الرئيسية / مقالات / في أنْ تكون حرًّا وبطريركًا

في أنْ تكون حرًّا وبطريركًا

في الثاني عشر من أيّار 2019 توفّي البطريرك المارونيّ نصرالله بطرس صفير. أكرّس مقالي هذا له، في ذكرى وفاته السنويّة الأولى، بسبب – خصوصًا – قوله المختصر المفيد، “لقد قلنا ما قلناه”، ردًّا على سؤالٍ ظنّ سائلُهُ أنّه يُحرجه فيه، أو تَوَهَّم غيره ربّما، أنّ الرجل قد يكون بدّل في موقفه. لكنّ الرجل لم يُحرَج يومًا، ولا هو بَدَّلَ تبديلًا.

في القدّاس عند المسيحيّين، ثمّة ما يُسمّى “الكلام الجوهريّ” الذي يمثّل استحضار الروح القدس في الذبيحة الإلهيّة، ودعوته إلى الحلول على الخبز والخمر ليصيرا جسد الربّ ودمه.

“الكلام الجوهري” في القدّاس هو الكلام الذي لا تبديل فيه، ولا تقليب، ولا تعديل، ولا تغيير، ولا تلوين. إنّه “كلامٌ جوهريٌّ”، بل جوهرٌ وحسب. وفقط.

“لقد قلنا ما قلناه”. عبارةٌ كرّرها نصرالله صفير مرارًا وتكرارًا، لا بالمعنى الدينيّ اللاهوتيّ، بل بالمعنى السياسيّ الوطنيّ، وكلّما كان ثمّة حاجةٌ ملحّةٌ إلى التذكير بالجوهر، جوهر القضيّة اللبنانيّة.

هو، أي نصرالله صفير، كان في هذا المعنى، جوهريًّا، باعتباره صاحب قضيّة. وما كان الرجلُ يبدّل فيها تبديلًا.

ولأنّه لم يكن ثرثارًا، ولا مستفيضًا في التبدّل والتقلّب والتلوّن، كالغالبيّة العظمى من السياسيّين، وسواهم من الدنيويّين، أو المنشغلين بالمترف والبرّاق عن الجوهر، وبالمتقلّب والمتبدّل والمتلوّن عمّا لا يُتَزَحزَح عنه، يمكنني – اصطلاحًا وتجاوزًا – أنْ أعتبر جملته هذه “كلامًا جوهريًّا” في السياسة الوطنيّة.

كان نصرالله صفير يقول قولته، بما قلّ ودلّ من الكلام. وبما قلّ ودلّ، كان دائمًا يعلن، في الشأن الوطنيّ السياسيّ، ما يرى وجوب إعلانه – وهذا حقّه المطلق باعتباره مواطنًا لبنانيًّا – وكان يعلن ذلك باختصارٍ جليلٍ، وبصدقٍ، وبحزمٍ، وبصلابةٍ، وبشجاعةٍ، وبدون لفٍّ ولا دوران. وأيضًا، بدون تبديلٍ في الموقف، مراعاةً لظرفٍ، أو لشخصٍ، او لسياسةٍ، أو لعهدٍ، أو لحاكمٍ، أو لمغتصبٍ، أو لوصيٍّ، أو لمحتلّ.

والحال هذه، أستطيع أنْ أعتبر جملة “لقد قلنا ما قلناه”، تلخيصًا جوهريًّا لموقف البطريرك السادس والسبعين في الشأن السياسيّ الوطني. الجملة هذه، تنتمي إلى علم البلاغة، باعتباره علمًا معروفًا في الأدب واللغة. نصرالله صفير، كان في هذا المعنى، رجلًا بليغًا إلى حدٍّ لا يُحتمَل، ولا يُطاق.

شأنُهُ شأن المكمل أو صنّين أو حرمون. لا يشيخ. لا يطأطئ. لا يلين. لا يتبدّل. لا يتلوّن. ولا يتزحزح.

كان السادس والسبعون، إلى بلاغته في تدبيج بياناته، وفي إطلاق مواقفه، رجلًا حرًّا. وهذا وصفٌ نادرٌ وعظيمٌ. فكيف إذا اجتمع في الشخص نفسه، أنْ يكون حرًّا وبطريركًا، معًا وفي آنٍ واحد؟!

Akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد