في الخطاب احتفال بلبنان الكبير وفي الممارسة تقزيم للبنان الصغير

أرجو ألا يؤخذ كلامي في معرض الدفاع عن موقف فخامة الرئيس عون، فلديه العدد الوافر من المتبرعين للدفاع عنه ظالمًا كان أم مظلومًا، ولكن استوقفتني كمواطن لبناني وكمراقب للتطورات، ردات الفعل اللبنانية على موقف فخامته، إضافة إلى ردة الفعل التركية عليه، لأستخلص التالي:

أولاً: أمانة للتاريخ، أنا المسيحي الماروني اللبناني من المقتنعين بأنّ الانتشار المسيحي في لبنان توسّع وتفاعل زمن السلطنة العثمانية على مساحة الوطن اللبناني، وأنّ الأمة المارونية نضجت وتفاعلت معها، وخلالها انعقد المجمع الماروني الأول وأقرّ المساواة بين الرجل والمرأة وإلزامية التعليم للاثنين معًا قبل بزوغ فجر الثورة الفرنسية في أوروبا والتبشير بفلسفة حقوق الانسان والمساواة بين البشر.

أما المجازر التي لحقت بالمسيحيين في القرن التاسع عشر وما تلاها من تعليق مشانق وحرب المجاعة التي مورست على أبناء الجبل وبيروت خلال الحرب العالمية الأولى، فحصلت بعدما تحوّلت السلطنة إلى الرجل المريض وبدأت أوروبا تعمل على تفكيكها تمهيدًا للانقضاض عليها، إلى أن سقطت السلطنة نهائيًا يوم اضطر السلطان عبد الحميد الى أن يهرّب بناته سنة ١٩٠٨ إلى الجبل الماروني بحماية بطريرك الطائفة، وكانت قد تسلمت السلطة الفعلية في بلاده جمعيات مثل تركيا الفتاة وغيرها من الحركات التي رعتها منظمات وحركات عالمية مشبوهة كانت قد أبصرت النور وبدأت بالصعود.

ثانيًا: أتعجب كيف لا يفصل الأتراك بين الدولة التركية الحديثة وزمن السلطنة. هل تتحسس دولة إيطاليا مثلاً اذا قلنا إنّ الامبراطورية الرومانية زمن نيرون كانت ظالمة في حقبة من تاريخها الاستعماري؟

ثالثًا: لاحظت ونحن على أبواب الذكرى المئوية الأولى للبنان الكبير انتفاضة غرائزية انفجرت عند فئة واسعة من إخواننا في الوطن، ترافقت مع شعور داخلي مضطرب لديهم ومتعاطف مع رد الفعل التركي في مواجهة موقف فخامة الرئيس، الى درجة تساءلت بيني وبين نفسي ماذا فعلنا خلال المئة سنة من عمر لبنان الكبير؟ وأي جريمة اقترفنا بحق الانسان عندنا كي نرجع إلى هذا المستوى من الانحدار الوطني والازدواجية الواضحة في الولاء والانتماء؟ ومَن المسؤول؟

رابعًا: أتساءل لماذا في لبنان فقط هناك ازدواجية انتماء وإشراك في الولاء الوطني، الشيء الذي لا وجود له في أي بلد عربي آخر؟ لنأخذ الكويت مثلاً، يوم احتلها صدام حسين لم يجد هذا الأخير مواطناً كويتياً واحداً يتعاطف ويتعاون معه، بينما في لبنان أكثر من نصف الشعب اللبناني يتعاطف ويتآمر مع الغزاة والمتطاولين على سيادة وكرامة وطنه، وتاريخ لبنان الحديث يشهد على ذلك ولا يشرّف شعبه.

إذا كان الجواب لأنّ السلطة في لبنان شراكة بين عدة طوائف والانتماء الطائفي أقوى من الانتماء الوطني، فهذا يعني استحالة تأسيس دولة ووطن ترعاهما شراكة متنوّعة ومتوازنة طائفيا، فلنعلن فشل التجربة ولنفك الشراكة توافقيًا لنربح ما تبقى من الوطن ونحصن الكيان ونكون صادقين مع أنفسنا على الأقل.

لذلك أتسامح وأستخلص معكم أنّ شعبًا يتجاهل تاريخه ويتناساه، ولا يحترم شعور وآلام ورفات أجداده، هو شعب لا تليق به الحياة. من هنا علينا أن نستعيد ذكرى شهداء ٦ أيار ونكرسّها عيدًا وطنيًا جامعًا نستمدّ منه عظمة المناعة والقوة والتضحية في سبيل قضية جامعة، كي نستحقّ معًا شرف الانتماء إلى وطن والادعاء أننا أبناء لبنان.

إخواني المواطنين، آمل أن تتقبلوا صراحتي، فأنا لا يمكن إلا أن أُعَبّر بصدق عن هواجسي، فلا يكفي أن نقول لبنان أولاً، بل المطلوب أن نلتزم وندافع في كلّ الظروف والأوقات عن لبنان أولاً وأخيرًا، وألا يكون بعده ثان من مشارق الارض إلى مغاربها، وعذرًا.

وزير سابق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*