الرئيسية / home slide / في “جرود” النظام السياسي اللبناني

في “جرود” النظام السياسي اللبناني

19-11-2020 | 15:00 المصدر: النهار

جهاد الزين

تصوير حسام شبارو

 الطبقة السياسية هي النظام. صعد #”حزب الكتائب” منذ الأربعينات واخترق الطبقة السياسية وأصبح متنطِّحاً لدور حامي النظام. استمر مرورا بعام 1958 كقوة احتياط فعّالة للنظام السياسي ولو لم يكن في المرحلة الأولى في الصف الأعلى منها. مع “الشهابية” التي استندت في الستينات في جملة ما استندت إليه إلى حزبين متعسكرَيْن هما حزب الكتائب الماروني والحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي صار حزب الكتائب، والحقيقة منذ الحكومة الرباعية الشهيرة عام 1958 بعد تولي الجنرال فؤاد شهاب الرئاسة، صار بيار الجميل في الصف الأول من الطبقة السياسية وعلى رأس كتلة نيابية كبيرة اعتبارا من انتخابات عام 1960 وكل الستينات والسبعينات والحرب الأهلية 1975-1990 بينما فشلت المحاولة الشهابية لاعتماد المشاغب الكاريزماتيكي ريمون إدّه لدور سلطوي دائم. ستكون هزيمة الرئيس عبد الناصر عام 1967 نقطة التحول التي ستجعل حزب الكتائب ينتقل إلى الشارع والسلاح بتنسيق متزايد مع مركز السلطة المسيحي كلما اتسع نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية على الأرض وزاد إخلال المسلمين اللبنانيين أو الشارع المسلم اللبناني بالصيغة مع المسيحيين عبر تأييدهم للمقاومة الفلسطينية ومعها يكبر حجم حزب الكتائب و”يبلع أمنيًا الدولة” التي كان “يعمل” عندها كما قال لي مرة الراحل اللواء سامي الخطيب نائب رئيس المكتب الثاني الأسبق. إلى أن جاء عام 1975 فانقضّت الكتائب على الدولة وحلّت مكان الجيش في محاولة الدفاع عن النظام بعد ما اعتبرته انقضاض المسلمين على الصيغة عام 1968 بالنتيجة لم تنجح “الكتائب” في الإبقاء لا على النظام الذي جرى تعديله في اتفاق الطائف لصالح توازن طائفي جديد ولا على الطبقة السياسية التي حلّت مكانها تدريجياً طبقة سياسية جديدة معظمها من “أمراء الحرب” بإدارة مفوّضة دوليا هي إدارة المرجعية السورية ومدعومة من قوة اقتصادية بترو دولارية ممثّلة بالراحل الرئيس رفيق الحريري. وسيؤدي الإنهاء الدولي للتفويض السوري عام 2005 إلى إعادة إدخال المحاربين المسيحيين المبعَدين إلى داخل المعادلة السياسية الحاكمة مع انضمام حزبي ميشال عون وسمير جعجع إلى سلطة أمراء الحرب، عماد الطبقة السياسية الجديدة، ولكن مع موقع ثانوي لحزب الكتائب الذي لم يستطع حتى اللحظة استعادة موقعه في الصف الأول. سيدور التاريخ اللبناني دورة عجيبة إذا نُظِر إليها من زاوية انقلاب الأدوار. فستتيح ثورة 17 تشرين 2019 تظهير دور لحزب هو “حزب الله” كان كل ما فيه يبدو تهديدا لنمط الحياة السياسية اللبنانية بل لنمط العيش اللبناني المنفتح والليبرالي اجتماعيا ليتحوّل في لحظة إفلاس أخلاقي وسياسي واقتصادي للطبقة السياسية الحاكمة، وهو دون شك من ضمنها طويلا وعضوياً، ليتحوّل إلى حامٍ للنظام بل لألد أعدائه من الذين يحترفون الصراع السياسي مع كل ارتباطاته الإقليمية. لقد فشلت 17 تشرين في التغيير رغم حداثة وديناميكية الجيل الشاب الذي فجّرها في التغيير. هذا أمر صار أكيداً مع الأسف الشديد ولكنه، من وجهة نظري التي عبّرتُ عنها مراراً خلال العام الفائت رغم أنها بدت ولا تزال متشائمة جدا، فشل سياسي في التغيير رغم أنه ترافق مع ظاهرة بشكل غير مسبوق الفضل فيها ل 17 تشرين هي أن تعيش الطبقة السياسية من مجرمي الحرب في حالة احتقار شعبي أخلاقي قلّ نظيرها في التاريخ اللبناني الحديث. بل لا نظير لها… إنه الحبل بدنس ودون ولادة لنظام جديد يوقف الانتقال الشبابي الكثيف، لا إلى الهجرة، بل كما سمعتُ على التلفزيون مؤخراً، تعبيراً موفّقاً هوالانتقال بحثا عن أوطان جديدة محترمة مخلِّفين وراءهم لا الزبالة المتراكمة على الطرقات بل الزبالة السياسية المتراكمة التي تتركها وراءها وأمامها قوى فساد تتحكّم بنا وتمارس إمكاناتها من إدارة نفوذها أو نواقص نفوذها من أموال مهرّبة علنا إلى الخارج وننتظر بلا أمل إعلان أسمائها. للتاريخ كيمياء تتفاعل من مواد متناقضة تفاعلا غير منتظَرٍ في حالات عديدة، وفي لبنان هي الكيمياء العجيبة، وسأكرر كلمة عجيبة، التي جعلت من “حزب الله”، الحزب الخارج على التركيبة والثقافة اللبنانيتين، هو الحامي الأول للطبقة السياسية، وأحيانا بالعصي التي تشبه عصي مؤيدي موسوليني في الثلاثينات الإيطالية. كانت ميليشيا حزب الله، وهي ميليشياه المباشرة أو غير المباشرة، وهي تصرخ : شيعة، شيعة، في بعض شوارع بيروت مروِّعةً للجيل المتعلم من خيرة شباب الطبقة الوسطى اللبنانية، ومنهم شيعة كثيرون بل طليعيّون، تبدو وكأنها تطلق شيفرة للغة قمعية لا تمت بصلة إلى المضمون الحزين للبكائية التراثية الشيعية، بل إلى هيجان منظّم لانعرفه سوى في النظم السياسية الشعبوية. كان كل النظام السياسي المترنِّح أخلاقيا وماليا هو الذي يهاجِم في تلك اللحظات. ولو كان هناك إنصاف للدور الحمائي للطبقة السياسية الذي مارسه “حزب الله” لكان ينبغي لجميع رؤساء الأحزاب اللبنانية الحاكمة والنافذة أن يجتمعوا لتوجيه الشكر إلى قوة حماية النظام الفاسد الفعالة. إنها حماية لا ضد جيل أعزل ( حتى لو ظن بعض هذا الجيل بسذاجة سياسية أنه يستطيع أن يجاري الطبقة السياسية في لعبة عنف خفيف من نوع رمي الحجارة أو تحطيم بعض واجهات لمصارف فاقدة المصداقية وخائنة لبديهيات دورها). إنها حماية أعقد من ذلك بكثير. لأنها وهي تهدِّد، حتى أخصامَها السياسيين، تضخ قوةً في مفاصل نظام مفكك المفاصل. فمن يستطيع أن يجمع مجلس النواب ويعيده إلى محورية اللعبة المحلية غير تلك الحماية، ومن يحمي أفضل من أولئك الذين يجعلون الحرب الأهلية الفزّاعة التي تردع أي تغيير. حتى الذين أرسلوا ميليشياتهم للمشاركة في الثورة وهم يعتقدون أنهم يحمون “عفّةً” يفترضونها وحدهم في تركيبتهم، لم يكن ممكنا لهم رغم بعض المكاسب التكتيكية أن يؤدوا الدور الذي لعبه “حزب الله” في جعل التغيير صعبا ومغامِرا بالسلم الأهلي.كانت هناك ثلاث قوى، حزب الله، التيار العوني، القوات اللبنانية، الاثنتان الأوليان لديهما سوء تفاهم ذاتي مع ثورة 17تشرين وكأن هذه الثورة تأخذ من دوريهما مباشرة، والثالثة محكومة بعقدة تنافس مسيحي مسيحي تسيطر على كل أغشية دماغ تقويمها للمسائل والأزمات. ثم جاءت “الأعجوبة” الكبرى في هذه الكيمياء. القرار الإيراني بالسماح للبنان التفاوض مع إسرائيل في لحظة فيها عدد من عصافير اليد: لحظة حاجة لبنان للدفاع عن مصالحه الغازيّة في البحر، ولحظة الانهيار الاقتصادي اللبناني الذي يهدد الطبقة السياسية واللبنانيين معا ولحظة التناغم الداهية الإيرانية مع تحولات المنطقة في العلاقات مع إسرائيل ولحظة محاولة استيعاب تكشير أنياب إسرائيلية مع عودة استشعار إسرائيل بقوتها تحول دون ضربة عسكرية في جنوب لبنان ولحظة رسالة حسن نوايا ترسلها إيران إلى الأميركين، الرئيس ترامب في البداية، ثم لن يكون الرئيس المنتخَب جو بايدن سوى موافق عليها.

‏  حتى الآن في مشهد بعد 17 تشرين وقد بدا ظاهرُهُ كأن التاريخ انقلب رأسا على عقب، يبدو “حزب كتائب” الشيعة، طالما نقارن الآن، وهو يقوم بمهمةٍ فشل فيها في السابق “حزب كتائب” الموارنة. الضد يحمي الضد ولبنان، توازن التضاد بين الحربين الأهلية الباردة و الأهلية الساخنة، يستمر في التضاد وسط تأرجح الخرائط الإقليمية. سبق لجسم غير لبناني النسيج أن نجح في استثمار النظام اللبناني فاحتمى به ولكنه لم ولا يستطيع حماية النظام هو الجسم الفتحاوي الفلسطيني و هو لم يكن معنيّاً بذلك إلا لحماية الستاستيكو أطول فترة ممكنة. حزب الله تخطّى المرحلة الستاتسكيكية ليصبح قوة دفاع ممنهج ومبرمج عن توازنات النظام الطائفي الذي ينتمي إليه عميقاً بل هو قوة تدعيم بأساسات جديدة له. حزب الله الآتي من مادة اجتماعية في النسيج اللبناني يتحوّل بعدأربعين عاماً من وفي إدارة نظام ديني إيراني غيّر التركيب السوسيولوجي لمعظم الطائفة الشيعية من مُحْتَمٍ بالنظام، أشبه دون أن يكون متطابقاً، مع تجربة حركة “فتح” إلى حامٍ للنظام ولكن بالمعنى السيء للكلمة: منع التغيير، أو المساهمة في منع التغيير نحو الأفضل، التغيير الذي يستحقه نظام فاسد وقوي جدا رغم أنه فاقد الصلاحية الدولتية، هو النظام الطائفي اللبناني وعماده الطبقة السياسية اللبنانية بقيادة حزب الله. تصوّروا المعضلة: حركة فتيّة من نخبة شبابية جامعية ظهرت في 17 تشرين تحاول تغيير نظام تعجز عن تغييره أو حتى تعديله دولٌ كبرى حتى لو كانت مؤسِّسة له كما سعت فرنسا إيمانويل ماكرون. فالنظام الذي يستطيع أن ينقسم ويتمدد ويتراجع في الجغرافيا والجيو سياسة والعمالة والتجييش الطائفي الحربْ أهلوي هو نظام صعب على التغيير مثلما هو صعب على الاستقرار مثلما هو صعب على الحكم الفاعل. وكما قال جبل شيخ الجبل لقريبه ومساعده ” أبو علي” في مسلسل “الهيبة” التلفزيوني عندما أخبره أبو علي أن شاهين ابن عمه صعد إلى الجرد ل”ينظّفه” من “الطُفّار” ويقتل ابنه علي انتقاما لقتل علي لوالد شاهين، غازي.. قال شيخ الجبل ساخراً: الجرود التي لم تستطع دول وحكومات “تنظيفها” تنتظر من شاهين أن يفعل ذلك!. لكن شاهين هذه المرة هو أميركا. وقد يدمّرالجرد على من فيه وبعده لا يعود ينفع لا تغيير ولا إصلاح. “جرود” نظامنا اللبناني تستعصي على التغيير وهي الآن بقيادة “طافر” استثنائي من مدرسة إيرانية دينية وتنظيمية سرية استثنائية في تاريخ إيران واسمه “حزب الله”.لكننا في وسط منطقة مضطربة جدا وقد كتبت الأقدارُ علينا أن نجلس متدحرجين وقلقين على منصة المراقبة الدائمة.

j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein