الرئيسية / home slide / في الأُولى لغياب الياس الرحباني: هكذا يتذكَّرُه أَخُوه منصور

في الأُولى لغياب الياس الرحباني: هكذا يتذكَّرُه أَخُوه منصور

04-01-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

هنري زغيب

منصور والياس الرحباني.

كنَّا كثيرين يومها، وكان الفرحُ كثيرًا، وصالة مسرح “الشاتوتريانون” (الزلقا)، مساءَ ذاك الإِثنين 30 آذار 1998، تستقبل مئات الأَصدقاء تقاطروا من كلِّ هنا وهناك، ليَحتَفلوا معنا بأُمسيةِ وفاءٍ نظَّمْتُها في لجنة “الأُوديسيه” لرفيق عمري الياس الرحباني، تنسيقًا مع “نادي روتاري – المتن”، سَمَّيتُها يومها “سهرة على نافذة القمر” تيَمُّنًا بكتاب الياس الْكان قبلذاك بأَشهُرٍ صدَر بعنوان “نافذة القمَر”.

لم أَسأَلْ أَحدًا واعتذَرَ عن المشاركة المنبرية بتجربته مع الياس، في الاحتفاء بأَربعينَ سنةً (1958-1998) من عطاء الياس ملحِّنًا وموزِّعًا وتقْنيًّا وكاتبًا ومؤَلِّفًا موسيقيًّا. شاركوا وغَنُّوا من أَلحانه: جاء وديع الصافي وغنَّى “روح يا زمان الماضي”، وجاءت هُدى وغنَّت “بيني وبينَك يا هَالليل”، وجاء سامي كلارك وغنّى “موري موري”، وجاءت پاسكال صقر وغنَّت “من عمري راح سنين”، وأَلقى توفيق الباشا شهادةً بعنوان “الياس الأَخ الثالث”، وإِحسان صادق تحدَّث عن الياس “الفنان المتعدِّد”، واستسْلَم الپيانو لالياس فعزَف عليه من مقطوعاته “عازف الليل”، “آلو حياتي”، “حبيبتي”، “دمي ودموعي وابتسامتي”، وقدَّم له الطبيب كلود رحيِّل “وسام پول هاريس” وهو أَعلى تقدير روتاري عالَميّ، ثم أَلقى الياس مقطوعتَه الشهيرة “رسالة إِلى عاصي”. غير أَنَّ مفاجأَة السهرة كانت كلمة #منصور الرحباني الذي كان اعتذَر عن الكلام حين سأَلْـتُـهُ المشاركة، فهو يشعر بإِرباكِ أَن يتحدَّث عن أَخيه الأَصغر. لكنَّه، بعد إِلحاحي المتكرِّر ولِـحُبِّه الشديدِ أَخاه الياس، عاد فكتب نصًّا قصيرًا جاء قطعةً أَدبيةً رائعة تَقطُر حبًّا أَخويًّا وتنضَح وجدانًا مؤَثِّرًا من الكبير منصور.

اليوم، في الذكرى الأُولى لغياب الحبيب الياس (4 كانون الثاني 2020 – 4 كانون الثاني 2021) لا أَجد، لاستذْكاره، أَبلغَ وأَعمَقَ وأَشدَّ تأَثُّرًا وتأْثيرًا من نشْر كلمة منصور غيرِ المنشورة، تصدُر هنا في “النهار” للمرة الأُولى: احتفاء منصور بذكرى الياس، وكلاهما اليوم خالدان ملتحقان بالكبير الخالد عاصي. وهنا كلمة منصور:

ظلَّ يتكاسل حتى صار عبقريًّا

تنزَّهْنا في مساكن الفَقر طويلًا. سَكَنَّا بيوتًا ليست بِــبُيوت. تلك طفولتُنا إِخوتي وأَنا. وكان الزمانُ بطيئًا، فالتعاسةُ سلحفاة. والصغيرُ الياس يتَّكئُ على حافة انتظاراته: لفتةٌ في اللهو ولفتةٌ في الحرمان، فالفَقر يُتْمٌ آخر.

كنتُ أَخترع له لُعَبًا. أَنسُج لجفْنَيه نُعاسًا من حكايات وأَحتال عليه كلَّ صباح فَأَعِدُهُ بنزهة على حفافي الأَقنية المائية تنتهي في مدرسة الراهبات. كان يبكي ويثُور ويشتُمني. فالأَخ الياس واحدٌ من أَفراد القبيلة الرَحبانية التي لم تكُن يومًا على عَلاقة جيِّدة مع المدرسة. وظلَّ يتكاسل حتى صار عبقريًّا. 

يا صغيرَ الأَمس: كثيرًا ما كنَّا نخطفُكَ من رقادكَ الليليّ لتُغنِّي معنا في الحفلات. وكان يُعذِّبُني صوتُكَ المبحوحُ الآتي من طفولةٍ مكسورة. كنا – وتعذرُني اليوم – نصارع من أَجل تأْمين اليوميّ والضروريّ. لكنَّ الذي لم تكُن تَعرفُه أَنت، ولا نحن، أَننا حين كنا نلهو بأَفكار وأَنغام لا سابقَ لها، كنا الإِخْوَةَ المجهولين نُؤَسس زمَنًا فنيًا جديدًا سيجتاح هذا الشرق.
يا رجلَ اليوم: أَربعون سنةً والينبوعُ الذي هو أَنتَ، يَفيض كشمس عالقة بين الثلج والزُرقة. أَنغامُكَ أَزهرَت، فأَصبحْتَ حقلًا أَسكَرَهُ التنوُّع. وأَرسلْتَ إِلى الشهرة كثيرين. أَربعون سنةً وأَنت تُجوهر عطاءَاتكَ حتى أَصبح العالم ملعبًا لكَ يا فارسَ النغَم، فوقفْتَ على مسارح دُوَل الحضارة، منْتزعًا جوائزَها الأُولى، لتَضْفُرَها لآلئَ في تاج لبنان.

ويا أَخي: تعرف أَنني لا أُحبُّ المديح، وأَنَّ فرَح العطاء هو المكافأَة. تمامًا كشجَرةٍ ثمارُها نضجَتْ، يَقطفُها العابرُ ويمضي، لا هو يُبادلها عرفان الجميل، ولا هي تَنتظر منه لفْتةَ شُكْر. لكنَّني اليوم، عندما بدأْتُ الكتابة عنكَ، تَـمَرَّدَ قلمي وامتشَقَ الكِبَر. فاسمح لي أَن أَتناسى أُخُوَّتي لكَ، وأَن أَشْلح جُبَّة التواضُع. فالحقيقةُ أَن تُعلَن، أَيُّها السيِّدُ الكبير. وإِني أُحيِّيكَ على امتداد الصوت والتاريخ.

منصور الرحباني