الرئيسية / Academic Writing 2018 / فيلم «1917»… عين الكاميرا على الحرب

فيلم «1917»… عين الكاميرا على الحرب

غيلم 1917

 سليمان الحقيوي 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
29012020

■ يمكنك أن تلاحظ، أعلى الملصقات الرسمية لفيلم «1917»، أو وصلاته الدعائية الكثيرة، عبارة «من إخراج صاحب «سكايفول»، وهي العادة الدعائية التي تستحضر نجاحات المخرجين السابقة من أجل الترويج لأفلامهم الجديدة، لكن فور انتهائك من مشاهدة «1917»، تشعر بأن اسم «سام مينديز» لن يقترن مستقبلا بأيّ من أفلامه غير فيلمه هذا، والحكم يشمل حتى نجاحه الأوّل مع «جمال أمريكي» (1999) ، وأنّ اسمه قد لا يحتاج أصلا، إلى سندٍ دعائيٍ بالقدر نفسه في الماضي، فيلمه الأخير حمله إلى مرحلة متقدّمة جدا، فهو لم يكتف بإخراج فيلم عن الحرب مليء بالعاطفة، بل خاض مغامرة إنجاز فيلم بلقطة واحدة ممتدّة.
فيلم «1917»، يضيف نفسه إلى قائمة أفلام قليلة اختارت التعبير بلقطة واحدة ممتدة، وهي قائمة يمكن أن نعود بها إلى فيلم «حبل» (1948) للمعلّم ألفريد هيتشكوك، مروراً برائعة «الفلك الروسي» (2002) للمخرج، ألكسندر سوكوروف، وصولاً إلى فيلم «الرجل الطير» 2014 للمكسيكي، أليخاندرو غونثاليز إيناريتو، ولا يمكن أن نستثني من هذه اللائحة فيلم «فيكتوريا» (2015) للألماني سيباستيان شيبر. وكلها أفلام حاولت النيل من سلطة المونتاج وإنجاز فيلم بلقطة واحدة من دون قطع. هيتشكوك واجه مشكلة تقنية، إذ إن بَكَرة كاميرا الـ35 ملم، التي استعملها في ذلك الوقت، لم تكن تسمح بامتداد اللقطة لدقائق طويلة، ووجد الحل بالتخلص من مفاصل اللقطات بالانتهاء والبداية من الأماكن المعتمة، في حين قدّم سوكوروف تحفة سينمائية عظيمة في فيلم من 96 دقيقة، بدأت فيه الكاميرا حركتها، وانتهت بالانتهاء من التصوير، أما إيناريتو صاحب «العائد»، فلم يواجه أي عائق تقني، في زمن تطوّرت فيه السينما، إلى درجة لم يعد معها أي شيء مستحيلاً، مشكلة إناريتو كانت تتعلّق أساسا بمواءمة قصّة فيلم فيه حركة وتعدد فضاءات بلقطة واحدة ممتدّة. وعلى الرغم من أن السينمائي الروسي سيرجي إيزنشتاين، اعتبر المونتاج الحلقة الأهم في السينما، وميزتها الأصيلة عن باقي الفنون؛ كان كثيرون يمنّون النفس بإخراج فيلم بالطريقة السابقة نفسها، والسّير عكس تطوّر التقنيات، والاعتماد عليها كلياً في صنع الأفلام.


لكن صعوبة إنجاز ذلك لم تكن تتعلّق دائماً في التعبير من خلال لقطة ممتدّة، بل إن هناك معطيات فنية أخرى تفرض نفسها، من ذلك أن تكون سيرورة أحداث القصة مناسبة لهذا الشكل الإخراجي. وهو ما يبدو أنّ مينديز نجح فيه، عندما سرد قصّة إنقاذ بطولية قام بها جنديان من الجيش الإنكليزي. قصّة الفيلم التي كتبها مينديز بمشاركة كريستي ويلسون تعود بنا إلى الجبهة الغربية، وزمنيا إلى إبريل/نيسان عام 1917، حيث الحرب محتدمة بين ألمانيا، والحلفاء في ما كان يسمى حرب الخنادق، فقد انسحب الألمان من مواقعهم وكان أغلب الضباط الإنكليز، يعتقدون أنّ هذا التقهقر علامة هزيمة، ما يعطيهم الأفضلية لشن هجوم مثالي وساحق، لكن استطلاعات جوّية أكّدت أنّ انسحاب الألمان تكتيكي وهو فخّ معد بإحكام.. وهذا يعني أنّ جيشا مكونا من 1600 جندي معرض للفناء، إذا قام بهذا الهجوم. وعلى أحد ما أن يوصل هذه الرسالة إلى قادة الجيش. وهنا سيستعدي الجنرال إرينمور (كولين فيرث) العريف بليك (دين تشارلز تشابمان)، وسيكلّفه بحمل أوامره بإيقاف الهجوم على الفور، لم يكن سبب اختيار بليك، إجادته قراءة الخرائط، كما أخبره الجنرال فقط، بل السبب كان وجود شقيقه ضمن الكتيبة المعرّضة للموت، وهذا ما يجعله أحرص جنديّ على إنجاز المهمة. بليك سيختار رفيقا لهذه المهمّة هو لانس كوربورال شوفيلد (جورج مكاي). كان عليهما اجتياز مساحات شاسعة ومكشوفة من الأسلاك الشائكة، واجتياز أميال من الأنفاق للوصول إلى جبهة نورماندي. يموت بليك، ويوكل مهمّته لرفيقه، الذي استمر في التقدّم، واستمرّت المخاطر في التجدد وتصعيب مهمته، لكنه ينجح في الوصول إلى غايته والمساهمة في إنقاد أرواح 1600 جندي، ولقاء شقيق بليك.

انتقائية الأحداث والحرص على ملاءمتها للشكل، كان له ثمنه الباهظ أيضا، فالخيارات القليلة لاقتفاء الكاميرا لجنديين يسيران طوال الفيلم، أدخلنا أحيانا في ما يشبه مطاردة معروفة الوجهة.

في هذا الفيلم يجمع طريق السينما من جديد، سام مينديز وروجر ديكينز أحد أهم مصوري السينما، الساحر الذي يصبح الفيلم بين يديه، مثل معرض للصور، شراكتهما هذه تأتي بعد، «جارهيد» (2005) وفيلم الدراما «الطريق الثوري» (2008)، وأخيرا «سكايفول» (2012). يعود الثنائي الآن بفيلم مختلف في كل شيء تقريبا؛ النوع، التصوير، التحدي، النجاح. ديكنز يستطيع في كل الأعمال التي يشارك فيها أن يغيّر اهتمام الناس من مركزية المخرج والممثل إلى التصوير، أو أن ينتزع لنفسه قدرا من الثناء مهما علت قيمة المخرج الذي يشاركه الوقوف خلف الكاميرا، أعماله مع الأخوين كوهين، ودينيس فيلنوف ستظل دائما تتكلّم عن براعته الكبيرة، وتقول الكثير عن قدرته في ابتكار هياكل بصرية توازي القصّص سرديتها وتنازعها جمالها، وتصنع تميّزها، هذه القدرة نفسها كانت محكّه الحقيقي في 1917، فقد كان عليه تجريب كيمياء بصرية لفيلم حرب، كثير الحركة، وتحريك العاطفة غاياته الأساسية. ديكينز صاحب المسيرة التي تقارب نصف عقد، يحبّ أن تكون السينما مثل صور على حائط عرض، هي ليست فقط صورة متوالية، لكن، كان عليه هنا أن يتنازل عن الكثير من أناقته المعهودة في التركيز والثبات، لفائدة حركة انسيابية تبدأ ببداية القصّة وتنتهي بانتهائها.
يمكننا أن نبسّط كل أسئلتنا حول طريقة صنع الفيلم، وأن نجعلها سؤالا واحدا فقط، كيف صنعت شراكة مينديز وديكنز ذلك؟ أي كيف صنعا فيلما عن الحرب، وعن مسار واحد يأخذ شخصيتين في فضاءات شديدة التعقيد بلقطة واحدة ممتدة؟ كيف أمكنهم ـ ودائما يجب أن نستحضر ثيمة الفيلم – نقل القصّة، تعابيرها، تفاصيل الحوار والمشاعر، ومناسبة التعابير هذه لحركة الكاميرا، التعامل مع تغيير مصادر الضوء، السرعة والبطء، إنها صعوبات كبيرة والسؤال ليس متعلقا فقط، بالقدرة على الإخلاص لتوابل نوعية أفلام الحرب، فقد خبرنا جيدا قوّة عاطفتها في سينما هوليوود وغيرها، المسألة تتعلق أكثر بمأزق تصوير قصّة بسيطة بخيار صعب كهذا. وجود الكاميرا كشاهد دائم الحضور، وقريب من الشخصيات ومرهونة بحركتهم، جعلنا نكتشف الأحداث بتفاصيل مدهشة، ونحسّ عن قرب بمعنى أن تكون في ساحة حرب.
لكن، انتقائية الأحداث والحرص على ملاءمتها للشكل، كان له ثمنه الباهظ أيضا، فالخيارات القليلة لاقتفاء الكاميرا لجنديين يسيران طوال الفيلم، أدخلنا أحيانا في ما يشبه مطاردة معروفة الوجهة. محسومة المصير إذا استحضرنا مهمتها، نحن في سباق مع الزّمن، وقد كانت هذه ميزة الفيلم عندما أعلن أن العدو هو الزمن، كما كانت عثرته أيضا عندما جعل المهمة متوقّعة النهاية، بدون أن تكون هناك إمكانية للمباغتة، لأنّ الكاميرا اختارت وجهتها منذ البداية.

٭ ناقد سينمائي من المغرب

اضف رد