الرئيسية / home slide /
في التفجيرات والمؤامرات والمناورات


في التفجيرات والمؤامرات والمناورات

جلبير الأشقر
القدس العربي
23112022

بين الشفافية السياسية و«نظرية المؤامرة» تقع المؤامرات الحقيقية التي شهد التاريخ منها ما لا يمكن إحصاؤه. والحقيقة أن «نظرية المؤامرة» تولّدها كثرة المؤامرات الحقيقية التي تجعل بعض الناس ينزعون إلى الظنّ أن كل ما يجري في السياسة من صنع التآمر أو يكاد. هذا ما يفسّر انتشار «نظرية المؤامرة» في منطقتنا بوجه خاص، إذ دخلت القرن العشرين سياسياً في أعقاب اتفاقية سرّية بين البريطانيين والفرنسيين على تقاسم «الشرق الأدنى» على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، التي شكّلت إحدى أعظم غنائم الحرب العالمية الأولى. وقد حفلت منطقتنا بشتّى أنواع المؤامرات، إذ كانت طوال القرن المنصرم مسرحاً لصراعات متعددة فاقمها تركّز الثروة النفطية في قسم منها. وقد شهدت المنطقة عدداً قياسياً من الانقلابات العسكرية التي هي بطبيعتها ثمرات تآمر بين منفّذيها.
ومما يسّر أيضاً المؤامرات أن الاستبداد السياسي ولّد لدينا «الإرهاب»، وهي تسمية أطلقتها الأنظمة تارةً على المقاومة المسلّحة المشروعة (على غرار تسمية الدولة الصهيونية للمقاومتين الفلسطينية واللبنانية) وتارةً أخرى على الإرهاب الحقيقي الذي يستهدف المدنيين. وبما أن هذه الأعمال المسلّحة غالباً ما تكون محاطة بالسرّ، يكتنف بعضَها الغموض على منوال العمليات التي تكاثرت في العراق خلال السنوات العشرين الماضية، أي منذ بداية الاحتلال الأمريكي في عام 2003. وقد جرت العادة لدى أجهزة المخابرات على أن تنفّذ هي ذاتها أعمال تفجير تنسبها إلى أحد الأطراف الإرهابية لتبرّر بعض السياسات الاستثنائية.
وهي عادة تميّز الأنظمة القائمة أصلاً على حكم المخابرات بوجه خاص، وقد كثُرت في منطقتنا منذ منتصف القرن المنصرم. وطبعاً ليست مثل تلك الأنظمة محصورة بربوعنا، بل إن أعظمها شأناً في عالمنا الراهن النظام القائم في روسيا منذ بداية هذا القرن والذي يرأسه رجلٌ، هو فلاديمير بوتين، كان عميلاً لدى المخابرات السوفييتية، ثم ترأس خلفها الروسي وقد أتى إلى الحكم بصحبة من يسمّونهم في روسيا «سيلوفيكي»، أي زمرة رجال المخابرات وسائر الأجهزة الأمنية المتسلّطة على الحكم. ومن المعروف أن بوتين الذي سلّمه الرئاسة بوريس يلتسين المدمن على الكحول، فرضه في الحقيقة «جهاز الأمن الفيدرالي»، أي جهاز المخابرات، بعد أن فرض على يلتسين أولاً تعيين بوتين على رأس الجهاز نفسه، وكل هذا ثمناً للعفو عمّا ارتكبه يلتسين وعائلته من أعمال فاسدة تستوجب سجنهم.

أسئلة مشروعة لن ندرك الجواب الحقيقي عنها سوى ربّما بعد زمن طويل، وهي تنضاف إلى سلسلة الأمور المشبوهة التي حفل بها تاريخ منطقتنا وهي لا تزال بعيدة جداً عن الديمقراطية والشفافية السياسية

ومن المعروف أيضاً أن بوتين لم يكن له أي رصيد شعبي عند تولّيه رئاسة الوزراء قبل تسليمه رئاسة الجمهورية، وقد تبدّلت الحالة بعد التفجيرات التي طالت مدنيين في موسكو ومدينتين أخريين في خريف عام 1999. فقد نسبتها الأجهزة الأمنية إلى الشيشان بما برّر إشراف بوتين على حرب جديدة طاحنة ضد بلاد الشيشان، شكّلت مصدر الشعبية التي خوّلته تكريس رئاسته بانتخابات أجريت بعد أربعة أشهر من تعيين يلتسين له رئيساً بالنيابة عنه. ويغلب بين المراقبين والمؤرخين الاعتقاد أن التفجيرات التي نُسبت إلى الشيشان كانت في الحقيقة من صنع المخابرات الروسية ذاتها.
ونحن اليوم أمام حالة أخرى، بعد حالات كثيرة، من تفجيرات تثير تساؤلات مشروعة حول حقيقة منفّذيها أو من يقف وراءهم. والمقصود هنا التفجير الذي وقع في شارع الاستقلال في إسطنبول قبل عشرة أيام والذي أسرعت السلطات التركية إلى نسبه إلى الحركة الكُردية التي تتمحور حول «حزب العمال الكُردستاني»، مؤكدة على أن امرأة تنتسب إلى «حزب الاتحاد الديمقراطي» الحاكم في منطقة الشمال الشرقي السوري والمعروف بارتباطه بالحزب آنف الذكر هي التي قامت بتنفيذها. أما الذي يثير تساؤلاً مشروعاً إزاء هذه الحادثة، فليس نفي الحركة الكُردية ما نُسب إليها، بل وإدانتها للتفجير، إذ إن حالات نفي المسؤولية عن أعمال إرهابية من طرف مرتكبيها كثيرة، وقد ارتكب «حزب العمال» أعمالاً إرهابية عديدة في حربه المزمنة مع السلطات التركية. ليس ذاك النفي ما يثير التساؤل إذاً، بل توقيت التفجير وإسراع الحكم التركي إلى استغلاله تبريراً لشنّ غارات جوّية على مناطق الانتشار الكُردي في العراق وسوريا، مع وعيدها باجتياح وشيك لتلك المناطق.
فما هو الذي يثير الشكوك في توقيت التفجيرات؟ من المعروف أنها حصلت في ظرف عام يتميّز منذ أشهر عديدة بهبوط مستمرّ في شعبية رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم على خلفية أزمة اقتصادية متفاقمة، تقع مسؤوليتها بصورة رئيسية على تشبّث أردوغان بانتهاج سياسة اقتصادية تتنافى مع بديهيات علم الاقتصاد. وقد أدّت هذه الحالة بصورة طبيعية إلى انزلاق مستمر في شعبية الحكم في استطلاعات الرأي العام، بما حداه على إيجاد مخارج سياسية تصرف الأنظار عن الحالة الاقتصادية. وفي هذا الإطار رأى أردوغان أن يدغدغ مشاعر قاعدته الانتخابية التقليدية بإجراء تعديل في الدستور يُدخل فيه أمرين لا علاقة بينهما، أحدهما حرّية ارتداء الحجاب (التي لا وجود لما يهدّدها في تركيا الراهنة على الإطلاق) وثانيهما نفي حقوق المثليين والمثليات. والقصد الشفّاف من هذا المشروع إحراج «حزب الشعب الجمهوري»، الحزب المعارض الرئيسي، الذي أدانه بوصفه مناورة رخيصة ترمي إلى إلهاء الناس، ورفضه بالتالي.
وبما أن تعديل الدستور يستوجب المرور عبر البرلمان بأكثرية تفوق الأكثرية البسيطة، ولا يحوز التحالف الحاكم القائم بين «حزب العدالة والتنمية»، الذي يتزعمه أردوغان، و«حزب الحركة القومية»، اليميني المتطرّف والقومي التركي المتعصّب، لا يحوزان على الأكثرية المطلوبة، أخذ الحزب الأول يتفاوض مع «حزب الشعوب الديمقراطي» المعارض والمتعاطف مع الحركة الكُردية. والحال أن الحكم التركي كان قد زجّ بزعيم هذا الحزب الأخير، صلاح الدين دميرطاش، في السجن بطريقة أدانتها منظمات حقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على أنها انتهاك سافر للديمقراطية. أما والغاية من التفاوض على ما بدا، فهي الحصول على تأييد «حزب الشعوب» للتعديل الدستوري لقاء ما لم يُفصح عنه، لكنّ المرجّح هو أن يكون الإفراج عن زعيمه.
وقد حصل اجتماع في ثاني أيام الشهر الجاري بين وفد من «حزب العدالة والتنمية»، يترأسه وزير العدل، ووفد من «حزب الشعوب الديمقراطي»، وقد فاجأ الاجتماع جميع المراقبين. فظنّ الناس أن حليف الحزب الحاكم سيحتجّ على إجراء الاجتماع بما أنه متعصّبٌ ضد الحركة الكُردية، غير أن دولت بهجلي، زعيم «حزب الحركة القومية»، ضاعف المفاجأة بإعلانه أمام البرلمان، بعد الاجتماع المذكور بأيام، أنه يؤيد التفاوض مع «حزب الشعوب» من أجل الاتفاق على التعديل الدستوري.
فيا تُرى، ما هي مصلحة الحركة الكُردية في تنفيذ تفجير في وسط إسطنبول في هذا الظرف بالذات؟ وكيف لا يأتي في البال أن المدبّرين الحقيقيين للتفجير قد يكونون من الذين لا يرضون عن العودة إلى نهج تفاوضي مع الحركة الكُردية، مثلما كان جارياً خلال سنوات عديدة بعد تولّي «حزب العدالة والتنمية» للسلطة، قبل تراجعه الانتخابي الأول في عام 2015 الذي عوّض عنه بالتحالف مع الحركة القومية التركية والانقلاب على الحركة القومية الكُردية وإعادة إشعال جبهات الحرب معها؟ إنها أسئلة مشروعة لن ندرك الجواب الحقيقي عنها سوى ربّما بعد زمن طويل، وهي تنضاف إلى سلسلة الأمور المشبوهة التي حفل بها تاريخ منطقتنا وهي لا تزال بعيدة جداً عن الديمقراطية والشفافية السياسية.

كاتب وأكاديمي من لبنان