الرئيسية / home slide / في ذكرى ميلاد ميخائيل نعيمة: وقفة في رحاب «يا ابن آدم» والهروب إلى الطبيعة

في ذكرى ميلاد ميخائيل نعيمة: وقفة في رحاب «يا ابن آدم» والهروب إلى الطبيعة

 مولود بن زادي
القدس العربي
26102020

ليس بين أدباء المهجر مَن حرِص على تأمل الطبيعة ومناجاتها، واستنطاقها، واستقاء المعارف من الكائنات الحية فيها، واستخلاص الدروس من الظواهر المحيطة بها، والاعتبار بآياتها، كميخائيل نعيمة (17 أكتوبر/تشرين الأول 1889 ــ 28 فبراير/شباط 1988). فالطبيعة كانت له مصدر إلهامٍ وأفضل معلمٍ وهو القائل: «كل ما في الأرض وفوقها وتحتها معلم عجيب وكتاب عجيب. وما عليك إلاَّ أن تحسن الانتباه والقراءة، وإلاَّ أن تستوعب ولو بعض ما تسمع وما تقرأ. ربَّ نملة تجرجر شعيرة تلقي عليك محاضرات لا تسمع مثلها من أشهر أستاذ في أشهر جامعة. ربَّ شوكة تفرش طريقك برؤى لم تخطر في خيال أشعر الشعراء. ربَّ نسمة عابرة تتلو عليك من الآيات البينات ما لست تقرأ مثله في أروع كتاب خطته يد إنسان».

حياة العظماء لبلدانهم وللعالم

هي الطبيعة التي كانت لها مكانة سامية في نفوس أدباء المهجر في القارتين الأمريكيتين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وقد انعكس ذلك في كتاباتهم من خلال الهروب إلى الطبيعة الذي يعدّ من أبرز سمات الأدب المهجري. تتجلّى هذه النزعة في كتاب «يا ابن آدم» الذي يعرضه علينا ميخائيل نعيمة في شكل حوار فلسفي بين عالِمٍ يدعى (الشيخ) ويرمز له بحرف (الشين) سئم الحياة المعقدة في المدينة ففرّ إلى أرض نائية و«أكبر مراسل لأكبر وكالة أخبار في العالم» يدعى (المراسل) ويشير إليه بحرف (الميم) وهو الرجل الذي يسافر للبحث عنه.
(الشيخ) – كما يصوره لنا الروائي – عبقري ساهم في تطوير سلاح دفاع وهجوم «تطويرا يجعل (من بلاده) سيدة الأرض دون منازع». وها هو خبر اختفاء هذا العالم العظيم، يهز بلاده حتى الأعماق، ويهز العالم برمته حتى أنه تجنّد للبحث عنه ما لا يحصى من رجال التحري ورجال الإعلام في كثير من البلدان. وقد بلغ الأمر مبلغا جعل حكومة بلاده تعرض مكافأة قدرها مليون دولار، للذي يدلها عليه حيا أو يعرض دليلا قاطعا على موته. وفي ذلك حكمة، فـ»حياة العظماء ليست لهم. إنها لبلادهم أولا، ثم للعالم».
لقد استطاع (الشيخ) أن يحقق نجاحا باهرا ومالا كثيرا وشهرة، ليس في بلاده وحسب، بل في كامل أنحاء الدنيا بفضل اختراعه العظيم، لكن ذلك لم يكن كافيا ليشعره بالراحة والسعادة والهناء، ما حمله في الأخير على الفرار والاختفاء بعيدا عن دنيا البشر و«همومهم وغمومهم، وشهواتهم ونزواتهم، وسعاياتهم ونكاياتهم، وحروبهم وکروبهم، وعلومهم وفنونهم، وفلسفاتهم ومماحكاتهم». ضاق ذرعا (الشيخ) بكل ذلك، وضاق أيضا بما كان يشاهده من حوله من صراعات دينية بين بشر اختلفوا في عبادة الله، وجعلوا من أنفسهم جندا لخدمة الله، وانقسموا واستغرقوا في الخصام والعداء والاقتتال وسفكِ دماء بشر مثلهم، إرضاء لله وكسبا لأجره وثوابه وفوزا بحياة أبدية في الجنة التي وعدهم بها. فالهروب من دنيا البشر يعني بالضرورة الابتعاد عنهم، وعن «معابدهم وعباداتهم، ومساخرهم وملاهيهم، ومصانعهم ومتاجرهم، وأحقادهم وأمجادهم».

الهروب إلى الطبيعة

فلا يجد بدا من الفرار إلى رحاب الطبيعة ليحيا «في غابة كثيفة الأشجار والأدغال» حيث يجلس «في كوخ صغير أرضه من تراب، وجدرانه وسقفه من القصب وسَعَف النخيل». بعيدا عن صخب المدينة وضوضائها، ينشد فيها حياة بسيطة هادئة تغنيه عن دنيا الناس الصاخبة. فلا شيء في الوجود أجمل من السكون: «سحر هي هذه السكينة التي تلفني، والتي تناجيني بملايين الأصوات». وهروبا من الأزقة الضيقة والشوارع المكتظة والمباني الشاهقة، التي تطبع دنيا البشر، ها هو يرتمي في أحضان الطبيعة الشاسعة، التي لا تحدها حدود، وينغمس في سحرها الذي لا تقيّده قيود: «أما السحر الأكبر، السحر الذي ما قبله ولا بعده سحر، فهو هذا الفضاء الشاسع، الرهيب، اللامتناهي، الذي يبدو فراغا وما هو بالفراغ، والذي تبدو الكواكب والشموس والمجرات المنثورة في رحابه وكأنها حفنة من حبوب الخردل والعدس والفول، وقد نثرتها في بيداء لا أول لها ولا آخر». وبعيدا عن المدينة والحضارة، ها هو اليوم يحيا في فضاء آخر، بعيداً عن دنيا العلوم والاختراعات والتقدم، الذي شعر بأنَّ له من المساوئ ما قد يغلب على منافعه.

أسرار لا تُدرك إلاَّ في الطبيعة

في غمرة الحياة السريعة المجهدة، كثيرا ما تغيب عن بال المرء ظواهر بديعة في هذا الوجود. يمرّ بها ولا يراها، وقد يشاهدها ببصره ولا يراها بوجدانه المثقل بمشاغل الحياة والحسابات. ولا يستطيع الإنسان في واقع الأمر الإحاطة بكنوز الطبيعة وأسرارها، إلا بعدما يتخلّص من أغلال المدينة المتطلبة ويرتمي في حضنها وسكونها. من هذه الظواهر الكواكب المحيطة بأرضنا ومنها القمر: «سحر هو القمر يهلّ، ثم يكتمل، ثم ينقص، ثم يمحق، ثم يعيد الكرّة شهرا بعد شهر، وعاما تلو عام، وعلى مدى آلاف آلاف الأعوام». وفي زحمة الحياة المتسارعة، من هم يا ترى هؤلاء الذين نراهم يتساءلون عن حقيقة الشمس وما مرّ وما بقي من حياتها وحجم طاقتها؟ فقد أكدت الأبحاث العلمية أنها في منتصف عمرها وأنه بعد نحو 5 مليارات سنة، سينفد وقودها وتتحول إلى حلقة متوهجة من الغاز والغبار، متناثرة بين النجوم، فتنطفئ الحياة في كوكبنا. وما زالت تحترق فلا تبخل علينا بنورها وحرارتها: «سحر هي الشمس التي تلتهب منذ ملايين السنين ولما تحترق. ومن لهيبها نور القمر، والنور في عينيك وعينيّ وفي كل عين، والحرارة في جسمك وجسمي وكل جسم جامد أو حي».
ومن أعماق الطبيعة على سطح كوكبنا سيمتد خيال هذا الإنسان قطعا إلى فضاء أبعد من الشمس وخارج حدود مجرتنا: «سحر هي الكواكب والشموس الأخرى والمجرات الدائرة في أفلاكها، والتي منها ما يبعد عنّا ملايين السنين الضوئية».

الهروب من البشر

والإنسان لا يعود بالطبيعة من شرّ المدينة وحياة المدينة السريعة المجهدة وضجتها وضوضائها فحسب، بل أيضا من شر البشر وبلائهم: «أن تفرغ من بشاعات الناس عيناك، ومن فحيح شهواتهم أذناك، وأن لا تسعى وراء أي مطمح أرضي يداك ورجلاك، أن تهرب من رأسك هموم المختبرات، ويستريح دماغك من مهاميز الأرقام والمعادلات». والهروب إلى الطبيعة يجنب الإنسان إثم الخصام والعداء والحقد مع بقية البشر: «أن لا يكون لك عدو تتقيه أو تتمنى حذفه من الوجود».

التحرر، من الزمان والمكان

ولا يتأتى الهروب الحقيقي إلى الطبيعة إلاَّ بتحرير الذات من عاملي الزمان والمكان، وليس ذلك بالأمر الهين. فمقدار حب الطبيعة والشعور بها وتقديسها يختلف من فرد إلى آخر، ولن يرتقي إلى أسمى درجات الانصهار في رحاب الطبيعة إلا ذلك الذي يملك قدرة خارقة على التخلص من قيود المدينة والتحرر منها ومما فيها من بشر وعمران ومواصلات وأخبار وأرقام وحسابات وهرج ومرج: «أن تزجل عن كتفيك أثقال المعيشة، أن تعروك غفلة عن الزمان والمكان، فلا تحس زحف الدقائق والساعات، وتفلت من قبضة الأمتار والكيلومترات».

عش كما تعيش الطيور

هكذا يصور لنا ميخائيل نعيمة في مستهل كتابه «يا ابن آدم» ظاهرة كثرة المعلومات والإجهاد والضغط في المدينة في هذا العصر في ظل وتيرة الحياة السريعة. إنه واقع جديد بات يثقل كاهل الإنسان ويجهد عقله ويكرب نفسه ويحمِّله ما لا طاقة به. وفي زحمة المعلومات المريعة وضغط الحياة السريعة، ما أجمل الفرار إلى أماكن نائية والعيش في كنف الطبيعة، وهو ما تجسده وصفة ميخائيل نعيمة لبني آدم للشفاء من ضغط المدينة، يتردد صداها عاليا هذه الأيام في ذكرى ميلاده، إذ يقول: «اترك في الحال كل عمل.. كل شيء.. واذهب إلى بلاد غير مأهولة، وعش كما تعيش الطير والحشرات. لا تقرأ أخبارا، ولا تسمع أخبارا، انس نفسك ولو لسنة».

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

أدباء المهجرمولود بن زاديميخائيل نعيمة