في البحث عن كنيسة إسلامية: وليمة بملاعق طويلة

 

محمد سامي الكيال
القدس العربي
07122018

 تؤكد المقولة الغربية الشهيرة إن «من يأكل مع الشيطان عليه أن يأتي بملاعق طويلة»، بمعنى أن من يضطر للتعامل مع طرف مريب أو مؤذ عليه أن يكون شديد الحذر، ويتجنب قدر الإمكان الاقتراب غير اللازم منه. ممن استعملوا هذه الحكمة في السنوات الأخيرة الباحث الفرنسي جيل كيبيل، المختص بدراسة الجماعات الإسلامية المعاصرة، لدى حديثه عن أسلوب التعامل الأنكلوساكسوني مع الإسلاميين، فأجهزة الحكومة والاستخبارات البريطانية، بحسبه، نسيت أن تحضر ملاعقها الطويلة، في تواصلها الممتد والحميم مع الجهات الإسلاموية منذ الثمانينيات، وهي الآن تدفع الثمن.

كيبيل، الذي يُعد، مع مواطنه أولفييه روا، من أهم دارسي الإسلام السياسي على المستوى العالمي، بعيدا عن شيطنة موضوع دراساته، وقادر على التزام الحد الأدنى من الموضوعية في فهم دوافع وأيديولوجيا وأساليب عمل الإسلاميين، ولكن ما يعنيه هو نقد مفاهيم معينة، ترسخت في العقود الماضية في التعامل مع «الإسلام»، على رأسها ضرورة التفاهم مع أكثر الجمعيات الإسلامية تزمتاً وتقليدية، لتلافي خطر «التطرف»، ومن جهة أخرى «احتواء» المتطرفين لاتقاء شرورهم، واستغلالهم سياسياً في أحيان كثيرة، وتجنب استفزازهم. ما يؤدي إلى تغليب نسخة من «الإسلام المعتدل»، يمكن للدول، في الشرق والغرب، التفاهم معها. ما يجمع كل هذه المفاهيم عن «الاعتدال»، أو حتى «الإسلام الأوروبي»، هي أنها تعتمد مسبقاً على فكرة معينة عن دور الدولة في التعامل مع الشأن الديني، تقوم على أساس إيجاد شركاء معتمدين، يكوّنون مؤسسات «شرعية» تتعامل مع السلطات، وتضمن بقاء النشاط الديني ضمن الأطر القانونية، وتحت الحاكمية العامة لجهاز الدولة. باختصار، يتطلب إنتاج «الإسلام المعتدل» وجود ما يشبه «كنيسة إسلامية»، تقرّ العقائد والممارسات المرخص لها، وتضمن الالتزام بها. فما هي حقاً فرص نجاح البحث عن الكنيسة الإسلامية؟

استطاع الإسلام الشيعي، لأسباب تاريخية وعقائدية يطول شرحها، إيجاد مرجعيات دينية ملزمة ومترسخة، وهو ما لم يتوفر بالشكل نفسه في الإسلام السني، الذي لم يعرف وجوداً فعلياً لطبقة إكيليروس يمكن الاعتداد بها.

النزعة الأزهرية

استطاع الإسلام الشيعي، لأسباب تاريخية وعقائدية يطول شرحها، إيجاد مرجعيات دينية ملزمة ومترسخة، وهو ما لم يتوفر بالشكل نفسه في الإسلام السني، الذي لم يعرف وجوداً فعلياً لطبقة إكيليروس يمكن الاعتداد بها، رغم امتلاكه فئات محترفة من رجال الدين في كل مكان. يمكن لأي شاب متحمس أن يعارض ويهاجم، بل أن يكفّر، أكبر المعممين السنة مكانة وخبرة، بدون أن يخرجه ذلك من «صحيح الدين»، فازدراء «فقهاء السلاطين» مترسخ في التراث الإسلامي. هذا الوضع أورث «الإسلام» سيولة أيديولوجية واضحة، وعدم قابلية نسبية للضبط والتأطير، وهو ما لاحظه كيبيل لدى دراسته «الجيل الثالث من الجهاديين»، الذين اعتمدوا على تنظيرات أبو مصعب السوري، وهو شخص لا حيثية دينية رسمية تذكر له. أطروحة «أسلمة الراديكالية» لأولفييه روا لا تستقيم بدورها إلا بالاعتراف بهذه السيولة، فدونها لم يكن من الممكن للإسلام أن يصبح الحامل الأيديولوجي الأبرز للراديكالية المعاصرة، كما يعتقد روا. إنه وضع معارض جذرياً للنزعة الكنسية، وكل اتجاهات الحوكمة التي تتبناها الدولة الحديثة.
رغم ذلك توجد جهات دينية سنية تم التعويل عليها على الدوام، داخليا وخارجياً، لملء «الفراغ» الكنسي في الإسلام، ولعل مؤسسة الأزهر المصرية هي أكثر هذه الجهات شهرة. اليوم تسعى الكثير من الأطراف لإسباغ الصفة الكنسية على الأزهر، وجعله ضامناً لـ«الإسلام المعتدل»، ابتداءً ببعض النخب الوطنية، مروراً بعدد من الحكومات الغربية، وصولاً حتى لليمين المتطرف الأوروبي، ولعل زيارة زعيمة «الجبهة الوطنية» الفرنسية مارين لوبان لشيخ الأزهر هي أكثر الأمثلة طرافة عن ذلك. إلا أن المعادلات السياسية و«المؤسساتية» في الدول العربية أكثر تعقيداً مما قد تظن تلك الأطراف، فرغم أن الدولة المصرية سعت تاريخياً لـ«ضبط» الأزهر، واستخدامه سنداً دينياً لسلطتها السياسية، إلا أنه لم توجد حكومة مصرية ترغب بوجود سلطة دينية شبه مستقلة توازي تسلطها الشامل، لأن تحطيم أي مرتكز لتعددية الجهات الفاعلة في المجتمع والسياسة أمر أساسي في «نظرية السلطة» التي تتبناها أنظمة الحكم العربية. أن يبقى الأزهر شكلاً مؤسساتياً مفرغاً من الفعالية، حاله حال الأحزاب السياسية والنقابات وجهات إنتاج الثقافة، هو مصلحة أساسية لسياسات الحكام المتعاقبين.
من جهة أخرى لا يمكن اختزال الأزهر بكونه مؤسسة لـ«فقهاء السلطان»، فقد عمل القائمون عليه دوماً لتحسين مكانتهم، وتحقيق استقلالية نسبية لأنفسهم في معادلات الحكم. ودخلوا في كثير من ألعاب السلطة مع جهات في جهاز الدولة وتنظيمات الإسلام السياسي. ورغم «السيولة الإسلامية» نجح هؤلاء في تشكيل جانب كبير من التصور العام لـ«الإسلام» في مخيلة المسلمين المعاصرين، وذلك بطرق «صلبة»، مثل المناهج التعليمة، والبرامج والمسلسلات الدينية، وشبكة المساجد الواسعة التي يشرفون عليها، فضلاً عن إسهامهم في تكوين رجال الدين المؤهلين على امتداد العالم الإسلامي. لا يوجد تصور إسلامي سني معاصر، سواء كان متطرفا أو معتدلا أو إصلاحا، متعلق بالعقائد أو العبادات أو حتى «الرموز التاريخية»، إلا وله أصول أزهرية ما. دون أن يتمكن الأزهر أو يسعى لفرض نفسه بوصفه «فاتيكان» المسلمين، أو لضبط كل النزعات والاتجاهات الإسلامية، فهو خارج وداخل كل قول إسلامي ممكن. هذه «النزعة الأزهرية» هي تجسيد مهم لتعقيد ظواهر الإسلام المعاصر، ولعدم تطابقها مع التصورات المؤسساتية والوظيفية التقليدية. يمكن القول إن للأزهر، وما يشبهه من المؤسسات الدينية «الرسمية»، معالقه الطويلة أيضاً، التي لا ينساها أبداً لدى حضوره ولائم السلطة.

إصرار السلطات الغربية، في خطابها المعلن، على التعامل مع الإسلام بالمنطق نفسه الذي تعامل به الكنائس الرسمية، وهو منطقٌ نشأ نتيجة تعقيدات تاريخية طويلة، خاصة بالسياق الأوروبي.

الإسلام جزء من أوروبا؟

لعل ما يعرف بـ«مؤتمر الإسلام»، الذي يعقد بشكل دوري بإشراف وزارة الداخلية الألمانية، هو أهم مثال لمحاولة تأسيس «كنيسة»، يمكن للدولة أن تعتمدها رسمياً لتنظيم الشؤون الدينية الإسلامية. الأمر ليس مجرد محاولة لـ«تدجين الإسلام» كما يظن البعض، بل هو مشكلة دستورية وقانونية تواجهها السلطات الألمانية، فلكي يتم الاعتراف بالإسلام ديناً «رسمياً» كالمسيحية في البلاد، لا بد من وجود شريك معتمد يستلم وضع المناهج الدينية، ويعيّن المرشدين الدينيين في الجيش والسجون ودور الرعاية، ويتلقى الإعانات الحكومية الرسمية. وهو أمر غير متيسر، فالجمعيات الإسلامية الألمانية لا حيثية تمثيلة لها، و«المسلمون»، على اختلاف أيديولوجياتهم وأعراقهم وطوائفهم، لا يجمعون على أي مؤسسة دينية، ولا يعتمدون أصلاً على هذه المؤسسات لتمثيلهم، ما جعل إنشاء «الكنيسة» مهمة من مهمات وزارة الداخلية، بدون نجاح كبير في الواقع.
إصرار السلطات الغربية، في خطابها المعلن، على التعامل مع الإسلام بالمنطق نفسه الذي تعامل به الكنائس الرسمية، وهو منطقٌ نشأ نتيجة تعقيدات تاريخية طويلة، خاصة بالسياق الأوروبي، حوّل مناسبات مثل «مؤتمر الإسلام» إلى مهازل حقيقية، فالجمعيات الإسلامية المرتبطة بحكومات خارجية، مثل الحكومتين التركية والمغربية، تحاول ابتزاز ما تستطيعه من دعم وأموال، وتقدم نفسها بوصفها خط دفاع أخير ضد «الراديكالية»، في نوع من التهديد المبطن للحكومات الغربية، على مبدأ: «ادعمونا وإلا…»، من جهتها تدرك الحكومات هذا الابتزاز، والضعف التمثيلي لتلك الجمعيات، ولكنها لا تملك كثيراً من الخيارات، فلا ينتج عن تلك المؤتمرات بالنهاية أكثر من بعض الخطابات الطنانة والصور التذكارية، وعدد من الولائم الرسمية مع «ممثلي المسلمين». ولائم بملاعق طويلة كالعادة.
من جهة الخطاب غير المعلن، فالتعامل الأمني والاستخباراتي مع وضد الجماعات الإسلامية، والتفاهمات غير المعلنة، وغض النظر عن بعض الظواهر المقلقة، والسماح بتأثيرات ومصادر تمويل مشبوهة لتمرير مصالح أخرى، كل هذا لم يتوقف يوماً. يمكننا القول إن الإسلام المعاصر، بكل تعقيداته، وما يتمتع به من «سيولة» وصلابة، قد أصبح بالفعل جزءاً من أوروبا، بل لعلها كانت طرفاً أساسياً في إنشائه وترسيخه، وهو ما قصده جيل كيبيل بحديثه عن نسيان «الملاعق الطويلة».

تهافت «الإصلاح الديني»

لعل فك الاشتباك بين أجهزة الدولة و«الإسلام»، أو الدين عموماً، هو الخطوة الأولى للخروج من هذه المتاهة، فاعتبار «الإصلاح الديني» من مهام الدولة، لن يكون إلا محاولة فاشلة لفرض عقائد وممارسات من الأعلى على المؤمنين. الأهم أن تفاصيل الممارسة الدينية تعني المتدينين فقط، وجعلها قضية عامة يعطي دوراً سياسياً مضخماً للدين، ويؤكد أن أي شأن اجتماعي عام لا يمكن أن يمر إلا بمباركة دينية.
ربما كان الأجدى من ضبط التدين نفسه، ضبط الحدود القانونية للمتدينين، فإذا كان الدين، سواء كان مُصلحاً أو غير مُصلح، من شأن الملتزمين به فقط، فعليهم ألا يفرضوا هذا الشأن على بقية أفراد المجتمع، وأن يفهموا أن مقدساتهم ومحرماتهم، أياً تكن، تنطبق عليهم وحدهم، مع احترام حريات وحقوق الآخرين. هذه الحدود القانونية هي معركة سياسية واجتماعية وثقافية تُخاض يومياً في «الشرق» و«الغرب»، وهي وحدها ما يمكن أن يجبر «الخطاب الديني» داخلياً على «الإصلاح».

٭ كاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*