الرئيسية / home slide / في الشعر الجاهلي لطه حسين… والزمن النقدي!

في الشعر الجاهلي لطه حسين… والزمن النقدي!

منذ 23 ساعة

شكيب كاظم
القدس العربي
12122022

تطلق دور النشر والمطابع يوميا عشرات العنوانات من الكتب، إلا أن ما يبقى في الذاكرة منها هو القليل، إذ أن خط البدء والشروع – غالباً- واحد لدى الجميع، لكن المفاضلة تأتي، لعمق الموهبة ورصانة الكاتب واتساع ثقافته، فليس كل الكتاب على وتيرة واحدة، موهبة ورصانة وسعة إطلاع، وهذا من طبائع الحياة والأشياء، فالناس متفاوتون في كل شيء تقريباً، وإذا كانت ثمة كتب تولد ميتة لأسباب عدة منها، مواهب المنشئ وثقافته وحيوية الموضوع المبحوث، وبعده عن أذواق الناس، فإن هناك كتبا تبقى تصارع الزمن وغرباله النقدي الدقيق، الذي يسقط الكثير من الأعمال في لجة النسيان، في حين يحتفظ بالمتألق والرصين، وإذا كانت بعض المؤسسات الثقافية، قد اهتمت بإبداعات المنشئين، ومحاولة جعلها تبقى في أذهان المتلقين، من خلال إعادة نشر بعض الموضوعات الرصينة، مما سبق نشره، وهو ما فعلته مجلة «العربي» الكويتية، بإعادة نشر بعض الدراسات، التي سبق نشرها منذ ربع قرن، إذ استحدثت زاوية عنوانها (العربي من ربع قرن) فضلاً عن استحداثها سلسلة (كتاب العربي) لنشر ما سبق نشره فيها، وأمامي كتاب «القصة العربية: أجيال وآفاق» حيث أعادت نشر قصص لمحمود تيمور، وعباس محمود العقاد، والطبيب السوري عبد السلام العجيلي، وجمال الغيطاني وغيرهم، كما دأبت مجلة «الهلال» المصرية على إعادة نشر بعض المنتقيات، ففي العدد الماسي منها، الصادر لمناسبة مرور خمس وسبعين سنة على بدء صدورها (عدد شهر كانون الأول/ديسمبر سنة 1967) أعادت المجلة نشر قصائد ومقالات لعدد من المنشئين منهم: جبران خليل جبران، وخليل مطران، وإسماعيل مظهر، وأحمد لطفي السيد، ومحمد حسين هيكل، وأمين الخولي، وعبد العزيز البِشْري، وجميل صدقي الزهاوي، وغيرهم كثير.
من الكتب التي بقيت متألقة في غربال الزمن النقدي؛ كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين أستاذ الآداب العربية في كلية الآداب في الجامعة المصرية، وقد صدرت الطبعة الأولى منه عام 1344هج=1926م وطبع في مطبعة دار الكتب المصرية في القاهرة، ويقع في مئة وثلاث وثمانين صفحة في القطع المتوسط، وأهداه بعبارة رقيقة شفيفة إلى حضرة صاحب الدولة، عبد الخالق ثروة باشا هذا نصها:» كنت قبل اليوم أكتب في السياسة، وكنت أجد في ذكرك والإشادة بفضلك، راحة نفس تحب الحق، ورضا ضمير يحب الوفاء، وقد انصرفت عن السياسة وفرغت للجامعة، وإذا أنا أراك في مجلسها كما كنت أراك من قبل، قوي الروح، ذكي القلب، بعيد النظر، موفقاً في تأييد المصالح العلمية، توفيقك في تأييد المصالح السياسية. فهل تأذن لي أن أقدم إليك هذا الكتاب، مع التحية الخالصة والإجلال العظيم؟ والإهداء مؤرخ في 22 من مارس/آذار 1926.

وإذ أثيرت بشأن الكتاب ضجة واسعة من الأوساط الثقافية والدينية، فقد اضطر طه حسين إلى حذف بعض الفصول، حيث ذكر في مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب، المؤرخة في مايو/أيار 1927 ما يأتي: «هذا كتاب السنة الماضية، حذف منه فصل، وأُثْبِت مكانه فصل، وأضيفت إليه فصول، وغيّر عنوانه بعض التغيير. وأنا أرجو أن أكون قد وفقت في هذه الطبعة الثانية إلى حاجة الذين يريدون أن يدرسوا الأدب العربي عامة، والجاهلي خاصة من مناهج البحث وسبل التحقيق في الأدب وتاريخه». فقد أصدر طه حسين، في بداية سنة 1926 كتابا سماه «في الأدب الجاهلي» تعرض فيه لبعض الموضوعات الحساسة جداً، ما أثار حفيظة الكثير من الناس، وذهب الأمر ببعضهم إلى رفع شكوى، بل رفعت شكاوى إلى النيابة العامة لغرض تقديم مؤلف الكتاب إلى المحاكمة، كما أثار ثائرة العديد من الكتاب ورجال الدين، فألفوا كتبا بعينها للرد عليه.
موضوع هذا الكتاب يذكرني بكتاب (الإسلام وأصول الحكم. بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام) للشيخ علي عبد الرازق، الصادر سنة 1925، الذي أثار هو الآخر صخباً وضجيجاً، ذاكراً أن نظام الخلافة، جاءت به ظروف الحياة العامة، التي استجدت عُقيْب وفاة الرسول، ولم يكن أصلا من أصول الحكم.

كتاب «في الشعر الجاهلي» أثار ثائرة الناس، فتصدى للرد عليه عدد من الكتاب منهم: محمد فريد وجدي في كتابه «نقد كتاب في الشعر الجاهلي» وقد ذكر لنا أحد أساتذتنا، في كلية الآداب في الجامعة المستنصرية؛ قسمها المسائي، في النصف الأول من عقد السبعين من القرن العشرين، أن محمد فريد وجدي، رتب كتابه ذاك، بأن يورد صفحة من كتاب (في الشعر الجاهلي) وفي الصفحة المقابلة رد وجدي عليه! فضلا عن كتاب «نقض كتاب في الشعر الجاهلي» لمحمد الخضر حسين، وكتاب «الشهاب الراصد» لمحمد لطفي جمعة وغيرها كثير. وإذا كانت هيئة من علماء الأزهر قد تولت النظر في كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق، وأصدرت جملة من القرارات بشأنه منها تجريد عبد الرازق من شهادة العالمية التي يمنحها الأزهر للمتخرجين فيه، وقد تولى محمد عمارة تحقيق نصوص المحاكمة ومجرياتها، ودفاع المتهم، ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، بطبعتها الأولى سنة 1972، فإن قضية طه حسين، رفعت إلى النيابة العامة في مصر، وقد قرأت حيثيات القرار الصادر عن النيابة العامة ممثلة بالقاضي المثقف المتنوّر محمد نور رئيس نيابة مصر، الذي تولى تحقيق القرار والتعليق عليه الروائي المصري خيري شلبي، ونشره في كتاب عنوانه «محاكمة طه حسين» تولت نشره المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سنة 1971.

لقد دل القرار، على ما يمتاز به محمد نور من فكر نير ورأي حصيف، وأبان أنه قارئ جيد، اطلع على الكثير من المعارف والعلوم، لذلك ناقش طه حسين في آرائه التي أوردها في كتابه، فأفحمه في مواضع متعددة، بل في المواضع كلها المُتجادَل فيها، وإنه رجع في مناقشاته إلى المصادر العديدة، منها كتاب «طبقات الشعراء» لأبي عبد الله محمد بن سلام الجُمَحي (ت231 هج) إذ أورد الدكتور طه حسين، قولا مشهورا لأبي عمرو بن العلاء مفاده: «ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا». في محاولة منه للدلالة على أن الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة الدينية والعقلية لعرب الجاهلية، وإن هذا الشعر بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه، إلا أن محمد نور يصحح الذي ذكره طه حسين، من خلال رجوعه – كما قلت- إلى كتاب «طبقات الشعراء» فينص على أن ما قاله أبو عمرو بن العلاء هو: «ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا». ولا يخفى على الباحثين أن أبا عمرو بن العلاء (ت154 هج) هو أحد القراء السبعة للقرآن الكريم، إلى جانب عبد الله بن عامر الشامي (ت 118هج) وعبد الله بن كثير المكي (120 هج) وعاصم بن أبي النجود الكوفي (127 هج) وحمزة بن حبيب الزيات الكوفي (156هج) ونافع المدني (169 هج) وعلي بن حمزة الكسائي الكوفي (ت 187هج).
ولم يقف رئيس النيابة عند هذا الحد، وهو القارئ المدقق لما في بطون الكتب، وصولا إلى الحقيقة التي هي رائده، فيقول «وقد يكون للمؤلف مأرب من وراء تغيير النص، على أن الذي نريد أن نلاحظه هو أن ابن سلام، ذكر قبيل هذه الرواية في الصفحة نفسها ما يأتي وأخبرني يونس [ويبدو أنه يعني يونس بن حبيب النحوي، الذي يعد من أوائل من درس نحو العرب] قال: العرب كلهم ولد إسماعيل إلا حمير وبقايا جرهم» وللدقة فإنه يحيل من يهمه الأمر إلى الصفحة الثامنة من كتاب «طبقات الشعراء». مطبعة السعادة.
وتبلغ المحاجة ذروتها ليقول: «فواجب على المؤلف إذن وقد اعتمد صحة العبارة الأولى، أن يسلم بصحة العبارة الثانية، لأن الراوي واحد، والمروي عنه واحد، وتكون نتيجة ذلك، إنه فسر ما اعتمد عليه من أقوال أبي عمرو بن العلاء بغير ما أراده، بل فسره بعكس ما أراده ويتعين إسقاط الدليل».
ويتألق القاضي المصري محمد نور، لدى مناقشته لطه حسين في موضوع القراءات السبع الواردة في الكتاب، الأمر الذي يدل على علو كعبه في هذا العلم الدقيق، الذي لا يتأتى إلا للمتخصصين، فيرجع إلى أمات المظان والمصادر والمراجع، يورد ما جاء فيها، وآراء القراء؛ قراء القرآن الكريم، وأهل العلم في ذلك، إذ أن طه حسين يرى أن هذه القراءات، إنما قرأت بها العرب، موافقة لألسنتهم، لا كما أوحى الله إلى نبيه، مع أن المسلمين يرون أنها هكذا وردت من الله على لسان نبيه.

كاتب عراقي