فيلم «دوغمان» للإيطالي ماتيو غاروني: الشخصية الضعيفة حين تتحول لوحش

 

سايم البيك – باريس
القدس العربي
Jul 20, 2018

باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: ليس من السهل تخطّي التأثيرات التي يمكن أن تكون لأفلام في بلد معين، ضمن تيار سينمائي معين، وأحدثت نقلة في عموم السينما في العالم، على السينما المحلية التي تخرج من البيئة ذاتها التي خرجت منها الأفلام التي صنعت تلك التأثيرات، مثال متكرّر هنا هو «الموجة الجديدة» الفرنسية، أو قبلها «الانطباعية» الألمانية، أو بعدهما «الجيل الأمريكي الجديد»، أو غيرها كموضوعنا هنا، وهو «الواقعية الجديدة» الإيطالية التي امتد تأثيرها إلى خارج إيطاليا مكانياً، وإلى يومنا هذا زمانياً.
من الصعوبة تخطي تأثير ذلك التيار الإيطالي الذي تمركزت حكاياته حول الأحياء الفقيرة وناسها، همومهم ويومياتهم، ضعفهم وقوّتهم حيث لا نتوقّعها، وتلك نقاط ارتكاز لدى فيلمنا الإيطالي موضوع هذه الأسطر، الذي شارك في المسابقة الرسمية لـ«مهرجان كان» الأخير، ونال مارتشيلّو فونتي باستحقاق سعفة أفضل ممثل فيه، والفيلم معروض حالياً في الصالات الفرنسية.
ليس هذا الفيلم «دوغمان» أو (الرجل الكلب – «دوغمان») أولى تجارب مخرجه ماتيو غاروني في «مهرجان كان» السينمائي، بل سبقه فيلم «واقع» عام 2012 ونال الجائزة الكبرى، كما شارك فيلمه «حكاية الحكايات» في المسابقة الرسمية للمهرجان عام 2015.
يبدأ «دوغمان» بلقطة معنِّفة نفسياً، مقرّبة، لكلب شرس مسعور موثّق بجنزير يحاول بطل الفيلم، مارتشيلو، تحميمه وتنشيفه في محلّه، وهو محل اعتناء بالكلاب، أقرب ليكون، بمحتوياته وأقفاصه وأجهزته وإضاءته الخفيفة وعفونته بمكان مناسب لارتكابات وحشية، تشبه ذلك السعار الذي نراه من الكلب بداية الفيلم.
مقابل الكلب نرى مارتشيلو، إنسانا ضئيل الحجم، فيه شيء من الوضاعة، سلوكاً وحديثاً وشكلاً ولباساً، بسيطا، يظن نفسه محبوباً من قبل الحيّ، إنّما هو أقرب ليكون ذلك الأبله الذي لا يأبه أحد برأيه، لا يكرهونه إنّما لا يكترثون به، وإن كان يشاركهم مباريات كرة القدم ووجبات الطعام، وأخيراً يتخلون عنه بسهولة ولا يجدهم حين يحاول العودة إليهم بعد ما حصل معه. لكنّ لا يمكن عدم ملاحظة طيبة قلبه، أولاً في التعامل مع الكلاب التي لا يناديها بغير «حبيبتي»، وثانياً في انعدام نيّته السيئة تجاه الجميع، أمّا الوضاعة التي تكلّمنا عنها فتخص نقاط ضعف في شخصيته ستؤدي إلى مصيره الدرامي.
للحي كذلك بلطجيّه، سيموني، رجل بملامح عنيفة وجسد ضخم، لا يكف عن الاعتداء الجسدي على الجميع، والجميع كذلك يخاف أن يشتكي عليه، وهم أصحاب محال متنوعة، فإضافة إلى محل العناية بالكلاب هنالك محل بيع وشراء الذهب وناد ليلي ومطعم، وكلّها صغيرة على قياس الحي النائي المنعزل، بمبانيه القليلة، عن محيطه.
الوحيد من بين الرجال الذي يحتفظ بعلاقة طيّبة مع سيموني هو مارتشيلو، وهي ليست علاقة طيبة إلا كما يفهمها مارتشيلو، الذي يقول لسيموني بأنهما صديقان، لكن الأخير لا يمتنع عن احتقار مارتشيلو منذ بدايات الفيلم، ولا حتى عن ضربه بقسوة، كما يفعل مع رجال الحي الآخرين، إنّما ما يبقي سيموني قريباً من مارتشيلو هو أولاً أن الأخير مزوّد رئيسي لاحتياجات الأول من الكوكايين، بدون أن يجد نفسه مضطراً لدفع ثمنه ببساطة لأنّه بلطجي، وهو ثانياً الضعف الاستثنائي في شخصية مارتشيلو ما يجعله مطيعاً لسيموني، مهما طلب الأخيرُ منه.
أذكر هنا مشهداً يوضّح تلك العلاقة نُضيفها إلى الطيبة الأصيلة في نفسية مارتشيلو: الرجل البسيط يعود إلى بيته، يجد سيموني واقفاً ينتظره ليوعز له بأن يستقل سيارته، بدون أن يخبره إلى أين، يحاول مارتشيلو المراوغة عبثاً، بعدها نجد سيموني وآخر يخرجان من بيت نهباه، والآخر يقول بأنّه وضع الكلب في البيت في الثلاجة كي لا يزعجهما. يضطر مارتشيلو للعمل معهما، في عملية السطو هذه، كسائق لا ينال أخيراً من سيموني غير ثمن البترول للسيارة. يوصلهما إلى حيث يريدان ويعود إلى البيت المنهوب ليُخرج الكلب من الثلاجة ويُدفئه ويعيده إلى الحياة ويَخرج، بعدما سرق بعض الذهب.
تتطور العلاقة المشوّهة بين مارتشيلو وسيموني إلى أن يطلب الأخير من الأول استخدام محلّه لسرقة المحل المجاور وهو محل بيع وشراء الذهب، يحصل ذلك وتأتي الشرطة لتحقّق ويخاف مارتشيلو من الاعتراف بأن سيموني من فعل ذلك فيُسجن لسنة، يخرج ويبحث عن سيموني الذي اشترى دراجة نارية جديدة، يطالبه بحصّته مما سُرق فلا يجد إجابة، هنا تتغير شخصية مارتشيلو بشكل درامي، يبدأ التغيّر بتحطيمه للدراجة، خلافاً لما يمكن أن يتوقعه أحدنا منه وهو الهرب والسّكوت، كما تعوّد في علاقته مع سيموني البلطجي.
الفيلم الذي اشتغل على الحالة النفسية لشخصياته فعلها بشكل ممتاز لدى مارتشيلو، فهو الرجل الأضعف في الفيلم، وهو كذلك، انطلاقاً من ذلك الضعف، الوحيد الذي تجرّأ على ممارسة وحشية لم يفعلها حتى سيموني، وذلك أخيراً متى وصل حداً من الإهانات لم يستطع تجاوزه، حداً يفوق ما يمكن لشخصيته استيعابه. فالفيلم الذي يبدأ بكلب مسعور يستطيع مارتشيلو ترويضه وتحميمه، ينتهي بالمكان ذاته والجنزير ذاته حيث الكلب، إنّما على رقبة سيموني الذي لم يستطع أحد ترويضه، هنا، يتحوّل مارتشيلو إلى وحش وقد نبعت كل تلك الوحشية التي سينتهي عندها الفيلم من الضعف الذي بدأ عندها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*