لا تزال معنية بمنع التدهور بينها وبين إسرائيل.

نظرة عليا ـ 7/11/2017

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*