الرئيسية / home slide / في ضرورة خلق مخيال آخر… هل ستموت مدننا العربية فعلا؟

في ضرورة خلق مخيال آخر… هل ستموت مدننا العربية فعلا؟

 محمد تركي الربيعو
 القدس العربي
31102020

لعل ما يلاحظ في ما ينشر من كتابات عربية عن واقع المدينة المعاصرة، أن معظم الكتب والمنشورات، غالبا ما تتركز أو تنطلق من فكرة هجاء التحضر المديني عموما. فالمدينة العربية، التي عرفت في السابق بتلاحمها وحيويتها وقرب أهلها من بعضهم، واندماج الديني والدنيوي في فضائها، ستشهد مع بداية القرن العشرين تلوثا عمرانيا، كان سببه الأول، وفقا لهذه السردية، الفكر المعماري الكولونيالي، قبل أن تأتي الدولة الوطنية العربية لتقضي على ما تبقى، من خلال التضييق على الفضاءات العامة، وأيضا إهمال قطاع الخدمات، ما أتاح للإسكان غير الرسمي (العشوائيات) الانتشار في ظل غياب سياسات اقتصادية متوازنة في الريف، لتقوم لاحقا الدولة بالتحالف مع النيواليبرالية عبر تبني ودعم مشاريع المدن الصغيرة والمسورة؛ وقد وصف ما يحدث، بحسب عدد من الكتابات المعمارية، بأنه أقرب ما يكون لفكرة «موت المدن»، بحسب تعبير المعماري اللبناني إيلي حداد، الذي خلص في كتابه «إشكاليات العمارة الحديثة» إلى أن الأخطار التي تهدد المدينة العربية اليوم، وحتى العالمية، تتعدى أمور التلوث البيئي والتزايد السكاني، لتصل إلى عمق مفهوم المدينة، الذي يتعرض اليوم لخطر الذوبان في بحر الاقتصاد العالمي الحر، الذي لا يتوقف عند خصوصيات معينة.
ويؤكد المعماري رهيف فياض في كتابه الأخير «نبض المدينة» على الفكرة ذاتها، التي أشار إليها حداد، حول موت مدينة بيروت اليوم مثلا، إذ يرى أن الانقسام الذي تعيشه المدينة اليوم، طائفيا وسياسيا، ليس وليد البنى الاجتماعية اللبنانية، بل وليد التطورات العمرانية، التي حدثت مع بداية القرن العشرين، مع قدوم الكولونيالية الفرنسية، لتأتي لاحقا مشاريع إعادة الإعمار، وآخرها مشروع التسعينيات، ليستعمل المخططون، ومعهم المعمرون، المبضع بقسوة في تصميم الأوتسترادات والبولفارات، فمزقوا جسد المدينة المكتظ، بدون أن يكترثوا بالبنيان الموجود.
وربما من بين الدراسات والكتب أيضا التي سارت على الخطى ذاتها، الكتاب الصادر قبل أسابيع قليلة بعنوان «الإنسان والعمران واللسان: رسالة في تدهور الأنساق في المدينة العربية» للباحث المغربي إدريس مقبول، إذ تتمثل فكرة الكتاب في أن مدننا العربية ليست في صحة جيدة، وأنها تعاني ما يدعوه في أحد الفصول بـ»باثولوجيا التمدن»، أي مرض التمدن، الذي يتمثل في أزمة عمارة بسبب دخول فن العمارة الغربية، وظهور ألسنة جديدة (الناطقين بالإنكليزية) وانتشار العامية بشكل أكبر، ما تسبب في انهيار المشهد المعماري العربي الأصيل. فالمدينة العربية في التاريخ الوسيط، كما يرى مقبول، كانت مدينة تعكس فلسفة الوجود والإنسان، وكان المسجد في قلبها لا يرمز للعبادة والتنسك فحسب، وإنما كان بمركزيته كذلك، رمزا لمركزية سلطة العلم والمعرفة، بينما نعيش اليوم أمام تخطيط لا يؤشر إلى هوية محددة، فهو الفوضى بامتياز؛ وفي حال أعرضنا قليلا عن تصور المؤلف للمدينة العربية التقليدية (جامع في المنتصف وبجانبه سوق ومنازل)، تصور وجده دايل ايكلمان غير ملائم لرسم نموذج نهائي للمدينة الإسلامية، فإن ما يسجل على هذه الدراسات والآراء سالفة الذكر، أنها تنطلق من فكرة واحدة تقول، إن واقع المدينة العربية سيئ، وإنها في طريق الاندثار والموت، وربما ما يدعم حجج هذه المدرسة، ما نشهده اليوم من دمار وتحلل مدن عديدة في العالم العربي، من بغداد، إلى الموصل ودمشق والقاهرة، وفاس، كما يسجل على هذه المؤلفات انطلاقها من فكرة تقول، إن الرأسمالية هي أصل الشرور وأصل فساد هذه المدن، ولذلك كثيرا ما نراهم يعجنون أفكارهم ويكسونها بأفكار مناهضي العولمة، وكتابات المعماريين اليساريين.

يؤكد المؤلف أن الصور المستقبلية، بصرف النظر عن الطبيعة العجائبية التي قد تكون عليها، تمثل طريقة لتغيير التفكير والممارسة السائدين، كما يؤكد على أن المخيال لا يعني التحليق في عوالم خيالية من الأوهام، بل يعني قلب قواعد الواقع وإعادة صياغة هذه القواعد

أما الملاحظة الثالثة، وهي الأهم كما نرى، غياب رؤية بديلة، فمثلا في إجاباته عن البديل، يرى رهيف فياض، أن الاختيار الاجتماعي المتاح أمامنا لمواجهة حالة الانهيار هذه، هو في اختيار المجتمع المقاوم، ولا يخبرنا عن مواصفات وشروط هذا المجتمع، وأين نجده. في المقابل يرى إيلي حداد مثلا أن الحل الأمثل يكمن في العودة إلى التاريخ لفهم أعمق لأهمية المدينة، من أجل عمارة تكون أكثر تناسقا وتناغما مع محيطها وتاريخها ومجتمعها، وهو تصور قريب من رؤية إدريس مقبول، الذي يبدي حنينا كبيرا لنموذج المدينة التقليدية، وللإنسان المسلم ما قبل الحداثي، ولذلك نراه في الصفحات الأخيرة من كتابه يدعونا إلى بناء ثقافة الإنسان كمنطلق جديد لبناء العمارة الإسلامية، إذ يرى أن هناك علاقة بين لسان العربي (ثقافته) وعمارته. وبالتالي يغدو الحنين إلى الماضي هو الحل في كتابات هؤلاء المعماريين، كما يمكن أن نستشف من خلاصاتهم غياب الأمل بتحسن واقع المدينة العربية، بعد كل ما حدث فيها من أضرار، أو لنكن أكثر انصافا، هم لا يرون أي حلول، بدون حدوث انقلابات مجتمعية وعالمية كبيرة، ما يعني الانتظار لعقود طويلة، بينما المدينة العربية تشهد تغيرات كبيرة. ورغم أنه لا يمكن نفي أهمية ما قدمته هذه الدراسات من رصد لواقع وإشكاليات المدن العربية خلال المئة سنة الأخيرة، إلا أن ذلك لا يعني أن هؤلاء المعماريين لا يضعوننا بالمقابل أمام مأزق آخر، وهو مأزق غياب حلول فعلية، أو حشرنا في خطاب معماري مقاوم للنيوليرالية.

لكن هل هناك حلول أخرى؟

سيكون هذا السؤال محل اهتمام من قبل المعماري البريطاني يول دوبر اشتيك/كلية العمارة في لندن، الذي ألف كتابا بعنوان «مدن مستقبلية.. العمارة والمخيلة»، صدر بالإنكليزية 2019/ وترجم مؤخرا للعربية، والذي ناقش فيه الأطروحات السابقة، فهو يرى أن الإشكالية اليوم لم تعد في قبول الآراء التي تتناول انهيار وتفكك المدن، بسبب سياسات الرأسمالية، وإنما في عدم مقدرة أصحابها على تقديم تصورات بديلة، فكل الحلول بالنسبة إليهم مرتبطة بفكرة انهيار المنظومة الرأسمالية، وهو تصور يبقى برأيه غير واقعي من ناحية، كما أنه يرى في العودة للماضي مجرد مشروع من مشاريع الهروب من الواقع، إذ لا منجاة لأحد اليوم من التأثيرات التي تفرضها التطورات الصناعية والعولمة على مدننا. وانطلاقا من هذا الاعتراف، يرى المؤلف أن الحل الأمثل لمواجهة هذا الواقع يكمن في تبني مشروع مخيال جديد، حول مدن المستقبل بدل الانسحاب، إذ تقدم هذه المدن فرصا قوية للتحول المديني المعاصر، الذي لا يكف عن فرض تحدياته على نحو متصاعد.
وانطلاقا من الدعوة لتخيل أشكال مدن أخرى في المستقبل، سيحاول المؤلف البحث في كيفية تقبل وجود الأطلال في المدن، وإعادة دمجها في البيئة المدينية ذاتها، فيرى مثلا أن علينا قبول أن القديم دائما ما يفيد الجديد، وأن الاثنين يمكنهما التداخل معا، بدلا من أن يكونا منفصلين، ولذلك بدلا من ثنائية القديم والحديث، يشير المؤلف لبعض المشاريع المعمارية المستقبلية التي أخذت تحاول دمج القديم في الجديد، ما أدى لظهور هندسات معمارية جديدة، كما ساهم هذا الدمج في تقديم سرد تفصيلي للتطور التاريخي أحيانا، فتظهر المدن وهي تعكس في عمارتها، على نحو واضح، ثراء التصادمات الغامضة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
وعلى صعيد عالم النفايات، التي تفرزها العولمة اليوم، يشير المؤلف إلى بعض المشاريع المعمارية، التي يصفها بالمفزعة والمبهجة على حد سواء، والتي حاولت العثور على الجماليات في النفايات الصناعية من خلال تخيل بناء منشآت جديدة منها، سواء أكانت أهرامات من أجهزة التلفزيون القديمة، أو أجزاء الطائرات وقطارات الشحن، وقد يكون هذا الانتشاء الجمالي بالنفايات الصناعية مفزعا، بالنسبة لأولئك الذين يسعون في الوقت الحالي إلى أن تغدو المدن أكثر اخضرارا ونظافة، بيد أن النفايات الصناعية التي تصورها هذه المشاريع، بأشكالها وتكويناتها الغريبة، تقدم رؤية لشيء مختلف تماما: إمكانية إعادة الاشتغال الطوباوي على الكارثة الصناعية، بدلا من نبذها والتنصل منها.

من الضروري طرح رؤى أخرى، أو محاولة خلق أفكار معمارية تصالحية بين القديم والحديث، أو التعامل مع الرؤية للعشوائيات بوصفها أمرا واقعا، والنظر إلى هذه الفوضى العمرانية أحيانا بوصفها أمرا «خلاقا».

يلاحظ المؤلف أيضا على صعيد العشوائيات، أنه في بدايات القرن العشرين، كانت غالبية المشاريع المعمارية، مثل مشروع فريدريك كيسلر «المدينة في الفضاء» ومشروع كونستانت «بابل الجديدة»، تنطلق عادة من رؤية إيجابية لتوسع المدن بشكل عشوائي، إذ ثمة مدينة مرنة شاسعة، تمحو جميع الفوارق بين الريفي والمديني، وتحرر مبانيها السكان من الهندسة المعمارية الصارمة للجدران والأرضيات، بتوفير سلسلة متواصلة ومتداخلة من الممرات ذات الطبقات المتعددة، لكن في السبعينيات، بدأ ينظر إلى هذه المدن المترامية الأطراف بوصفها بيئات منحطة، تتميز بتدهور أيكولوجي واكتظاظ سكاني وانهيار اجتماعي ومخالفة للقانون، فنيويورك المستقبلية، في فيلم سويلنت غرين 1973، تضم 40 مليون مواطن يعيشون في عالم يفتقر إلى الأطعمة الطازجة، ناهيك من أن المدينة الرهيبة قد تسببت في تلوث الريف تلوثا شديدا أدى إلى تدميره. وهنا يرى المؤلف أنه إذا كان ثمة نقاد على شاكلة مايك ديفز مؤلف كتاب «كوكب العشوائيات»، غير مكترثين بتبرير إدانتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأسباب التي أدت إلى وجود مثل تلك الظروف المدينية المروعة، فإن آخرين قد جادلوا بضرورة قبول تلك المستوطنات العشوائية، كجزء من الحالة المدينية الجديدة، لأنها من المحتمل أن تنمو لتغدو جزءا أكبر من المدن المستقبلية، شئنا أم أبينا.

لكن ماذا عن المخيال العربي الراهن؟

في سياق حديثه عن المخيال، يؤكد المؤلف أن الصور المستقبلية، بصرف النظر عن الطبيعة العجائبية التي قد تكون عليها، تمثل طريقة لتغيير التفكير والممارسة السائدين، كما يؤكد على أن المخيال لا يعني التحليق في عوالم خيالية من الأوهام، بل يعني قلب قواعد الواقع وإعادة صياغة هذه القواعد، وأن هذا التخيل ينطلق من البيئة المدينية التي نستطيع أن نعرفها ونختبرها فعليا، في حين تدفعنا من جهة أخرى، إلى التفكير في طرائق أخرى للعيش في المدن والوجود فيها، وربما الجميل في هذا الطرح، أن المؤلف يرى أن عملية التخيل هذه ليس مقتصرة على المعماريين، بل نراه يدعو الروائيين والسينمائيين ومصممي ألعاب الفيديو والفنانين، إلى المشاركة في هذه العملية. ولكن يبقى السؤال، ماذا عن العالم العربي، وهل هناك أي إمكانية أو فرصة للتفكير بهذه المدن المستقبلية، بينما تعبر الحروب والميليشيات في كل مكان، أم أن الطرح السابق أيضا لا يقل تطرفا أو ترفا عن الرؤية الهجائية؟
وربما الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر اليسير، لكن يبقى برأينا من الضروري طرح رؤى أخرى، أو محاولة خلق أفكار معمارية تصالحية بين القديم والحديث، أو التعامل مع الرؤية للعشوائيات بوصفها أمرا واقعا، والنظر إلى هذه الفوضى العمرانية أحيانا بوصفها أمرا «خلاقا» كما يذهب لذلك المعماري المصري علي عبد الرؤوف في دراسة أخيرة له حول فوضى القاهرة، خلافا لرؤية مقبول السابقة التي يراها دليلا على الانحلال والتدهور، وهذا قد يفتح أفقا آخر للنظر في مستقبل المدينة العربية، لكن هذا الكلام يعني، في المقابل، تحديات عديدة أهمها كيفية الكتابة لهذا المستقبل، إذ يلاحظ حسن بلاسم في تقديمه لكتاب «العراق + 100»، الذي ضم مجموعة نصوص لروائيين وقاصين عراقيين حول رؤيتهم للمدينة العراقية بعد 100 سنة، أن الكتابة للمستقبل ما تزال عالما جديدا في واقعنا العربي، كما نلاحظ في هذه المشاركات، أن المخيلة العربية ما تزال مرهونة ومثقلة بهموم الحاضر والقتل اليومي في الشوارع، ولذلك نرى مثلا أن بغداد بعد مئة سنة في قصص بعض المشاركين في الكتاب، هي ذاتها بغداد الحالية، التي تضم بوابات وكلاب حراسة (ولكن إلكترونية في المستقبل)، بينما لا نعثر على تخيل لصورة أخرى لبغداد، بعيدا عن قوات «الحشد» و»داعش» والبعثيين؛ على الرغم من أنه تخيل ضروري ليس للهروب من الواقع فحسب، بل لمقاومته كذلك ومحاولة تغييره، صحيح أن واقعنا العربي صعب، وقسم كبير من مدننا قد دمر، لكن الحل بلا شك لن يكون فــــي الهجـــاء، أو الوقوف على أطلال المدينة الإسلامية التقليدية، بل في البحث عن رؤى أخرى لمدننا، وربما في تأسيس ورش بحثية عن شكل هذه المدن، خارج الأفكار الضيقة التي تعاني منها اليوم بعض الكتابات حول واقع ومستقبل المدينة العربية.

٭ كاتب سوري