الرئيسية / أضواء على / في تفتُّت اللّغة والحَجْر وفيلمون

في تفتُّت اللّغة والحَجْر وفيلمون

فيلمون وهبي.

مؤخّرًا تمّ تداول فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، والواتساب بخاصّةٍ، لإعلانٍ متلفزِ من الستّينات، يُسوّق لملابس داخليّة من ماركة “بي.ڤي.دي.”، من غناء فيلمون وهبي.

للوهلة الأولى، نتساءل في ما لو أنّ الدعاية اللبنانيّة أقصت اللانجري عن المُشاهدين لضرورات الحياء، وبالتالي فضّل الإِعلان التسويق للرِجاليّ. فيمكن القول أنّ ساقَيْ فيلمون وهبي المكشوفتين بسِرواله الداخليّ تتناسبان بالنّسبة للجمهور مع شخصيّته الفكاهيّة. بالفعل، نحن هنا أمام فيلمون الخمسينيّ الكوميديّ، وليس أمام شابٍّ وسيمِ يَعرض عضلاته، ممّا يُقصي عن المُتفرّج أَيّ احتمال (لا)حياء.

إنّما بحثٌ وجيزٌ في تاريخ مارْكة “بي.ڤي.دي.” يَخلُص إلى صورةٍ مُغايرة.

تمَ إنشاء العلامة التجاريّة عام 1876 في أميركا نسبةً لمُؤَسّسي شركة “برادلي، ڤورهيس و داي” في مدينة نيويورك. فكانت “بي.ڤي.دي.” اختصارًا لأسمائهم، مع النقاط. وسرعان ما اقتصرت العلامة على ملابس داخليّةٍ للرجال فقط.

إذن، لم تكن هناك ثيابٌ داخليّةٌ نسائيّةٌ من “بي. ڤي.دي.”، فبات معذورًا الإعلان الغنائيّ.

أوليس الإنبعاث الإلكترونيّ لإعلانٍ لبنانيٍّ من الستّينات، مُعرِّبٍ لماركة B.V.D. من الإِنكليزيّة (مع العلم أنّ الأحرف اللاتينيّة في اللبنانيّة غالبًا ما تُلفظ كالفرنسيّة، وهو الحال في الإعلان)، وانتشاره في الأوقات المُغلَقة هذه، حيث يلجأ معظمنا إلى أشكالٍ مختلفةٍ من المنولوجات الشفهيّة والمكتوبة، من أَحد أعراض طفراتٍ في اللغة؟ ربّما التباعد الذي نختبره ليس في ما بين اللغات، بل يوجد داخل اللغة. وأنا أكتب المسودّة الأولى لهذا النصّ، لحظْتُ نفسي على غيرِ عادةٍ أتبجّح بوضع حركاتٍ على كلّ حرفٍ من أحرف الكلمات التي أدوّنها، لفَيْض الوقت الذي في مُتَناولي. فعُدتُ وخفّفتُ من التحريك كي أمحوَ آثار تشويهاتي اللغويّة: طفرٌ من فيض.

مع عبقريّة فيلمون وهبي شبه الإيمائيّة وصوته الكوميديّ المُبالَغ، نشهد أبجديّةً عربيّةً قد أعادت تجميع مُكوّناتها الأصليّة مُتلعثِمةً، بعد تفتُّتها، في واجهة ثيابٍ يقف فيها فيلمون بكيلوته المرفوع و”بروتيلَّته” البلا أكمام، وهو في بداية الإعلان يُشير مع إيقاع الموسيقى بإِصبعه يمينًا ويسارًا نحو “بي.ڤي.دي.”، ليفحص أعيننا من أيّ دُوارٍ سبّبهُ حجرنا المنزليّ، وليس كي يُشيح بنظرنا عن رجلَيه. كم هي غريبةٌ في اللغة العربيّة النقاط التي تتلو كلًّا من مُستَهلّات الأسماء، عندما تُسقَط من الأكرونيم (acronym) الأميركيّ إلى العربيّة! طبعًا في ما بعد، خاصّةً مع تسميات الجامعات أو غيرها من المؤسّسات، أو لضرورات اختصارٍ أخرى (السي ڤي curriculum vitae)، بَطُلت وظيفة النقاط من الإختصارات فتفتّتَتْ.

أستذكر هنا حديثًا للمخرج محمّد سويد، قبل بضع سنواتٍ، لدى استضافته في سينما مِتروبوليس صوفيل في الأشرفيّة، المُغلَقة الآن. في إطارِ الكلام عن الميلانْخولْيا في الأدب والسينما بشكلِ خاصّ، التي تناولها سويد في كتابه “يا فؤادي”، ونقلًا عن مدوّنات تاركوڤسكي عن الميلانخوليا في “النحت في الزمن”، أشار المخرج اللبنانيّ إلى المسلسلات العربيّة “المُختلَطة” التي كانت تُعرَض آنذاك. شخصيّات المسلسل الواحد تتكلّم اللهجات اللبنانيّة، السوريّة والمصريّة سويّةً، أحيانًا من العائلة الواحدة، وغالبًا بلا مبرّرٍ سرديّ. فهذه البنيات الهجينة، حسب سويد، ليست سوى عارضٌ لميلانخوليّتنا كشعب.

بالعودة إلى فيديو الإعلان، تتبدّل أبجد، هوّز، إِلخ مع المُدرِّس فيلمون “أبو فخاد” لتستحضر “بي.ڤي.دي” رطِنَةً، تكاد تكون أيقونوكلاستيّةً (مُناهِضةً للأيقونات)، طبعًا مع حرف الـ’ڤ’ الدخيل على اللغة العربيّة.

بي

ڤي

دي

وأمّا بالنسبة لمونولوجنا المُوحِد في المنازل، بعزلتنا الآنيّة، فلا حياء لِمن تُناجي.

اضف رد