الرئيسية / home slide / في ذكرى أمين الريحاني: إلى أيِّ مدى تحقَّقَ التسامحُ في عالمنا؟

في ذكرى أمين الريحاني: إلى أيِّ مدى تحقَّقَ التسامحُ في عالمنا؟

مولود بن زادي
القدس العربي
05092021

«متى تزول الشقاقاتُ الدينية ويُداس التعصُّبُ تحت نعال المدنية؟ متى نؤلِّف جمعية التساهل، ونبني كنيسة التساهل، ونشيد مدرسة التساهل، ونؤسِّس جريدة التساهل، ونفتح محل التساهل ولوكاندة (فندق) التساهل، وتصير أعمالُنا كلّها تساهلا بتساهل؟». سؤال طرحه أوّل أديب عربي يحطّ في أمريكا، وأول عربي يكتب باللغة الإنكليزية، أمين فارس أنطون يوسف بن المطران باسيل البجاني، المعروف باسم أمين الريحاني (1876-1940)، في خطبته الشهيرة مطلع القرن العشرين. كان أحد أكبر دعاة الإصلاح الاجتماعي والتحرر الفكري، صرفَ شطرا من عمره ساعيا لمدّ الجسور بين الشرق والغربِ، داعيا إلى التساهل بين الأفراد والشعوبِ. فإلى أيِّ مدى تحقَّق التساهل في عالمنا بعد مرور أكثر من قرن على دعوته؟

انقسامات دينية وطائفية

يتساءل الريحاني عن مغزى هذا الانقسام الديني في مجتمعاتنا حتى أننا طفقنا نشير إلى الفرد باسم ملته، «ومنَ التعصب الممقوت أن نميِّز كلَّ حانوت وكل بيت تجارة وكل إدارة، أو كل جمعية بدين مخصوص، فنقول هذا التاجر ماروني وذاك الطبيب أرثوذكسي، وهذا الصحافي كاثوليكي». الأخطر أنّ الصبغة الدينية تعدَّت حدود الألقاب لتمتزج بالتجارة، «وعندنا الجرائد المارونية والجرائد الكاثوليكية والجرائد الأرثوذكسية، وعندنا المطاعم المارونية والمطاعم الأرثوذكسية والمطاعم الكاثوليكية والمطاعم البروتستانتية… وعندنا الجمعيات الخيرية المارونية والأرثوذكسية والكاثوليكية، وما ضرهم لو كانت كلها جمعية واحدة». يذكِّرني ذلك برسائل تنهال علينا من أصدقاء في زماننا، تلتمس تبرعات لمساعدة «إخواننا المحتاجين» في أوطاننا، فما يسعني إلاّ أن أتساءل لمَ خصصنا بالأخُوَّة بني جلدتنا، وبالإحسان من تبع ديانتنا؟ ثم، ألسنا نشجع على التفرقة بإنشاء جمعيات خيرية مقرونة بديانة دون أخرى؟ ألا يمكننا تأسيس جمعيات إنسانية عامة لكل البشر بعيدا عن صبغة المعتقد والملة والأصل والوطن؟ وهل أبواب الجنة تُفتَح لمن يُحسن إلى أخيه فحسب؟
الأمر يتطلب تغيير نظرتنا إلى الآخرين من حولنا والانفتاح عليهم، لكن أنَّى يكون ذلك وقد ترسَّخَت فينا أفكارٌ ثائرةٌ على غيرنا، حاقدةٌ على من يخرج عن ملتِنا ويدين بغير ديانتِنا؟ أليست المواقفُ الأحاديةُ حجرَ عثرةٍ في سبيل التساهل؟ يقول عن ذلك الريحاني: «ولربما قال بعض اللاهوتيين: كيف نتساهل مع من لا صحة لدينهم ولا حق في معتقدهم فأقول: إن التساهل مبني على التناقض والخلاف في صحة من ادعى الصحة، وبوحي من ادعى الوحي، ولو لم يكن ذلك لما تساهلت الحكومة مع الطوائف المخالفة لمذهبها».
يصوِّر لنا الريحاني واقعا عربيا تمزِّقه الصراعات الدينية بزعامة رؤساء أديان، يدعي كلٌّ منهم صحَّة دينه، ضاع صواب الشاعر في ضوضاء أقوالهم فأنشد قائلا:
في اللاذقية ضجة    ما بين أحمد والمسيح
هذا بناقوس يدق    وذا بمأذنة يصيح
كل يعظم دينه يا ليت شعري ما الصحيح.
يتساءل الريحاني في خطبته: «هل وُجِد الدين كي يتعصَّب به خدمةُ الأديان ويستأثروا بالسلطة المسلوبة، ويظلموا العباد ويضطهدوا من خالفهم في الرأي، ويحتقروا من هو أعظم منهم علما وفلسفة وعقلا؟» واليوم، لا يسعني إلاَّ أن أتساءل معه هل (خير أمة) مقام يخصُّ به الإله أمما دون أخرى؟ وإن كانت الأم الحنون لا تفرّق بين أبنائها من لحمها ودمها ولا تزدري أحدا، هل يفضِّل الرحمن بشرا على بشر، وهم جميعا من خلقه؟ وهل (خير أمة) لقب يُحَدد وفق اعتبارات دينية في أزمنة غابرة، فتتوارثه أمم على حساب أمم أخرى قد تكون أكثر علما وتطورا وانفتاحا وإنسانية وإسهاما في خدمة الحضارة والبشرية؟ أليست خير الأمم من احترمت مواعيدها، وأتقنت أعمالها، وأحيت نفوسا ببحوثها الطبية، وخدمت عالمنا باكتشافاتها العلمية، وطوَّرت حضارتنا باختراعاتها التكنولوجية؟ الريحاني ينفي أن تكون التفرقة من مشيئة الخالق: «الله لا يفضِّل أمة على أمة ولا طائفة على طائفة، الله لم يصطف له في الأرض شعبا خاصا من حيث إنه ذرية لها حق الانتماء إلى اختيار الله لها دون غيرها». والريحاني يستشهد بالكتب السماوية لتأكيد عدل الخالق: «عدل الله أرفع من أن يحصر خلاصه بذرية دون غيرها، ولذلك قال في الإنجيل الطاهر: اذهبوا وبشروا كل الأمم، أن من سار حسب الشرائع الطبيعية فعمل الخير وابتعد عن الشر، كما يرشده عقله، ولم يتوصل إلى معرفة الدين الحقيقي فإنه لا يهلك لأن الله رؤوف ورأفته لا منتهى لها».

الأيديولوجية القومية

تشترك الأديان في حبِّها إلهِها، وعدائها لكل من لم يسِرْ في سبيلها، ما آل بالبشر إلى التفرقة. يقترح الريحاني حلا لذلك ضمن الدائرة الوطنية بعيدا عن الشمولية، «ولتجمعنا الوطنية إذا فرَّقنا الدين والله لا يحب التفريق». فالأوطان كفيلة بإزالة اختلافاتنا وتوحيد صفوفنا، «لكن عجبا! الأجانب يتساهلون معنا ونحن لا نتساهل مع بعضنا، ولا نخالط بعضنا، ولا نواري اختلافاتنا عند مصلحة أمتنا، ولا نتناسى ضغائننا عند محبة وطننا ونجاحه». قال الريحاني ذلك في وقت عرفت فيه المشاعر القومية انتعاشا مع اعتقاد كثيرين – ومنهم أدباء المهجر – أن الانتماء القومي هو سبيل التماسك والترابط والوفاق، قبل أن تفنِّد ذلك نازعات طائفية في أنحاء العالم بين أبناء الوطن الواحد كالحرب الأهلية الإرلندية بين  الكاثوليك والبروتستانت، وهلاك ثلاثة آلاف، والعنف الطائفي بين الشيعة والسنة في باكستان ومقتل أربعة آلاف (1987-2007)، فضلا عن الأيديولوجية النازية والآريَّة التي روَّج لها الألمان، وأدّت إلى هلاك ست ملايين يهودي في معسكرات الإبادة – وإن كانوا مواطنين ألمانا!
ويرى الريحاني أنَّ من أسباب الانقسام خروج الدين من مكان العبادة وتدخله في حياة البشر: «أخذ الدين منَّا كلّ مأخذ فنخلطه بكل أشغالنا، ونتخذه حجة في كل أعمالنا، فالتجارة عندنا تجارة دينية والجمعيات جمعيات دينية». ويرى الريحاني أننا «نسلب من الدين القداسة، وننزع عنه الاحترام بإدخالنا إياه الدوائر المدنية من تجارية وسياسية وأدبية» فلا يرى الريحاني مكانا لهذا الدين غير أماكن العبادة، «إذ إنها شُيِّدت لهذه الغاية… فلنتناس الديانة في التجارة، ولننبذ التجارة في الاجتماعات السياسية والأدبية ولنسجد لربنا ولنمجده (إذا كان لنا ربّ غير المال) مفترقين في المعابد والكنائس فقط».
اقتراح الريحاني وجيه لكن ينقصه الإنفاذ، فالأديان لن تعود إلى أماكنها طوعا وإنما باتخاذ إجراءات وسنّ قوانين تعيدها إلى مكانها وتحدّ من نشاطها وتأثيرها.

البحث عن بدائل

اقترحَ الريحاني سبلا متعددة للتساهل من جملتها اعتناء الفرد بدينه واحترام الآخر: «فلنتساهل إذن في الدين… فليبق كل على دينه إذا دله عقله على صحته». لكن اليوم، ها هي قلوب الناس ممتلئة بالحب لخالقها، والحاقدة على الخلق من حولها، وها هو عالمنا مقسَّم إلى أديان متصارعة، يهتف كل منها بأنه أحق من غيره، وبأنّ معتقده السبيل الوحيد إلى ربه. واقترح الريحاني حلولا ضمن الدائرة القطرية، «ولتجمعنا الوطنية إذا فرَّقنا الدين والله لا يريد التفريق». لكنّ المشاعر القومية أثبتت خطورتها وفشلها في معقل داره لبنان لاحقا مع اندلاع الحرب الأهلية الطائفي (1975-1990)..
وعدم نجاح عالمنا في تحقيق تساهل قائم على الدين والوطنية والعرقية يدعونا حتما إلى البحث عن بدائل جديدة في إطار المشترك الإنساني، وضمن رؤىً أكثر شمولية وأقل إثارة للجدل والخصام على منوال لغة واحدة لكل البشر، وثقافة عالمية مشتركة لنا جميعا، وربما الاستفادة من النموذج البريطاني حيث يتعايش كل أجناس العالم في أمن وسلام. ففي العاصمة البريطانية تجتمع كل ديانات الدنيا، ولا يتجاوز الدين حدود المساجد والكنائس والمعابد. وفي لندن يجتمع المحليون والأجانب، والمتدينون وغير المتدينين في أجواء يسودها الإيمان بالقيم المشتركة والتساهل واحترام الآخر. ومن عادتنا في أحاديثنا هنا ألَّا نخوض في مسائل مثيرة للجدل كالدين والسياسة.

مولود بن زادي