فيلم «على بوابة الأبديّة» لجوليان شنابل: روح فان غوخ المتعبة تبحث عن ملاذ

 

 

نسرين سيد أحمد
القدس العربي
07122018

لندن ـ «القدس العربي»: الرسام الهولندي فنسينت فان غوخ، الذي لم يعش إلا 37 عاما مترعة بالألم والفن، الذي أنجز في عشرة أعوام هي مسيرته الفنية أعمالا غدت أيقونة في مجال الفن التشكيلي والرسم، من أكثر الشخصيات التي شغلت المخيلة السينمائية في العالم. تناول العديد من الأفلام، من بينها «فان غوخ» (1991) للفرنسي موريس بيالا و«شهوة للحياة» (1956) للأمريكي فنسينت مينيلي، حياة فان غوخ وشخصيته وإبداعه. وفي أحدث تناول سينمائي لفان غوخ وحياته، قدم لنا المخرج والرسام الأمريكي جوليان شنابل فيلمه «على بوابة الأبدية» (2018). في «على بوابة الأبدية» نرى فان غوخ وألمه وهواجسه الإبداعية ووحشته في ناظري رسام آخر، ويقدم الفيلم تناولا يفيض تفهما وتعاطفا مع فان غوخ. يقدم شنابل فيلما يكاد من فرط جماله البصري أن يكون لوحة من أعمال فان غوخ. لكن قلب الفيلم النابض
وجوهره يكمن في أداء وليم دافو، الذي قدم شخصية فان غوخ بحساسية بالغة، تعبر فيها كل اختلاجة من اختلاجات وجهه عن ألم فان غوخ ونشوته وروحه المعذبة.

يبدو لنا أن  الصراع  الحقيقي في الفيلم يكمن في رغبة فان غوخ، كما يصوره شنابل، في أن يدلف إلى أعماق كل ما يحيط به، فهو لا يرغب فقط في الرسم، ولكن في أن يضمّن لوحاته تلك جوهر روحه وجوهر رؤيته للحياة. نراه هائما على وجهه وسط الطبيعة في فرنسا محاولا تصوير جوهر ما يراه في الطبيعة في لوحاته. نرى تحمله لسخرية البعض منه، ومن نفور آخرين منه، ولكن ما يبقى لنا دوما هو مسعاه المحموم للرسم. يسعى شنابل، كرسام ومخرج، إلى تصوير عملية الخلق الإبداعي، ولتصوير ضربات فان غوخ المحمومة المتلاحقة للوحاته. هي عملية تستحوذ على كيان فان غوخ بأكمله، ونرى تلك الالتماعة في عينيه عندما يتم عمله في لوحة من اللوحات. ولكن فان غوخ، كما يصوره الفيلم أيضا، كان رجلا تثقل كاهله الرغبة في التواصل الإنساني، والرغبة في أن يكون له من الأصدقاء من يبثهم شجونه ومن يشاركونه رؤيته للفن والعالم. يشاركنا شنابل مقاطع من رسائل فان غوخ إلى شقيقه تيو (روبرت فريند)، الذي كان أقرب المقربين منه. كما نشاهد رغبته الملحة للتواصل مع صديقه الرسام بول غوغان (أوسكار أيزاك)، تلك الصداقة والشراكة الفنية التي عقد عليها آمالا كبيرة، والتي انتهت بجرح نفسي وجسدي مبرح.

لم يكن فان غوخ، رغم مكوثه في المصحات العقلية والنفسية، فاقدا لقواه العقلية، بل كان وعيه وكانت روحه أكبر من أن يتفهمها العالم أو يحتويهما. صراعه النفسي كان مع عالم لم تكن لديه الفطنة لاكتشاف عبقريته.

يصحبنا شنابل إلى داخل وعي فان غوخ، إلى نفسه المضطربة وروحه المعذبة. لم يكن فان غوخ، رغم مكوثه في المصحات العقلية والنفسية، فاقدا لقواه العقلية، بل كان وعيه وكانت روحه أكبر من أن يتفهمها العالم أو يحتويهما. صراعه النفسي كان مع عالم لم تكن لديه الفطنة لاكتشاف عبقريته. نرى فان غوخ كما يصوره شنابل أحيانا عذبا رقيقا يسحره كل ما في الطبيعة، ونراه تارة أخرى مزبدا صاخبا غاضبا، غاضبا من ذاته وغاضبا من العالم. أمضى فان غوخ أعوامه الأخيرة في سعي دائب لإيصال مكنونات روحه للعالم، فلوحاته لم تكن إلا سبيله لبث ما يعتمل داخله. أما علاقاته مع البشر فكانت دوما مضطربة قلقة. علاقته الوثيقة بشقيقه تيو كانت أكثر بكثير من رابطة الدم، فقد كان تيو صديقه الأقرب وشريكه في رحلته الفنية وناقد أعماله وسنده حين ينأى عنه الآخرون. ولكن هذه العلاقة على قوتها لم تنجح في انتشال فان غوخ من حزنه، أو في ترميم عطب روحه. أما علاقته مع غوغان فكانت صداقة، كان فان غوخ يأمل أن تزهر وتثمر فنا ولوحات وشمسا، ولكنها كانت علاقة فيها من الخذلان والخلاف الكثير. ولكن الفيلم لم يكن ليصور فان غوخ بتلك الحساسية البالغة بدون الأداء الفذ لوليم دافو في تجسيده لشخصية فان غوخ، في دور استحق عنه بجدارة جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا السينمائي لعام 2018. لا يعتمد دافو على محاكاة السمات الشكلية لفان غوخ أو صورته التي عرفناها عبر الكثير من لوحاته للبورتريه الذاتي، بل ينفذ إلى جوهر رؤيته ورؤية شنابل له. نرى في أداء دافو دهشة فان غوخ من العالم، وفضوله لاستكناه ماهيته، نرى الخوف والألم، نرى الاضطراب والقلق. نشاهد في أداء دافو تساؤلات فان غوخ التي لا تنضب، ومحاولاته لتقييم فنه.
في «على بوابة الأبدية» يتمحور اهتمام شنابل على الأعوام الأخيرة لفان غوخ، تلك الأعوام الأكثر زخما واضطرابا، والأعوام التي أنتج فيها جل أعماله. إنها الأعوام التي أمضاها في جنوب فرنسا في مدينة آرل، التي انتقل إليها عام 1888. ينتقل فان غوخ إلى آرل ليجد ملاذا لذاته وموطنا لإلهامه وإبداعه يذهب إليها يحدوه الأمل في أن يجد السكينة، ولكن روحه المضطربة لا تسكن أبدا، ويتعين عليه أن يمضي فترات في مصحة سان ريمي التي ذهب إليها طوعا وأمضى فيها عاما كاملا من مايو/أيار 1898، علّه يجد بعض السكينة والطمأنينة. «على بوابة الأبدية» رسالة حب من مخرج ورسام إلى رسام آخر. هو فيلم يسعى لتقريب فان غوخ منا ولإدخالنا في عالمه. إنه فيلم نستشعر فيه مدى الحب والتقدير اللذين يكنهما شنابل لفان غوخ. قد نشعر أحيانا ببعض الإسهاب أو التطويل، أو محاولة التأكيد على شعور فان غوخ بالوحشة والعزلة، ولكن هذا هو سبيل شنابل لتقريبنا من عالم فان غوخ ومن روحه التي أضناها الألم.

كلمات مفتاحية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*