في اليوم العالمي للإذاعة… الصوت بلا صورة سيّد الأثير

تشير “يونسكو” إلى أن مستمعي الراديو يفوقون مشاهدي التلفزيون ومستخدمي الهواتف الذكية

أمينة خيري صحافية الخميس 13 فبراير 2020
إنديبندنت عربيّة
https://www.independentarabia.com/

استفاد الراديو من الثورة الرقمية والمعلوماتية ومضى قدماً ليؤكد بقاءه (أ.ف.ب)

ربما لا تحتفل به هذه الملايين المتجهة إلى أعمالها في الصباح، وعلى الأرجح فإن الملايين الأخرى المبعثرة في حقول زراعية أو مبانٍ تحت الإنشاء أو محلات الفول والفلافل والكشري والفطائر لا تعرف أن عيده قد حان وأن يومه قد أذن، وحتى أولئك المثبتين خلف مقاود سياراتهم الفارهة أو مستقرين على المقاعد الخلفية بينما السائق يصارع وحوش الطريق، يتابعونه ويقدرون دوره ويثمنون مكانته التي تساعدهم على تهوين الطريق وتنوير العقول مع كثير من الأغنيات وقليل من الأخبار أو العكس.

ملكة الصوت

وعكس ما اعتقدت الغالبية قبل نحو ثلاثة عقود، حين بزغ عصر السموات المفتوحة وغزت الفضائيات ملايين البيوت العربية وهيمنت الصحون اللاقطة على أسطح البيوت من أفقرها إلى أغناها، فإن الإذاعة ظلت ملكة والصوت بلا صورة ظل على تفرده.

تفرد الإذاعة في دورها ضمن هوجة منصات ووسائل التواصل والاتصال في يومها العالمي 13 فبراير (شباط)، يبدو واضحاً عبر تشابك أصوات المذيعين والمذيعات والأغنيات والضيوف وموسيقى نشرات الأخبار ومواجزها وعواجلها الصادرة عن المحال التجارية والسيارات والمواصلات العامة والهواتف المحمولة القابعة في الجيوب والمثبتة على طاولات بينما أصحابها يعملون.

“الراديو” ونيس

يعمل أحمد سعيد، موظف الأمن في العمارة السكنية 12 ساعة متواصلة، وأحياناً 24 ساعة حين يعتذر زميله عن  “نوبتشيته”، ونيسه الوحيد هو “الراديو”، يستعرض إمكاناته الإذاعية بين جهاز ضخم عتيق ملثم بأكياس بلاستيكية، وآخر أحدث نسبياً ولكن مكروهاً أصاب غطاء البطارية، وثالث تطبيق يصفه بـ”العبقري” في هاتفه المحمول، ويسمع سعيد كثيراً من “القرآن الكريم” على إذاعته المعروفة باسمه، وقليلاً من الأغنيات القديمة على “نغم إف إم”، وبعض الأخبار على “الراديو 9090”.

سعيد لا يعرف أن هذا هو “اليوم الدولي للإذاعة” أو “الراديو” كما تطلق عليه الغالبية، لكنه يحتفي بها في كل يوم. 13 فبراير من كل عام على مدار السنوات التسع الماضية يشهد احتفاءات واحتفالات وتذكيرات بهذا الاختراع العظيم الذي حقَّق الكثير، ففي المؤتمر العام لليونسكو (المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة) في دورته الـ36 في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، جرى الإعلان عن هذا اليوم، فبناء على طلب من حكومة إسبانيا لإعلان يوم عالمي للإذاعة، تم بالفعل اختيار يوم 13 فبراير من كل عام عيداً لها، وهو التاريخ الذي وضعت فيه الأمم المتحدة مفهوم “إذاعة الأمم المتحدة”.

الأميرة البريطانية إليزابيث (ملكة المستقبل إليزابيث الثانية) وشقيقتها الأميرة مارغريت وهي تبعث برسالة أثناء برنامج أطفال على البي بي سي خلال الحرب العالمية الثانية، أكتوبر 1940 (أ.ف.ب)

تكنولوجيا زهيدة الثمن

شعبية الإذاعة، وكونها تكنولوجيا زهيدة الثمن لبث الأخبار، ووسيلة ملائمة للوصول إلى المتلقين، ومعقولية كلفة إنتاج العمل الإذاعي وقدرته على الوصول إلى مناطق يعاني سكانُها الأمية، أو للمناطق التي توجد فيها الأقليات اللغوية والثقافية، وكونه الوسيلة الوحيدة لإسماع أصوات النساء والشباب والفقراء، بالإضافة إلى أنها عنصر رئيس في حالات الطوارئ والإغاثة والاستغاثة، ووسيلة تواصل بين ثقافات مختلفة وتعميق مفاهيم الحوار والقبول والتسامح، جعلت من هذا اليوم، رغم حداثته، يوماً مرحباً به، مقبولاً، لا يختلف عليه أحد.

أحد أهم المعارض التوثيقية للإذاعة، سواء تاريخها أو أجهزة البث أو تطورها، كان في نيويورك قبل نحو ثلاثة أعوام، والمعرض الذي أقيم تحت عنوان “عالم الإذاعة” عرض تطور الأجهزة بدءاً بالعلبة الخشبية الضخمة، مروراً بالنماذج المتوسطة في خمسينيات القرن الماضي، ومنها إلى “الترانزيستور” متعدد الأحجام وحالياً حيث لا يُرى بالضرورة فهو تطبيق أو برنامج على الهاتف أو الكمبيوتر المحمول.

إعلان الحرب

هذا الاختراع الذي خرج منه إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا في عام 1939، والذي شهد بث عبارة “هنا القاهرة” على لسان أحمد سالم، أول مذيع مصري، وقت افتتاح الإذاعة المصرية في عام 1934، يدين بوجوده إلى الإيطالي غوليلمو ماركوني الذي اكتشف إمكانية استخدام الموجات الكهرومغناطيسية في إنتاج الإشارات الصوتية لمسافات بعيدة، وهو الاختراع الذي توقع كثيرون اندثاره في مطلع عصر الفضائيات التي قلبت الموازين وجذبت الملايين بعيداً عن أثير الإذاعة، لكن بعد مرور نحو 30 عاماً على عصر السموات المفتوحة والفضائيات الغازية، تشير إحصاءات “يونسكو” إلى أن عدد مستمعي الإذاعة في العالم يفوق عدد مشاهدي التلفزيون ومستخدمي الهواتف الذكية، وأن نصف سكان العالم تقريباً أي نحو 3.9 بليون شخص ما زالوا غير متصلين بشبكة الإنترنت، لكنهم متصلون بأثير الإذاعة.

صوت العرب

رئيس شبكة “صوت العرب”، إحدى أعرق وأقدم الشبكات الإذاعية عربياً، لمياء محمود، تقول إن “تخوفات تأثر الدور الضخم والحيوي الذي تعلبه الإذاعة بسبب مزاحمة الفضائيات لم تكن منطقية، فالتاريخ يثبت أن المنصات المختلفة للإعلام لا تلغي بعضها البعض، بل تكمل الأدوار وكل منها يتوجه إلى جمهور ما، وكثيراً ما تتشابك وتتقاطع وتجد الجمهور يعتمد على غير منصة، وستظل الإذاعة تنفرد بميزاتها التي لا تضاهيها منصة أخرى، فالإنتاج أسهل وأوفر، والوصول للمعلومة والتغطية الحية أيسر وأسرع، والإنتاج الشامل أوقع مقارنة بالتلفزيون، والتيقن من المعلومة ومصداقيتها أكثر بكثير من منصات التواصل الاجتماعي، فالإذاعة إذن تنفرد بميزات عن بقية المنصات الإعلامية”.

وتضيف “عموماً، فإن كل منصة لها جمهورها الذي كثيراً ما يتنقل من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا تبعاً للعمر والظروف والاحتياجات”.

كانت الإذاعة المصرية من أوائل الإذاعات في العالم وتتمتع بتاريخ عريق (أ.ف.ب.)

نشرات الأخبار

قارئة النشرات الإخبارية في “راديو 9090″، وفاء شهبور، تقول إن الإذاعة حققت طفرة حقيقة في المحتوى الإخباري المكثف والعميق، وفي الوقت نفسه السريع، نظراً إلى إيقاع العصر.

وتوضح “نشرة الأخبار التي تُقدم في خمس دقائق على أثير 9090 صنعت لنفسها قاعدة عريضة من المستمعين على اختلاف أنواعهم وفئاتهم واهتماماتهم، فالكل يحتاج جرعة ولو قليلة من المتابعة الخبرية”.

وتنفي مقولة إن مذيع الإذاعة أقل شعبية من زميله في التلفزيون “بفضل الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي أصبح المشاهد قادراً على البحث عن مذيعه المفضل ومتابعة صوره وأخباره وحتى طلب صداقته على (فيسبوك) أو تتبعه على (تويتر) أو (إنستغرام) وغيرها، وكثيراً ما يستوقفني البعض في الشارع ويسألني إن كنت وفاء شهبور قارئة النشرة، وهو ما يعني أن المستمع يبذل جهداً في متابعة مذيعه”.

وعلى الرغم من أن الشبكة العنكبوتية ومنصات التواصل الاجتماعي أثرت سلباً على  خيال المستمع الذي كان يرسم صورة معينة لمذيعي ومذيعات الإذاعة الذين يستمع إلى برامجهم، فإن شهبور تشير إلى أن الاستماع للمادة الإذاعية، سواء كانت برامج أو نشرات أو مسلسلات تجعل حواس الإنسان تعمل بشكل مختلف وأكثر تركيزاً مقارنة بالتلفزيون”.

كلام في الزحمة

ويتفق معها في الرأي مذيع محطة “نجوم إف إم”، مروان قدري، الذي قدّم العديد من البرامج المتنوعة من “توك شو صباحي” إلى اجتماعي إلى فني إلى نقدي ومكان عنوانه “بأمارة إيه؟!”، يقول إن “الاستماع للإذاعة يجعل المرء يبذل جهداً أكبر في المتابعة، على عكس التلفزيون، حيث إن الصورة تجعل المتابعة أسهل وأقل تركيزاً”.

ويضيف “الإذاعة أيسر في الاستخدام، إذ يمكن العمل والمذاكرة والقيادة والمشي أثناء الاستماع إليها، أما التلفزيون فيحتاج سياقاً خاصاً به للمتابعة وأبسطها مكان ثابت للجلوس ومتابعة مستمرة للشاشة”.

لكن شاشة المذياع لا تتطلب المتابعة، ولأن “مصائب قوم عند قوم فوائد”، على حد قول قدري، فإن الازدحام الشديد والأزمات المرورية المستمرة في المدن أسهمت في بزوغ نجم الإذاعة، ويقول “الجميع يستمع سواء برغبته أو من دونها للإذاعة لساعتين على الأقل يومياً، وسواء كان الشخص يقود سيارته أو في وسيلة نقل عام، فأغلب الظن أنه سيستمع إلى شيء ما يناسب ذوقه وميوله ومزاجه في تلك اللحظة”.

استجدت تقنيات عديدة أتاحت للإذاعة مساحات أكبر من الانتشار (أ.ف.ب.)

وتقول شهبور “بالطبع الإذاعة هي الأكثر انتشاراً في الشارع المصري، فسائقو الميكروباص والأجرة يحبون الاستماع للأغنيات الشعبية على (شعبي إف إم)، والشباب والمراهقون يميلون إلى المحطات التي تشبههم مثل (إنرجي) و(نايل إف إم)، والأكبر سناً يحتمون بـ(البرنامج العام) و(صوت العرب) و(الشرق الأوسط)، والباحثون عن وجبات إخبارية وسياسية خفيفة لكنها عميقة يستقرون عند (9090)، وهلم جرا، والزحام المستمر يجعل الجميع يلجأ إلى الإذاعة ومنها ما يقدم خدمة متابعة أحوال الطرق الرئيسة”.

الطريف أن البرنامج الذي يقدمه مروان قدري وزميلته يارا الجندي حالياً اسمه “كلام في الزحمة”، ويذاع في ساعات الذروة المسائية من الخامسة إلى السابعة مساءً.

تنوع الشكل والمضمون

ويتفق الجميع على أن المحتوى المقدم في الإذاعة بمحطاتها الكثيرة المتنوعة يناسب الغالبية المطلقة من الأذواق والأمزجة الموجودة، كما يتفقون على أن عنصري السياسة والرياضة من العلامات الثابتة غير القابلة للتعديل أو التغيير مهما تقدمت التقنيات الرقمية.

تقول شهبور إن الظروف السياسية في العالم العربي على مدار السنوات التسع الماضية خلقت قاعدة معتبرة من المتباعين السياسيين “صحيح أن هذه القاعدة يختلف حجمها بحسب تصاعد الأحداث أو هدوئها، لكن هذا لا يمنع من أن بلداً كمصر مر بثورتين ومئات الأحداث والحوادث على مدار السنوات التسع الماضية أصبح أهله أكثر اهتماماً ومتابعة للأحداث السياسية، سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية، وهو الاهتمام الذي يقفز إلى أعلى معدلاته مع وقوع الأحداث الجسيمة أو المهمة”.

ويقول قدري إن “السنوات التسع الماضية كانت مفصلية في توجهات المصريين الإذاعية، حيث زاد الاهتمام بالسياسة، وهو مستمر ولكن بطريقة موسمية حسبما تفرض الأحداث نفسها، أما الرياضة فهي دائمة ومستمرة، حيث التحليل وبث المباريات مع الوصف الحي والمداخلات الهاتفية مع المدربين والإداريين واللاعبين، وهذا يضمن للبرامج الرياضية نجاحاً شبه مؤكد”.

كبار الإذاعيين

لكن نجاح الإذاعة في فرض نفسها وتقوية مكانتها وتأكيد استمراريتها لا ينبع فقط من الرياضة والأحداث السياسية المشتعلة، لكنه أيضاً بناء على تاريخ عريق وجهد متصل من كبار الإذاعيين وصغارهم. تقول لمياء محمود إن شبكة إذاعات صوت العرب، رغم إنها ضمن الأقدم، فإنها لا تزال تحتفظ لنفسها بمكانة متفردة في تقديم الحدث العربي الكامل الشامل الحي من كل العواصم العربية بسرعة فائقة ومهنية يشهد لها الجميع.

وتضيف “في دقائق معدودة يكون لدينا في الاستوديو اتصالات حية مع مسؤولين ومراسلين في شتى المدن العربية لشرح وتحليل والتعليق على الأحداث الآنية”.

وتشير إلى أن “العديد من القنوات التلفزيونية لم يستفد من ميزة الصورة والحركة وحوّل الشاشة إلى استوديو يعتمد على الكلام، وربما هذا ما ساعد في تقوية شوكة الإذاعة مع تمتعها بميزات سهولة الإنتاج ويسره مقارنة بالتلفزيون”.

تحيز الـ”كار”

ويبدو هذا التحيز الواضح من أهل الإذاعة إلى “كارهم” في توصيف رئيس قطاع الإذاعة في اتحاد الإذاعة والتلفزيون السابق، عادل مصطفى، مستمعي الإذاعة بأنهم “الأكثر رغبة في الحصول على الثقافة والتوعية والمتابعة التي تحتاج قدراً أكبر من التركيز من قبل المستمع، وذلك على عكس التلفزيون الذي يقدم المعلومة سهلة ميسرة من دون مجهود من المشاهد، ويكفي أن عقل المستمع يكون في حالة عمل مستمر وتخيل لا ينقطع سواء لمتابعة كلمات المذيع، أو لتخيل الأصوات المصاحبة لتمثيلية”.

وتعاود ملازمة استعادة الإذاعة عرشها والزحمة المرورية الظهور، إذ يشير مصطفى إلى أن “كل سيارة مزودة بمذياع، سواء كانت ملاكي (خاصة) أو مواصلات عامة، ولأن المذياع يبث رياضة وديناً وسياسة وأغنيات وتحليلاً ونقاشات وقضايا اجتماعية وأخباراً، فهذا يعني أن رغبات الجميع متوافرة أينما ذهبوا، ولأن المحتوى يكون سريعاً وخفيفاً حتى لو كان يتعلق بالسياسة أو الاقتصاد أو الدين، فهو يلقى رواجاً بغض النظر عن السن والفئة والميول”.

المادة والمتلقي

لكن مصطفى يعود ويشير إلى أن “المحتوى الإذاعي ومدى جماهيريته وانتشاره يتعلق بطرفي المعادلة: المادة المقدمة والمتلقي، ومبدأ “الجمهور عاوز كده” ومن ثم التدني بالمحتوى من أجل ضمان المتابعة عمره قصيرة ولا يضمن الشعبية المستمرة، وطبيعة الإذاعة تفرض حدوداً يعرفها كل من عمل فيها من لياقة ولهجة ونبرة صوت واستخدام ألفاظ من دون غيرها، وهنا مسؤولية التخطيط الإعلامي لتكون هناك رؤية شاملة لما تقدمه الإذاعات المختلفة بغض النظر عن اختلاف المحتوى”.

ويؤمن مصطفى بأن القطاع الخاص لا يهمه كثيراً مستوى الذوق العام أو الآثار طويلة المدى لما يتم بثه “أولويته الانتشار والربح، عكس المحطات المملوكة للدولة والتي تحافظ على نسق قيمي معين سواء في مخاطبة الكبار أو الشباب”.

وعلى الرغم من تصنيف محطات إذاعية باعتبارها رصينة لا يسمعها سوى الأكبر سناً، مثل “البرنامج العام” و”صوت العرب” و”إذاعة الأغاني”، وأخرى لا يسمعها سوى الشباب مثل “نجوم إف إم” و”إنرجي” و”نايل إف إم” وغيرها، فإن منهج العمل الإذاعي في القنوات “الكبيرة” يضع الشباب نصب عينيه، وإيقاع المحتوى في القنوات الأقدم تغير كثيراً على مدار السنوات الـ20 الماضية، فالسرعة مع الاختصار وتبسيط المعلومة ومحاولة الابتعاد عن الكلام الكثير باتت سمات العديد من برامج المحطات القديمة المتجددة.

“نحن التنوع”

لمياء محمود تتحدث بفخر عن التنوع في “صوت العرب”، وهي صفة لم تنبع من فراغ، بل من الشعار الذي اتخذته “يونسكو” لاحتفال 2020 باليوم العالمي للإذاعة: “نحن الإذاعة، نحن التنوع”. وتقول إنه في كل عام يتم تجهيز ساعة أو اثنتين من المحتوى الإذاعي البرامجي العربي يتم بثها على منصة “يونسكو” الإذاعية، وهذا المحتوى يرمز ويعكس القطاعات العربية الثلاثة: شمال أفريقيا والشرق الأوسط والخليج “هذا العام تعكس المادة العربية مفهوم ومبدأ التنوع، سواء من حيث المحتوى أو القائمين على العمل الإذاعي أو الجمهور المتنوع المستهدف، ولدينا امرأة ودين وسياسة ولغة وثقافة ومجتمع وشباب وأطفال، ببساطة شديدة لدينا التنوع نفسه”.

ولأن الوجه الآخر للإذاعة هو التنوع، فإن الإذاعات الموجهة، التي لا يعلم البعض عنها لا تزال تعمل وبكل نشاط، وتم تدشين هذه الإذاعات بعد ثورة يوليو (تموز) 1952 لمخاطبة شعوب العالم، مثلما كانت تفعل محطات غربية موجهة للعرب، وبدأت هذه المحطات تتوالى بلغات مختلفة وموجهة إلى دول عدة ووصلت إلى 35 محطة تتحدث 23 لغة، منها الإسبانية والبرتغالية والأوردية والفارسية وكذلك العبرية.

إذاعيون من جنوب أفريقيا يحضرون لأحد البرامج 1963 (أ.ف.ب.)

عبري وعربي

مدير عام البرنامج العبري في شبكة الإذاعات الموجهة، أمل أباظة، تقول إن الإذاعات الموجهة وزارة خارجية مصغرة، مهمتها تصحيح أفكار مغلوطة سياسية أو دينية أو ثقافية للدول التي يوجه البث لها وبلغاتها، وتشرح أباظة قواعد سير العمل في هذه الإذاعات حيث تشمل منوعات وثقافة وفناً وسياسة وديناً بالمنظور المصري الصحيح وتصحيح المفاهيم المغلوطة أو الخاطئة والموجهة إلى هذه الدول.

وتوضح أن أغلب المذيعين العاملين فيها من الأجانب يتحدثون هذه اللغات باعتبارها اللغة الأم، وذلك باستثناء البرنامج العبري، وتقول “كل المذيعين والمذيعات في هذا البرنامج المهم من المصريين من خريجي قسم اللغة العبرية في جامعتي القاهرة وعين شمس، وهم على مستوى مهني ولغوي وثقافي ممتاز، ويخضعون لاختبارات لغة ومعلومات عامة دورية للحفاظ على هذا المستوى”.

وقد تأسس البرنامج العبري في عام 1953، وكان يديره فلسطينيون في البداية، ثم آلت إدارته إلى الإعلامي الكبير أحمد الحمري، وتقول أباظة إن الحمري ينظر إليه باعتباره المؤسس الحقيقي للبرنامج العبري، لا سيما أنه أحدث طفرة هائلة في عمل البرنامج خصوصاً إبان حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وكان الإسرائيليون يستمدون معلومات عديدة عن الحرب من البرنامج العبري المصري، لا سيما أثناء نفي القيادة السياسية الإسرائيلية وجود أسرى إسرائيليين لدى مصر، إلى أن عقد معهم الحمري لقاءات جرى بثها على البرنامج العبري الموجه لإسرائيل.

وتوضح أباظة أن البرنامج العبري حالياً والذي يبث لمدة خمس ساعات بالإضافة إلى ساعتين بالروسية والإنجليزية والفرنسية يخاطب الداخل الإسرائيلي في قضايا حيوية أبرزها وضع الفلسطينيين والممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى برامج تنقل مواقف ورؤى الإسرائيليين الرافضين للسياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية ومنها القائمين على حركات السلام الإسرائيلية والمدافعة عن حقوق الفلسطينيين.

وتضيف أن البرامج الثقافية الموجهة للإسرائيليين مهمة جداً “حيث نرد مثلاً على ما يثار من أكاذيب إسرائيلية بشأن أنهم بُناة الأهرامات وغيرها من الادعاءات والتي يدحضها علماء المصريات بأسلوب علمي، ويواكب المحتوى كل التطورات الحادثة على الساحة، مع التأكيد على الثوابت المصرية فيما يختص بحقوق الفلسطينيين”.

طيف التنوع

طيف التنوع الإذاعي لا أول له أو آخر، تتفجر الفضائيات فيبقى محافظاً على ثرائه، وتجتاح العالم الثورة الرقمية والمعلوماتية فيمضي قدماً مستفيداً منها، وتظهر محطات إذاعية عنكبوتية فيرحب بها، ويتخوف العالم من أن يقتصر الطيف على الكبار والمسنين، فإذ بالشباب والمراهقين والأطفال مستمعين دائمين ومطورين مجتهدين لتقنيات الطيف.

رسالة “يونسكو” في اليوم العالمي للإذاعة هذا العام تقول “تبقى الإذاعة قوية للاحتفال بالبشرية بكل تنوعها ومنبر الوسيلة الأكثر استخداما على الإطلاق، وهذه القدرة الفريدة على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور تعني أن الإذاعة يمكن أن تصوغ تجربة المجتمع في مجال التنوع، وأن تشكل ساحة يجري فيها رفع وتمثيل جميع الأصوات والاستماع إليها”.

وفي هذا اليوم تدعو “يونسكو” إلى دعم التنوع في قاعات التحرير والبرمجة الإذاعية مع التركيز على ثلاثة محاور، ترويج التعددية في الإذاعة من خلال المزج بين هيئات الإذاعة العامة والخاصة والمحلية، وتشجيع وجود مختلف الفئات التي تعكس التعدد في المجتمع في قاعات التحرير، وتعزيز التنوع في المحتوى ما يعكس تنوع فئات المستمعين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*