الرئيسية / home slide / في ذكرى غياب منصور الرحباني

في ذكرى غياب منصور الرحباني

غدا الفن معهما ضرورة حياتية لا تنفصل عن سؤال الحرية والتطور والعلوملم يعد مفهوم الفن اللبناني والعربي بشكل عام، والغنائي-الموسيقي منه بشكل خاص بعد عاصي ومنصور كما كان قبلهما ابداً. لقد غيّراه كلياً مرة واحدة والى الابد! غيّراه من شكله ومضمونه القديم البالي المقتصر على تسالي ورفاة الامراء وزعماء الإقطاع السياسي والطائفي في قصور وفيلات البكوات والاسياد وحفلاتهم من جهة اولى وبشكل الرخيص المطروق باللهو واثارة الغرائز في الملاهي والكباريهات من جهة اخرى، ليرتقيا به من الصيغتين الهابطتين مع صوت سيدتنا الاولى الفنانة العظيمة فيروز الى رسالة فنية وطنية سامية مؤنسنة بالرفعة والجدوى. يحتفل بتراثهما بثراء الاجابات المبتكرة اللامسبوق بغناها ورُقيها وقدرتها على الاجابة على أسئلة الفن وهو يجيب عن اسئلة الحياة الحرة الكريمة التي تبدأ بلماذا؟ وكيف؟ كيف نعيش قسوة وظلم الحياة ونحن نغني ونحتفل بها بجدارة وقدرة تسعيان لتأسيس وعي فني انساني جمعي يتوجّه للناس والمواطنين العاديين، خصوصاً الفقراء الطامحين منهم الى رفع حساسية تجاوبهم لمواجهة الحياة الممتلئة بكل هذا الظلم والجهل والحروب بتطوير وعيهم وقدراتهم الذاتيه للاحتفال بإنسانيتهم عبر البحث عن اقصر وأنجع الطرق لتحقيق احلامهم وتغيير واقعهم المضغوط بتحديات الحياة بأسئلتها الكبرى والاساسية. عبر مغامرة هذة الاسئلة دخل الاخوان مغامرة الاجابة عليها!

في المقدمة بقي عندهما دائماً سؤال الحرية مفتوحاً على سؤال الفن والتغيير وعيش القيم بكرامة وجدارة لامتنازلة ابداً عن الصدق والاخلاص وتوق الروح لوعي الهدف من الخلق! هذا الوعي الذي لا يمكن للفن الحقيقي الا أن يقف امامه شفافاً بثقته، بقدرة الانسان على خوض التحدي النظيف المؤسلب على واقع احلامنا وهي تتوسل بالنضال كل مفاتيح القيم الجمالية سواء كانت بالفن أو السياسة المترابطة ببعضها وطنياً واجتماعياً وطبقياً وفنياً. بهكذا وعي، فكّا اسرار هذا الارتباط بين عناصر الحياة التي نبضت بإجابات عاصي ومنصور ونشاط الانسان وإيمانه ووعيه ككائن متطور مفطور على الجمال والحق والخير بعلاقتها كلها بحقوقه ككائن إجتماعي مفكر مفطور على ابداع حريته!
اعمالهما الغنائية والموسيقية وخصوصاً تقصير زمن الاغنية وشكلها ومضمونها الموسيقي، ثم شعرهما ومسرحهما الغنائي الذي طوراه بشكل غير مسبوق فنياً وفكرياً برقي ممتلئ بنماذج مبتكرة وغير معروفة قبلهما لتربط الوعي الفني بالنضال الذي لا يساوم على الاجابة بشفافية واخلاص على دور الحرية والاخاء واللحمة الوطنية التي تحتفل بالمقاومة وطرد المحتل وازالة الظلم والاستغلال. بممارستهما الفنية لخلق هذه الاجوبة فنياً، يتوازى بإقناع مزج مرارة الواقع الذي يحيط بمجتمعاتنا المتخلفة بالاستعمار والطائفية والعمالة للأجنبي. توازت إجاباتهما كلها بوعيهما للحلول، بثقل فني استثنائي استطاع أن يبتكر ما لم يكن موجوداً قبلهما، خصوصاً من الناحيتين الفنية والموسيقية كخلقهما إجابات الكتابة البوليفونية التي تحتفل بالإضاءات على اختبارات بعينها لهما من فنون الهارمونيمودال كأسلوب كتابة موسيقية هارمونية افقية متوازية بوليفونياً بسلالم ذي انسجة موسيقية مركبة لا تقطع، فقطمع الهارموني تونال بل تعيد تشكيل نقيضة بابتكار كل ما يمكن من استحداث واستنباط وتطوير تلك الاجابات التي قدماها لتتماشى مع السلالم النغمية الميلودية التي طورا لها ايضاً موديلات تركاها تزدهر بنماذج لهما احتفظت بعضها بإنترفالات الارباع الصوتية من مقامات تناولاها عمداً لتحتفل بقدرة خلاّقة تسير هارمونياً مع غيرها، محافظةً عند الضرورة على الثلاثة ارباع الصوتية، اي ما يعرف خطأً باسم ربع الصوت كالسيكاهوالبيات والراست وغيرها. كذلك عملا بروحية هذا الاسلوب البوليفوني المعروف باسم المودال وبروح شرقية الهوى عل المقامات الاخرى التي لا تحتوي على تلك الانترفالات كالحجاز والكرد والعجم والنهوند التي تنضوي ضمن نظام الماجور والمينور محافظين فيها على روح الشرق الجديد الذي لم يكن مألوفاً قبلهما الافي حقبة الباروك! كأنهما كانا يعرفان أنّ على الشرق واهله أن يستجيبوا لتحدي الحضارة والتقدم القادم مع تعدد اصوات العصر بوجه المونوتون. غدا الفن معهما ضرورة حياتية لا تنفصل عن سؤال الحرية والتطور والعلوم بل وحتى الدين، الذي دخلاه عنوة، باحثين فيه فقط عن الدهشة والصدق في خبايا الماوراء داخل مقامات تراث الغناء الكنسي البيزنطي والسرياني والماروني والاسلامي والاندلسي برؤية محلية عصرية متطورة كانت الكنيسة والاسلام الرجعي السلفي نفسهما يقاومانها ويحاولان الإبقاء على روح التخلف الساذج المتمثل بأقدم صورة الاثنية والفولكلورية التي لا يمكن لها ابداً أن تستجيب لا لتطور العصور ولا للثورة الموسيقية الكلاسيكية الغربية التي يعرف المطلعون أنها قامت على إنجازات الحضارة العربية نفسها في الاندلس والتي تلقفت إنجازاتها الاندلسية القديمة بواسطة التروبادور واعادت تدويرها على يد باخ وغيره لاحقاً! منصور نصف عاصي وأخوه الذي رفض بكثير من النبل والآباء تقسيم تركة الاخوين وتابعها بعد رحيل عاصي بكبرياء وفروسية نادرتين وغير مسبوقين حيث بقي حتى آخر لحظة في حياته الواسعة بخصبها الفني، يقول دائماً وبصوت عال عبر كل المنابر: عاصي وأنا. لم يقل مرة واحدة غير ذلك رغم الكثير من محاولات حاقدة ومريضة لتقسيمها وتشتيت تراثهما لاهداف انانية! منصور بعد رحيل عاصي بقي ضرورة فنية استمرت بأغاني وموسيقى ومسرحيات غنائية كثيرة تصدت بحزم ونبل وآباء لمهمات الفن الراقي المتطور والنظيف، كأنه ما زال مع عاصي بلا فكاك وبلا تنازل عن الاجابة والتفتيش عن عناصر الإبهار والدهشة في الاجمل والأرقى والأثرى وبكرم طائي لا يُضاهى! بقي بذلك منصور ضرورة فنية وطنية وقومية وجمالية بعد عاصي كما كان قبله!
يكفيه فخراً انه بقي بعده شاهداً ومجيباً بكل ما يبعث على الفخر والدهشة كما يليق بالكبار وأولهم كان وما زال وسيبقى عاصي! وسيكفيهما معاً، فخراً وعزاً انهما أجابا ليس فقط عن اسئلة ومهمات زمنهما وعصرهما، بل بما زال قادراً بعد رحيلهما بكثير على الاجابة بإنجازاتهما عن اسئلة أجيال ما بعد اولادهما واحفادهما! سيبقى منصور الحي نصف الاخوين، كما عاصي نصفه الحي الآخر، وسيبقى الفشل مصير كل من يريد فصلهما ! سيبقيان بصوت السيدة فيروز أطال الله بعمرها ضرورة سيستلهمها كل مُؤدي ومُغني وموسيقي سواء كان مؤلفاً أو ملحناً أو شاعراً أو مسرحياً لبنانياً أو عربياً. سيستلهمهما الجميع اليوم وغداً بما فيهما صيغة الشعب والجيش والمقاومة كفكر اجاب عن اسئلة الماضي والحاضر والمستقبل بأجمل ما كان وما يمكن ان تكون عليه إجاباتهما الممتلئة بسعتها الثقافية وشموليتها الفنية وقدراتها الخلاقة فكرياً واحتماعياً ووطنياً، لتضيف وتغني حياتنا بالفن النظيف الاصيل القادر على التنوير واستمرار السعي للكمال. واخيراً اذا كان بعض اطياف اليسار لغاية في نفس يعقوب قد ادعى بعيوب طوباوية او مثالية ما في وطن عاصي ومنصور، فعليه اليوم اكثر من اي وقت مضى أن يسحب هذا الادعاء الأخرق ويعتذر ليس منهما فقط، بل من كل شعب عاصي ومنصور وفيروز، خصوصاً بعدما مزق هذا اليسار المزيف ورقة التوت وبانت عيوبه في الحراك وشاخ من دون أن يراكم شيئاً في السياسة سوى التراجع عن تراثه العظيم القديم والسبّاق في المقاومة بكل فروعها. وعليه أن يعترف مرة واحدة والى الأبد أنّ عاصي ومنصور هما النموذج الابرز والأصدق والاخلص للثورة والتغيير، هذا اذا لم نقل انهما كانا الثائرين الشيوعيين الأبرزين في حركة التحرر الوطني العربية الفنية عبر معظم محطاتها بدليل حاجة هذا اليسار (واليمين قبله ايضاً ) في اذاعته وصحفه وابواقه دائماً للعودة إليهما في معاركهما ضد بعضهما بما تركه الاخوان بصوت سيدتنا العظيمة فيروز من تراث ثوري شفاف وإجابات ثورية خلاّقة صادقة ولامتنازلة عن كل ما يلزم لتكون البديل والنموذج الابرزين للثورة العربية وحلمها الصادق للتغيير!