الرئيسية / أضواء على / في الذكرى المئوية لميلاد الشيخ إمام: صوت الشعب الحي

في الذكرى المئوية لميلاد الشيخ إمام: صوت الشعب الحي

 

Jul 17, 2018
القدس العربي

القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: «غنيت وفي المغنى فرضي للسمرا أرضي، هيَّ اللي باقيه ع الزمن معشوقة والعشق زين … وبالإيدين المعروقين يا مناجل، أطوي ضلامي بالصباح العاجل، وانزل بشومتي ع الغراب الحاجل، ويا يبقى شغل وغُنا طول السنة، يا تبقى ثورة في البلاد ومراجل، والوعد دين». (من أغنية وهبت عمري للأمل).
لم يكن الشيخ إمام (2 يوليو/تموز 1918 ــ 7 يونيو/حزيران 1995) مجرد ظاهرة فنية أو حتى سياسية يمكن أن تنتهي بمجرد انتهاء حدث أو ظرف ما، ومن الصعب حصر الرجل في مجرد شكل من أشكال الغناء، حتى يمكن القول بأنه صوت الشعب، الذي أتاحت له الظروف أن يعلو ويسمعه الآخرون، صوت الناس العادية، التي تتحايل على الحياة ومصائبها، بالانتقاد والسخرية المريرة.
تمر هذه الأيام الذكرى المئوية لميلاد الشيخ إمام، الذي حتى الآن يُعاد استلهام تجربته من قبِل الأجيال الجديدة، بخلاف الروح الثورية التي صعد بها ومن خلالها صوت الشيخ إمام. ورغم تباين المواقف والآراء من تجربة الرجل، من كونه امتدادا لتجربة سيد درويش، وفي شكلها الأكثر حدة، وكونه مجرد منشد صاحب ألحان قديمة مكرورة، إلا أن أثر ما تركه يثبت مدى إيمان الرجل بما كان يفعله، وقدر الصدق في ما كان يغنيه، وهو الأبقى تأثيراً مهما ثار من جدل.

البدايات

ولد إمام محمد أحمد عيسى عام 1918 في قرية أبوالنمرس في محافظة الجيزة. وقضى طفولته في حفظ القرآن، على يد الشيخ عبد القادر ندا رئيس الجمعية الشرعية في أبي النمرس. وفي إحدى زياراته لحي الغورية قابل مجموعة من أهالي قريته فأقام معهم وامتهن الإنشاد وتلاوة القرآن، ثم التقى بالشيخ درويش الحريري أحد كبار علماء الموسيقى في عصره، فتولى تعليمه، ومن خلاله تعرّف إمام على زكريا أحمد والشيخ محمود صبح، واستعان به زكريا أحمد في حفظ ألحانه الجديدة، حيث كان يمل ولا يحب حفظ ألحانه، فكان إمام يحفظ ألحان زكريا لأم كلثوم، حتى أن هذه الألحان بدأت تتسرب عن طريق إمام قبل أن تغنيها (الست) مثل «أهل الهوى»، «أنا في انتظارك» و»الأولة في الغرام»، فكان فراق بينهما.

المد الثوري وهزيمة 1967

تعرّف الشيخ إمام على أحمد فؤاد نجم عام 1962، ثم انضم إليهما بعد ذلك عازف الإيقاع محمد علي، ليصبح الثلاثة هم صوت الذين لا صوت لهم، فلا ادعاء ولا حالة من السلبية المقيتة أو الجعجعة الخطابية التي صاحبت أغنيات ذلك الوقت ــ كمعظم الأغنيات الموجهة من السلطة ــ ومن هنا جاءت الأغنيات المختلفة، التي استمدت الكثير من عباراتها من كلام الناس في الشارع، خاصة بعد هزيمة يونيو/حزيران، فجاءت الأغنيات في انتقاد حاد وقاس، كأغنية «الحمد لله خبّطنا». حتى أن اليسار المصري تبنى هذه التجربة، وجعلها المعبّرة عن صوته بين الناس.
حاولت الدولة بعد ذلك أن تستوعب هذا الصوت وهذا الشاعر في البداية، خاصة وقد انتشرت أغانيهما بين العديد من جموع الطلبة والمثقفين، حتى أن الدولة سمحت بتنظيم حفل في نقابة الصحافيين وفتحت لهما أبواب الإذاعة والتلفزيون. ففي عام 1968 أحيا حفلهما في نقابة الصحافيين في القاهرة، وقدّمه محمود أمين العالم قائلاً: «هذا فنان كبير حقا، موهبة نادرة. أخشى أن يبقى بيننا هكذا، حديثاً بين أصدقاء، تعليقات في صحف، لقاء في دعوات خاصة، تستمع إليه حلقات صغيرة من الناس، ثم يأتي يوم يسألنا فيه مجتمعنا بضمير الواجب، ماذا فعلتم بألحان الشيخ إمام؟ لماذا لم تُسجلوا أغانيه؟ لماذا لم توزّع وتُقدّم للناس جميعاً؟ أخشى أن يأتي يوم نقول فيه: كان بيننا سيد درويش جديد، لكننا لم نحسن استقباله، ولم نحسن الاحتفال به».

شهر العسل

وفي العام نفسه قام رجاء النقاش بتسجيل برنامج رمضاني لإذاعة «صوت العرب» بعنوان «مع ألحان الشيخ إمام» استضاف فيه نجم وإمام في 30 حلقة، حيث وصف نجم هذه الفترة في مذكراته «الفاجومي» بأنها شهر عسل مع الحكومة. ويرى الكاتب عبده جبير في كتابه «النغم الشارد .. المعركة حول ظاهرة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وآخرين» أن نظام عبد الناصر لجأ إلى محاولة شراء المغني والشاعر، فأرسل عبد الناصر وزير إرشاده وقتها محمد فايق، إلى منزل الشيخ إمام وعرض عليه الغناء في إذاعة «صوت العرب»، حتى قد تشكك كل من إمام ونجم في ذلك العرض الذي يأتي من السلطة التي يوجهان لها النقد!

في صحة النظام

ويذكر جبير في كتابه أيضاً أن عبد الناصر أساء لإمام ونجم أكثر من السادات، فقد تم حبسهما بداية في قضية الحشيش، ثم توالى حبسهما بعد ذلك حتى حكم عليهما بالمؤبد، فمع الفشل في ضمهما لجوقة السلطة ومنشديها والمسبحين بحمدها، توالت الاتهامات والملاحقات، رغم أنهما لم ينضمّا طوال حياتهما إلى تنظيمات، أو جماعات سياسية. ويُذكر أن هناك مقالاً مطولاً يضعه جبير كوثيقة تدين عبد الناصر ورجاله، وهو عبارة عن مقال للمؤلف الموسيقي سليمان جميل، الذي نشره محمد حسنين هيكل في «الأهرام» في أواخر الستينيات، يصف إمام بأنه من (المدمنين)، وأنه يغني لجمهور الحاضر بأسلوب الماضي. ويبدو المقال كما لو كان بلاغا للسلطة التي سرعان ما ستعتقل أجهزتها المغني والشاعر، وتضعهما وراء القضبان، لكن القاضي يطلب أن يستمع إلى سبب منطقي للقبض عليهما، فيسمعه أحمد فؤاد نجم كلمات أغنية «بقرة حاحا»، فيأمر القاضي بإطلاق سراحهما! ورغم أن سنوات الحبس استمرت طوال عهد عبد الناصر، إلا أن عهد السادات لم يكن بالمختلف، خاصة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1977، فأحيا حفلاً في جامعة عين شمس وتم القبض عليهما بعدها، وحكم عليهما بالسجن لمدة عام بتهمة (سبّ الذات الرئاسية) حسب قانون العيب، الذي أطلقه كبير العائلة المصرية وقتها ــ السادات ــ وقد أطلق سراحهما بعد اغتياله. وإن أصاب الخفوت صوت إمام بعض الشيء، إلا أنه تم استحضاره وبقوة أكثر مما كان في ثورة يناير/كانون الثاني 2011، هذا الصوت الذي فاض به ميدان التحرير، خاصة من خلال أغنية «شيّد قصورك» التي للأسف تصلح لوصف حال أي حاكم عربي حتى اليوم، والتي كتبها نجم في سجن القناطر، قبل سنوات طوال من الثورة، «شيّد قصورك ع المزارع، من كدّنا وعمل إيدينا، والخمارات جنب المصانع والسجن مطرح الجنينة، واطلق كلابك في الشوارع، واقفل زنازينك علينا، وقِل نومنا في المضاجع، آدي احنا نمنا ما اشتهينا، واتقل علينا بالمواجع، إحنا انوجعنا واكتفينا، وعرفنا مين سبب جراحنا، وعرفنا روحنا والتقينا، عمال وفلاحين وطلبة، دقة ساعتنا وابتدينا نسلك طريق مالهوش راجع والنصر قرّب من عينينا».

روح الخلود

لم يقف إمام عند غناء كلمات نجم فقط، بل غنى لنحو 35 شاعرا، منهم، بيرم التونسي، عبد الله البردوني، سميح القاسم، توفيق زياد، تيسير الخطيب، فدوى طوقان، آدم فتحي، فؤاد حداد، نجيب سرور، سيد حجاب، أحمد فؤاد قاعود، زين العابدين فؤاد، ونجيب شهاب الدين. وفي الأخير وبدون عقد مقارنات بين كلمات وجدت صوتها أو صوت وجد كلماته، تبدو تجربة الشيخ إمام حالة خاصة، صعبة التكرار، لرجل لم يؤمن إلا بهذا الشعب وروحه المناضلة، التي تستحق الخلود، مهما صار حاله، وظن الكثيرون أنه في عداد الموتى، لكنه حقيقة حي لا يموت،»دار الفلك في مغزلك طول السنين ما أمهلك، يا ناسج الروح في الحياة، الحب لك والخلد لك، أنت الأزل وأنت الأبد، والهالك اللي يجهلك … مليون يهوذا خان أمانك وانهلك، وفضلت باقي ع السواقي ومنجلك يفرش حصير القمح فوق دم المسيح، وانت الجريح، تيجي الأطبّا وتسألك .. ما أعجبك، ما أنجبك، ما أحملك، ما أنبلك .. يا شعب يا روح الخلود، الحكم لك، والملك لك .. الحكم لك والملك لك». (من أغنية دعاء الكروان).

اضف رد