الرئيسية / home slide / في جذرية الاحتجاجات النسوية الإيرانية

في جذرية الاحتجاجات النسوية الإيرانية

زياد ماجد
القدس العربي
16102022

تدخل المظاهرات المناهضة للنظام في إيران أسبوعها الخامس، وتصدح فيها هتافات «الموت للدكتاتور» المعطوفة على الشعار الأثير «المرأة، الحياة، الحرّية». وإذا كان زخم هذه المظاهرات قد تراجع بعض الشيء نتيجة القمع والعمليات الأمنية التي اتّخذتها السلطات، فإن جذرية شعاراتها واتّساع نطاقها وأعمار المشاركات والمشاركين فيها وبلوغها المدارس المتوسطة والثانوية، وليس فقط المنشآت الجامعية، يُشير إلى صعوبة مهمّة ضبطها وإلى استحالة استرضائها بإجراءات إصلاحية تجميلية أو بمعاقبة بعض المسؤولين عن التوقيفات والقتل أو بالاعتذار عن «العنف غير المسؤول».
والمظاهرات هذه في ما تُعبّر عنه من غضب متراكم ومن توق للحرّية تتخطّى ما عرفته إيران تكراراً في العقدين الأخيرين من تحرّكات معارضة، اجتماعية الطابع أو معيشية أو سياسية ترتبط بخيارات أو بتزوير انتخابات أو بفضائح على صلة بتدهور الخدمات. كما أنها تتخطّى الانقسامات القائمة ثقافياً وقومياً أو تلك المتمحورة حول الطبقات الاجتماعية أو مناطق السكن الريفية والمدينية أو حتى خصائص المدن نفسها وجامعاتها وبعض أنشطتها الاقتصادية.
بهذا المعنى، تستفيد التظاهرات اليوم من مجمل التناقضات والتراكمات الكفاحية التي شهدتها وتشهدها إيران منذ فترة طويلة، لكنّها تذهب أبعد منها في وضوح شعاراتها وفي انعدام قابلية هذه الشعارات للتطويع أو للمعالجة التسووية.
فلا نحن أمام اعتراضات بالوشية أو عربية في مواجهة تمييز وتهميش، ولا نحن أمام حركة احتجاج كردية رغم هوية الضحية الأولى مهسا أميني ورغم سعة الغضب في المناطق ذات الأغلبية الكردية والعنف المستهدِف تجمّعاتها من قبل الشرطة والباسيج. والجموع لا تتحرّك لأسباب ترتبط بغلاء أسعار الوقود على ما جرى في تظاهرات الأعوام 2017 و2018 و2019، ولا هي ترفض تزوير الانتخابات الرئاسية وسرقة أصواتها كما جرى العام 2009 وما تبعها من حراك سياسي ما زال بعض قادته مسجونين أو مُغيّبين أو منفيّين. فهذه جميعها شهدتها إيران وبعضها استمرّ لأشهر طويلة. لكنها بمجملها ظلّت موضعية أو مرتبطة بحدث أو بتداعيات قرار أو نتيجة تصفية حسابات داخل «الاستابلشمنت» الحاكم ومراكز القوى والنفوذ والفساد فيه.
ما يجري هذه المرّة يختلف عن كلّ ذلك لأنه يُشهر في وجه النظام رفض إيديولوجيّته المؤسِّسة ورموزها، وليس فقط سياساتها أو قراراتها أو تزويرها لنتائج صناديق الاقتراع.
وما يجري، إذ ينطلق من إرادات النساء والفتيات في تحدّي الحجاب كتكريسٍ لسلطة النظام عليهنّ وكأداة حدّ لحرّياتهنّ باسم الدين، يُصيب الجمهورية الإسلامية في تعريفها وفي وظائفها. كما أن تحطيم تماثيل ومجسّمات للإمام الخميني مؤسّسها ولقاسم سليماني رمز سياساتها التوسعية في «الشرق الأوسط» والهتاف بالموت للدكتاتور كتكثيف للمعنى المُعطى للنظام ذاته وإحالته إلى «شخص رمزي» هو الدكتاتور المطلوب خلعه، يُعلن أن المتظاهِرات والمتظاهرين لا تفاوض يبحثون عنه ولا تراجع عن قرار يريدونه. فهُنّ وهم لا يرون في غير سقوط النظام بديلاً، ولا يحسبون أن حرّيتهم واردة أو مضمونة دون ذلك.
ويمكن لتفسير التطوّرات راهناً وأهمّية دلالاتها الركون إلى عدّة معطيات.
الأول، يرتبط بمبادرات النساء والفتيات العفوية أو المنسّقة للخروج الدوري الجماعي من المنازل والجامعات والمدارس إلى الشوارع وخلع الحجاب أو المجاهرة بالسفور في الطرقات والساحات، بما يعني «خلعاً» لما يلتصق بالجسد النسائي من رموز «الجمهورية الإسلامية» ومن آليات تظهير حضورها وقوّتها في الحيّز العام من ناحية، وفي إخضاع الأفراد النساء لطقس طاعة يفرضه ارتداء زيّ قسريَ يحقّ للرجال الأفراد أيضاً مراقبته والتدخّل والزجر للتأكّد من مدى تغطيته الشعر بأكمله من ناحية ثانية.
والمبادرات هذه إذ تستمرّ وتتصاعد تصدّع السطوة التي تُخضع الناس في إيران، وتستدعي من النظام عنفاً وملاحقة فردية وجماعية لنساء ولداعمين رجال لهنّ، بما لا طاقة لأي أجهزة على احتماله والسير به ليل نهار لفترات طويلة.
المعطى الثاني يرتبط بالديموغرافيا الإيرانية التي تراجعت معدّلات الولادات فيها منذ ثلاثة عقود، وارتفع سنّ الزواج بما قلّص بعض المسؤوليات الأُسرية الملقاة عادةً على عاتق المتزوّجات. وهذا ما سمح ويسمح لشابات (وشباب) بالخروج أكثر إلى الشوارع والمشاركة في الاحتجاجات والمسيرات المتحدّية عنف السلطات، دون خشية التبعات العائلية أو أثقال متطلّباتها اللوجستية والعاطفية.
المعطى الثالث، وهو ما يقرّب إيران إلى حالات عرفتها الثورات العربية في موجتيها العام 2011 و2019، على صلة بالجيل الجديد وانفتاحه على العالم واستخدامه الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لتبادل المعلومات والتلاقي وتخطّي الحدود المفروضة من الأنظمة، والترويج لكلّ ما يسخر من القمع والقامعين بما يُصيب هالتهم وجدّيتهم بأضرار لا ترميم لها بغير العنف المُفرط وما يعنيه من كلفة ومن مخاطر خسارة السلطة نفسها. ورغم قطع الإنترنت، إلا أن الهواتف المحمولة وخدمات شبكاتها التي يصعب إيقافها أبقت التصوير والتوثيق قائمَين، ممّا سمح بتغطية الأحداث وباستدعاء الفيديوهات المتداولة لِمظاهرات وحركات احتجاج إضافية.
المعطى الرابع، استثنائي الأهمية، إذ يرتبط بقدرة الشعارين الأكثر تداولاً «الموت للدكتاتور» و»المرأة، الحياة، الحرية» على اختراق الأقوام أو الأعراق والطبقات الاجتماعية في إيران. فهما يوحّدان جميع النساء اللواتي يردن التخلّص من قمع اللباس المفروض عليهنّ، ويوحّدان جميع من يرى في الانتفاضة النسائية منطلقاً لمواجهة ما يعدّه «النظام الدكتاتوري»، بمعزل عن الكثير من الخلفيات. وهذا المعطى لم نقف على مثيل له في السابق نظراً لخصائص ما كان يُثار في الانتفاضات الشعبية المتكرّرة.
المعطى الخامس يتأتّى من الضائقة المعيشية والبطالة والتسرّب المدرسي التي يشكو منها أكثر الإيرانيين، نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة التي تسبّبها العقوبات الدولية، ونتيجة فساد بعض السلطات وسوء إدارتها للموارد المتوفّرة وتهريبها أموالاً إلى الخارج وتخصيصها موازنات كبرى للتسلّح ولدعم السياسة الإقليمية الإيرانية على حساب التقديمات الداخلية. وتعاني النساء بشكل خاص من الضائقة المعيشية على عدّة صعدٍ صحّية وتعليمية ومهنيّة نتيجة التمييز ونتيجة انعكاس الأزمات على حياتهنّ اليومية وهوامش حريّاتهن المحدودة. ولعلّ انضمام عمّال مصافٍ نفطية ومشتغلين في قطاعات حيوية أخرى إلى التجمّعات الغاضبة سيؤجّجها إن هي استمرّت أو نجحت في تخطّي قدرة الأجهزة الأمنية والاستخبارية على محاصرتها ووأدها.
المعطى الأخير هو ذلك الذي يربط الدياسبورا الإيرانية الناشطة بالداخل. فالانتشار الإيراني واسع في العالم، لا سيما في أوروبا الغربية وأمريكا وكندا وأستراليا، وهو متنوّع سياسياً وثقافياً وتعليمياً، يساراً ويميناً، وفي أوساطه أجيال جديدة لم تعرف إيران إلا كجمهورية إسلامية ولا ترى في نظامها غير قمع للحرّيات العامة والخاصة. والدياسبورا هذه تحاول التحوّل إلى صوت للداخل أو إلى محفّز له على الاستمرار في معركته التحرّرية.
لهذه المعطيات ولغيرها، يصعب التكهّن بمستقبل الانتفاضة الإيرانية المستمرّة اليوم، وبمدى قدرة النظام على سحقها أو احتوائها، وهو الخبير في الحالين. الأكيد في المقابل، هو ترسّخ التوق النسائي لتحطيم قيود سبق لنساء إيرانيات أن انتفضن أكثر من مرّة في العقود المنصرمة للتخلّص منها ولانتزاع حقوق في التعليم والعمل وكرامة الحضور في الحيّزين الخاص والعام. والأكيد أيضاً أن في الجيل الإيراني الجديد تيارات نسوية (ولَو غير منظّمة) يناصرها شباب في معظم المناطق والمدن وداخل أكثر الفئات الاجتماعية، وهي مرشّحة للتجّذر وللاشتباك المستمر مع نظامٍ بات يرى فيها الخطر الوجودي الفعلي عليه…
*كاتب وأكاديمي لبناني

زياد ماجد