الرئيسية / بالإشارة الى... / فيينا في بيروت نفحات منعشة على أوزان يوهان شتراوس

فيينا في بيروت نفحات منعشة على أوزان يوهان شتراوس


(ناصر طرابلسي)

مي منسى
16 كانون الثاني 2017
النهار

لا تزال فيينا منذ سنين على وفائها لبيروت. من خيرة قادة أوركستراها، يأتي رسول حامل من روائع موسيقييها هدايا احتفالاً بالسنة الجديدة. الأوركسترا الفيلهارمونية الوطنية هلّلت بأبواقها وأقواس كماناتها للآتي من ضفاف الدانوب الأزرق بقلب نابض بالفرح، مانفرد موسّارو، الذي فور وقوفه على المنصّة ومدّ يديه للعازفين، جرى تبادل عشق فوري معهم. فالمايسترو الذي عرّف عنه سفير النمسا في مقدمة الأمسية بأنه من كبار قادة الأوركسترا على مساحة الموسيقى الدوليّة، ترك في نفس الحضور مفاجأة الاستمتاع على غير صعيد بفنّان جمع الدقة والشغف والمرونة في جبلة واحدة، هي جبلة البهجة.

لا شك أن لكل مايسترو أسلوبه الخاص في نقله النص الموسيقي إلى العازفين، ما إن يعتلي المنصّة. أسلوب يختلف عن أسلوب مايسترو آخر، بالحركة والدينامية، أداتَين هما سرّ مهارة قائد الأوركسترا وتفاعله مع الأوركسترا في إيصاله الرسالة لكل آلة، مفعمة بالدقة، واضحة، لا غبش عليها. القادة الذين مرّوا على هذه المنصّة، من محليين وأجانب، نقشوا هذه الوقفة الامتحانية الكبرى في أذهاننا. رأينا المايسترو الجامد كعمود ملح، سوى من يديه، والمايسترو الذي يسكن الإيقاع تقاسيم جسده كراقص منفرد، والمايسترو المتأمل في حذافير اللحظة الموسيقية، مغمض العينين، يقرأ النص على صفحات ذاكرته، والمايسترو الذي تجتاحه الموسيقى فيغدو عاصفاً، فاغنيريّاً في مواجهة رياحها. وقد يكون مانفرد موسّارو ضيف مساء الجمعة ذلك المايسترو الجامع في شخص واحد، رشاقة الجسد وشريك يوهان شتراوس في رقصة الفالس، والخيّال الجامح على صهوة فرس، من دون ان تغيب الابتسامة عن محيّاه. لم يكتف بباقة معايدة موسيقية للسنة الجديدة، بل من حبّه لفيينا ودانوبها الأزرق نفح فينا أوكسيجيناً من ليالي أنسها. ألم يستهلّ الأمسية كراقص رومنطيقي عاشق على إيقاع فالس “فيبر فون وندسور” لأوتو نيكولاي؟ منذ البداية أعطى مانفرد موسّارو الإشارة للأوركسترا، لليلة ملأى بالأفراح. الأنماط تنوّعت في أزمنة نمسوية، من موسيقى رومنطيقية وباروكيّة ومعاصرة. أما الحصّة الكبرى فيها فكانت ليوهان شتراوس الأب والأبن.
فرانز فرانزل المؤلّف المعاصر، استلهم موسيقى الباروك لرقصة باليه تحرّر فيها الإيقاع كنزهة في رحاب الطبيعة. لكل مؤلّف نكهة ومذاق ولا سيما حين اتخذت الموسيقى أسلوب الحوار لفرانز فون سوبي، حوار حب وولع انطلق من الشيللو الى جوقة الكمانات الشاعرية. وقد يكون التعبير عن الزهو لافتاً في فالس الذهب والفضة لفرانز ليهار المأخوذة من أوبرا “الأرملة الطروب”، ما يعني أنه لم يكن في تلك الليلة من مكان للحزن والحداد.
فيينا، مهما كثر المؤلفون الموسيقيون فيها تبقى أضواؤها ملقاةً على عائلة شتراوس. هذه العائلة كتبت تاريخ النمسا بالنغم. الأب والإبن خلّدتهما الفالس النمسوية، وبدورهما جعلا منها قطعة من تاريخ النمسا. لذا رصد القسم الأكبر من القائمة لهما. بولكا ومازوركا وفالس، نوستالجيا ودينامية، وصولا إلى الفالس الكبرى، تلك التي تأخذنا إلى القصور وأعيادها. لكن المفاجأة في تلك الليلة أضافت إلى أوزان الفالس الأثيريّة والبولكا، جوّاً ذكوريّاً حين ارتسمت في سمعنا معزوفة “الدبكة” لمؤلّفها نبيل جعفر. على وقع الطبول ومؤثرات الآلات النحاسيّة، تخيّلنا عرساً يزفّه الرجال بأقدامهم. بعد الأجواء الأريستوقراطية التي سطعت ثريّاتها من قصور النمسا، كنا بحاجة إلى دبكة نبيل جعفر لنعود من الدانوب الأزرق إلى لغة
أرضنا.

اضف رد