الرئيسية / home slide / في رحاب أمين نخلة: كاتب المقدمة المسيحية في حب النبي

في رحاب أمين نخلة: كاتب المقدمة المسيحية في حب النبي

 شكيب كاظم 0 حجم الخط

عرف عن أدباء لبنان اللغة الأنيقة، والأسلوب الباذخ في الكتابة، كان هذا في زمان مضى، قبل أن تستحوذ لغة الصحافة على أساليب المنشئين، وكنت معجبا أشد الإعجاب بكتابات الأديب اللبناني الناثر الشاعر أمين (رشيد) نخلة (1901 ـ 1976)، فضلا عن كتابات جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، ومارون عبود، وكنت أتابع مقاله الأسبوعي الذي تنشره مجلة «الأسبوع العربي» اللبنانية تحت عنوان (أوراق مسافر) ومازلت ـ على الرغم من السنين ـ أتذكر تلك المقالة التي تحدث فيها عن تلك المفارقة، أو المصادفة التي أنجته من الموت.
حدث إن كان مزمعاً سفراً مع ابنته، وإذ يتأخران لسبب طارئ، كان هو السبب فيه، فلم يصلا الطائرة التي مخرت عباب الفضاء، لتلومه ابنته كونه سبب تخلفهما عن الرحلة هذه، وإذ ما زالا في اللوم والتثريب، تنفجر الطائرة في الهواء وأمام ناظريهما، فأصابهما الذهول، لذا ما أن رأيت الجزء الأول من أعماله الكاملة، التي تولت طبعها (المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع) في بيروت عام 1402هـ ـ 1982م، معروضا في سوق الوراقين حتى اقتنيته، واشتمل على (المفكرة الريفية، وتحت قناطر أرسطو، وكتاب الملوك، وذات العماد)، وإذ تقرأ في هذا الكتاب، يتأكد إعجابك بإنشاء هذا الناثر اللوذعي الباهر ويتوطد، فتعجب وتطرب وتأنس، وهل الأدب إلا إمتاع وإيناس وإفادة؟ وإذا أردت مزيداً من المتعة والأنس، فعليك أن تقرأ بتؤدة وبطء، مثلما ترشف الماء العذب النمير، عَلُّ ونهل.
آراء نقدية
لقد عرف أمين نخلة بداية شاعرا، وأصدر أكثر من ديوان شعري منهما (دفتر الغزل) و(ديوان أمين نخلة)، هو الذي ورث الشعر من أبيه الزجال رشيد نخلة الذي نظم النشيد الوطني اللبناني، لكن صفحة شعر الأمين طويت، أو تراجعت، طواها هذا النثر الرائع الجميل، المكثف الموجز، المكتنز بالمعاني الإنسانية النبيلة، حتى يصور لك خلجات الأثمار، التي انتزعها الفلاح من أفنان الشجرة، مغادرة نحو صناديق الباعة في أسواق المدينة، فالتفاحة عند بائع الفاكهة تبكي على أمها، وتذبل على ذكر أيامها في وطن التفاح! وربما أطلت بخدها الأحمر، من قفة القصب، وهي تكاد تقول: ارحموني من نهش وعض!
الأديب الأريب الأمين نخلة، له آراء نقدية سبقت زمانها، يطلقها طائرة مجنحة مثل برقية، فلقد عرف – غالباً- بأسلوبه المكثف حتى كأنه حين يكتب، كأنه يكتب توقيعا لا متناً. فقد شُغل القوم منذ ألف عام، منذ أيام جدنا الكبير الجاحظ؛ شغلوا باللفظ والمعنى، أو بتعبير آخر، المبنى والمعنى، فهو في توقيعه النقدي؛ برقيته، يخبرنا لدى توزيع القسط بين المعنى والمبنى، توزيع أمين نخلة العادل يجعله يقول «يتعب اللفظ حين يستريح المعنى»، أي حين تأتي المعاني التي وصفها الجاحظ، بالمطروحة في الطريق، وأعلى من شأن اللفظ، أقول حين تأتي المعاني بسيطة ساذجة، يتعب اللفظ كي يواري سوأة المعنى الركيك ويداريها، وقد ينجح، وقد لا. كما يؤكد أن «معظم النقد يقوم على الذوق، لذلك لا ينتفع بالنقد». وهي تورية ذكية رائعة، تفيد بأن ليس كل قارئ متذوقا، أو ذا ذوق، والأمر ينسحب على الناقد المنشئ، لذا لا ينتفع الكثيرون به، لا لسبب إلا لأنهم يفتقرون للذوق والتذوق!
قلت إن آراء أمين نخلة متقدمة على زمانها، مشيراً إلى أن هذه الآراء نشرت سنة 1942، فإذ جاءت النظريات الأوروبية النقدية بالمقاييس، وحولت النقد إلى خوارزميات، وأماتت الروح والجذوة في النقد أو الأدب، فإن أمين نخلة لم يقبلها؛ لم يقبل المقاييس في برقيته النقدية الذكية قائلاً: «ليست الجرأة من لزوم النقد، فالنقد في الجملة، تدليل على ذوق الناقد، لا علاقة له بأذواق الآخرين. أما قضية «المقاييس» فمن أفكه ما يكون».

وإذ ذكر النقاد والدارسون لفن القصة والرواية أنها ليست سردا لحوادث فقط، بل تضمنت آراء وأفكاراً وتاريخا وسياسة وحباً، و، و، لذا أعجب من الذي ما زال عند أفكار بداية القرن العشرين، يوم كان القدح المعلى للشعر، والشعر فقط، وكانوا يعدون القصص والروايات لغو حديث، أقول: بعد كل هذه العقود أفاجأ وأفجع برأي لصديق أديب اغترب في أمريكا، ينعى عليّ قراءة الرواية والقصة، لأنهما – حسب رأيه- لا ينفعان وليس وراء قراءتهما طائل! فإن رأي أمين نخلة المتقدم والذكي، الذي أؤكد أنه أطلقه في أربعينيات القرن العشرين ينص على أن «فن القصة، عندنا في العربية، مسكين جداً. فهو لا يزال ينظر إلى الحادثة. ومن أجل أن يسمو الكلام على لسان المتكلم، وأن لا يتحول إلى لغو وثرثرة، يقص علينا أمين نخلة، قصة رواها الكاتب أوسكار وايلد (تـ 1900) لصديقه الأديب الفرنسي أندريه جيد (1951) «يوم نزل وايلد إلى باريس، وكان يسأل صاحبه أن يروي له عما صنع في يومه. فيسوق إليه جيد ما يعرض له من جليل ودقيق، بين التقلب والمعاش، فيقول وايلد:
-تحدثني بهذه التوافه، فهل أنت تراها جديرة بتحريك الشفة؟ نحن في دنيانا في ثنتين: واحدة قائمة، لا يحتاج إلى الحديث عليها، وهي الماثلة بين يدينا، والأخرى، وهي دنيا الفن، يجب أن يفاض في التحدث بها، وفي وصفها ونعتها طويلا، كيما تنهض واقفة على قدميها».
المقدمة المسيحية:
وما دمت بصدد الحديث عن أمين نخلة وكتابه هذا، فلا مندوحة من أن نعرِج على مقدمته المسيحية التي كتبها، بناء على طلب الباحث اللبناني إسكندر الرياشي (1961) الذي ألف كتاباً بعنوان (نفسية الرسول العربي) ورأى أن يضمِن كتابه هذا مقدمتين، الأولى مسيحية والثانية محمدية، إظهاراً لتآخي الديانات السماوية، فطلب من أمين نخلة كتابة (المقدمة المسيحية) وكلف العلامة الشيخ عبد القادر المغربي (1956) نائب رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق، كتابة (المقدمة المحمدية) وجاءت المقدمة المسيحية التي كتبها أمين نخلة من القطع النثريات الفرائد الخوالد، التي سيظل فن النثر العربي مزهوا بها دهرا مديداً «ويا محمد: يميناً بديني، دين ابن مريم»، وبخشبات صليبه، إننا في هذا الحي، من العرب، نتطلع إليك، من شبابيك البيعة، فعقولنا في الإنجيل، وعيوننا في القرآن».
ويا أمين نخلة، فلَهذه المقدمة المسيحية، تعيد للذاكرة كتابات النصارى المسيحيين من أدباء لبنان، الذين امحضوا النبي العربي الأمي حبهم وودهم: مارون عبود، وجورج جرداق، وسليمان كتاني، وبولس سلامة..
ويا أمين نخلة، يا من امتعتنا بمقالاتك في المجلات سابقا، وأمتعتنا حالياً بكتابك هذا، والفضل يعود لنجلك الوفي سعيد، فما كل الأبناء بأوفياء نجباء، الذي تولى إعادة نشر مؤلفاتكم المنشورة، ونشر المخطوط منها، مقدّماً أجلَّ خدمة للأمة العربية ولقرائها.
ويا أمين نخلة المحامي، والنائب في مجلس النواب اللبناني، ويا أمين الذي ترشح إلى قصر بعبدا، إلى قصر الرئاسة اللبنانية، كل شيء فات ومضى، وبقيت حروفك الوهاجة تسطع في دنيانا، وقلمك النبيل الذي قدم لنا كل هذا الزاد، ويا أمين، هذي سطوري في رحابك، بعض دقات ناقوس تذكر بك، وتستعيد ذكراك أيها المغادر الحاضر.

كاتب عراقي