الرئيسية / مقالات / في العراق أزمة حكومة أم أزمة بين النجف وقُم؟

في العراق أزمة حكومة أم أزمة بين النجف وقُم؟

لم تغيّر إيران، استناداً الى متابعي الأوضاع في العراق وتدخلاتها فيه، موقفها الايجابي من رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، وسعت الى إفشال أي شخصية عراقية تُكلّف تأليف حكومة تنهي تصريفه للأعمال وتعيده الى البيت. نجحت في ذلك مع الرئيس المكلف الأول وكان محمد توفيق علاوي إذ اضطر بعد أشهر الى الاعتذار جرّاء ضغوطها كما جرّاء تناقض مطالب الفئات السياسية العراقية ولا سيما الشيعية منها، وتذبذب مواقف عدد من قادتها وزئبقية مواقف عدد آخر منهم من التدخل الإيراني المباشر في الشؤون الداخلية للعراق. ساهم في اعتذاره أيضاً استمرار الاحتجاجات الشعبية في شوارع العاصمة بغداد ومدن شيعية أخرى. اعتبرت طهران ذلك انتصاراً على جهتين ساندتا الاحتجاجات الشيعية المؤيَّدة من العراقيين غير الشيعة وأيّدتا مطالبتها بالاصلاح والتغيير وضرب الفساد وممارسيه، وبتوفير فرص العمل والمياه والكهرباء وبتقديم القروض لبناء مساكن، وباعتماد الديموقراطية الفعلية في حكم البلاد وفقاً للدستور وعدم الاكتفاء بالديموقراطية الشكلية. الجهة الأولى كانت أميركا التي تواجه بكل عزم وقوّة محاولات حلفاء إيران والعاملين معها من الأحزاب والسياسيين والميليشيات السياسية – العسكرية – الدينية إخراجها من العراق عسكراً ونفوذاً للاستئثار به والانفراد بحكمه بواسطة العاملين معها من شعبه وطبعاً بإشراف مباشر منها. وقد ظهر ذلك بتعطيلها الناجح حتى الآن توافق غالبية مجلس النواب على اتخاذ قرارٍ بطرد أميركا منه كما بتزكية غير مباشرة لمرشحٍ آخر لرئاسة الحكومة وتأليفها هو الزفري. وأهمية هذا الترشيح تكمن في أن صاحبه يحمل الجنسيتين العراقية والأميركية. ونجحت في ذلك إذ صار الزفري رئيساً مكلفاً رسمياً تأليف الحكومة. لكن إيران أفشلته بمساعدة جهات عراقية عدّة بعد اتهامه بـ”الأمركة” وبعدم تنازله عن جنسيته الأجنبية، رغم أن القانون ينصّ على ذلك ولكن بعد نجاحه في تأليف الحكومة وليس قبله. لم تتراجع أميركا إذ زكّت طبعاً على نحو غير مباشر مدير المخابرات الضابط العالي الرتبة محمد الكاظمي لتأليف الحكومة الجديدة. علماً أن اسمه ورد أكثر من مرة في الأشهر الماضية بديلاً من الرئيس عبد المهدي. لكنه ووجه بالرفض المسبق بوصفه “أميركي” السياسة والاتجاه. ويبدو أنها نجحت أخيراً إذ وافق متهموه بالـ”الأمركة” من طهران ومن حلفائها العراقيين على تكليفه تأليف الحكومة ورئاسته لها طبعاً. تساءل الناس ماذا تغيّر؟ لكن أحداً لم يجب. واعتبر الكثيرون ممن لا يؤيدون إيران أن موافقتها غير المباشرة طبعاً إشارة الى رغبتها الضمنية في تبريد ما للعلاقة أو اللاعلاقة المتشنجة بينها وبين أميركا في العراق والخليج كلّه، رغم تحدُّث حلفائها عن استمرارها في التصعيد وقدرتها على ممارسته رغم قتل الرمز القومي والإسلامي الأكبر فيها الحاج قاسم سليماني بقرار من ترامب. أما الجهة الثانية الداخلية التي دعمت الاحتجاجات الشعبية العراقية منذ بدايتها، ولم تتراجع عن موقفها هذا والتي شجّعت ولا تزال تشجّع على تأليف حكومة جدية غير معادية لإيران ولكن متمسّكة بالقرار الحر للعراق وشعبه وببناء دولة مستقرة وسيدة ومستقلة فعلاً فيه وغير معادية لإيران في الوقت نفسه، أما الجهة الثانية هذه فهي النجف الأشرف حيث المرجعيات الدينية الشيعية الأرفع داخل البلاد وفي العالم الشيعي. طبعاً يعرف المسؤولون الإيرانيون ذلك، ولهذا السبب لا مصلحة لهم في الاشتباك مع النجف مباشرة ولا حتى في توجيه أي اتهام مباشر له بالتصدّي لمخططاتها وسياساتها. ويعيد متابعون عراقيون جدّيون هذا الخلاف أو الاختلاف بين إيران والنجف رغم شيعيتهما، إضافة الى قضايا فقهية معيّنة والى حرص على العراق المستقل وحرية شعبه وعيشه بكرامة واستفادته الجديّة من خيراته الضخمة، الى التنافس بين مرجعية قُم الدينية الإيرانية ومرجعية النجف على التأثير الثابت والواسع في شيعة العالم. طبعاً مرجعية قُم ليست حديثة، لكن النجف بمرجعيته كان الأول تاريخياً والأكثر تأثيراً واحتراماً في شيعة العالم كله ومنهم. ولعل أحد أبرز أسباب ذلك استقلاليته وعدم دخوله طرفاً مؤثراً تستفيد دولة العراق منه لترويج سياستها بغطاء ديني أو مذهبي. وهذه ليست حال قُم ومرجعيتها أو مرجعياتها.

من يفوز في النهاية قُم أو النجف في عملية تأليف حكومة العراق الجديدة؟ يجيب المتابعون العراقيون الجديّون أنفسهم أن الجهتين ستبقيان عاجزتين في الظروف الراهنة والأوضاع المسيطرة عن تحقيق فوز حاسم. ويعني ذلك أن الرئيس المكلّف الكاظمي قد لا ينجح في تأليف حكومة، وقد يبقى مكلفاً مدة طويلة أو يُكلّف آخرٌ بدلاً منه (تشير المعلومات الأخيرة الى أن حكومته صارت جاهزة). ويعني أيضاً أن مؤيِّداً بقوة لإيران لن يحل مكانه، وإذا حلّ فإن التأليف سيكون صعباً جداً أو ربما متعذراً. لكن إيران لن تكون خاسرة كثيراً لأن الدكتور عادل عبد المهدي المستقيل وحكومته منذ أشهر سيبقيان يصرفان الأعمال أو ربما يعودان بتخريجة ما الى ممارسة العمل الحكومي رسمياً وفعلياً. في أي حال لا بد في الختام من لفت القرّاء الى حقيقة مهمة ومن دعوتهم الى التعمّق فيها لفهم أو لمحاولة فهم مغزاها، وهي أن “حزب الله” قام بدور فاعل ومهم في تذليل العقبات الكثيرة التي وضعتها إيران مباشرة أو عبر حلفائها أمام تكليف الضابط الكبير محمد الكاظمي تأليف الحكومة العراقية الجديدة. فهو متزوّج من لبنانية ويزور لبنان مرّة كل بضعة أسابيع، ويلتقي “حزب الله” وقادته. وكانت زيارته الأخيرة له قبل أسابيع قليلة (أي قبل تكليفه) وقابل خلالها أمينه العام نصرالله. ويدل ذلك في رأي المتابعين العراقيين أنفسهم وإن مبدئياً على الأقل أن رفض إيران وحلفائها وأنصارها في العراق استمرار وجود أميركا فيه، وعملهم المستمر شعبياً وسياسياً وفي مجلس النواب لإخراجها منه صار لفظياً موقتاً في انتظار نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني المقبل.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد