الرئيسية / مقالات / فيلم «جوكر»: وجه قاتل تحت القناع المرح

فيلم «جوكر»: وجه قاتل تحت القناع المرح

 حسن داوود 
القدس العربي
10102019

فيلم «جوكر» أثار نقاشا حول كل من الجوانب التي يلامسها، وهي كثيرة. نقاد معارضون قالوا إن الشركة التي أنتجته «وارنر براذرز» كانت عديمة الشعور بالمسؤولية في عرضه، وذلك بسبب تذكيره الأمريكيين بالمقتلات العشوائية التي جرت في بلادهم. في جانب آخر دار النقاش، فنّيا وفكريا هذه المرة، حول شخصية جوكر، المرحة في الأصل، وتحوّلها إلى أن تكون حاملة لأمراض مجتمعها ومرضها الشخصي. ولم يقتصر التنازع بين المتناقشين على الاتجاهات العريضة التي تتوزع سياق الفيلم، وهي كثيرة أيضا، بل طال كلا من تفاصيله الصغيرة. أحد النقاد كتب أن الفيلم يجري دائما على حافات النقائض، وأنه مشبع بال NUANCES، وهذ الأخيرة، حين تقارب مجالات خطرة، ستكون خطرة بالضرورة.
استدعى الفيلم، وما يزال، نقاشات حادة حول كل ما قد يُستخلص من سياقه المتداخل المتعدد الوجهة. من المقالات والتعليقات التي ما تزال تتوالى يرى المتابع أن الفيلم قابل لقسمة الناس أفرقاء حول كل مسألة، سواء تلك التي يعرض لها الفيلم، أو التي يلمح إليها، أو ربما تلك التي لا علاقة له بها. ذاك أنه يشير بأصابع كثيرة إلى قضايا متوزعة في كل اتجاه، ومتراوحة بين السلب والإيجاب حتى أن مخرج الفيلم، لكي ينأى بنفسه ربما عن السجالات، قال إن من الصعب تعيين الفيلم ماذا هو. والأشد خطرا من ذلك أن بعض هذه القضايا يتصل بما هو قائم في أصل الاجتماع الإنساني، على البحث عن معنى للوجود، على الفقر والغنى كما على فساد الأنظمة وتسلّطها. وهو، في واحد من استهدافاته، يبدو محرّضا الجموع على تحطيم كل ما هو قائم، حيث النصر يتبدى في مشاهد القتل والحرق، وهي الفضاء المثالي للاحتفال الكرنفالي الجنوني.


ثم إن فيلم هيّأ لضيق البشر بعيشهم منذ مشاهده الأولى، احتدّت المرأة غاضبة مهدّدة حين رأت آرثر فليك، الجالس خلفها في الحافلة، يلاعب طفلها بحركات المهرج. منذ تلك البداية بدا أن أي مبادرة للاتصال المحبّب بين البشر مرفوضة ومكروهة. لهذا ربما، نجد المحتجّين، في تظاهراتهم العنيفة، قد توحدّوا في أقنعة المهرّجين التي تفصلهم عمن يجب إزاحتهم أو قتلهم. أما ردّ الفعل الذي رأته قوات الأمن والشرطة مناسبا فهو حظر الأقنعة، وهذا ما يجعل الفيلم مصوّبا حتى إلى ما يجري خارجه، بل وما سيجري من بعده، حيث في غمرة السجالات الجارية عنه، قرأنا في الصحف عن مكافحة شرطة هونغ كونغ ارتداء الأقنعة.
آرثر فليك الذي يروي الفيلم سيرته، كوميدي فاشل، مريض نفسي راحت تحاصره الأزمات السابقة والمستجدة حيث، في المشاهد المتتابعة، تتوقف جمعيات المساعدة على تزويده بالعقاقير التي يحتاجها، ويطرد من عمله، وتتخالط أحلامه مع خساراته حتى يروح المشاهد يتساءل، إن كان ما يراه ذاك المهرج واقعيا في سياق الفيلم، أو أنها مشاهد متخيّلة في ذهنه. وقد أوصله ذلك إلى ارتكاب أول جريمة له أردى فيها ثلاثة رجال كانوا يعاكسون امرأة في القطار قبل أن ينتقلوا إليه ليعابثوه بفظاظة قبل أن ينهالوا عليه بالضرب.
من ضمن تحويله كل شيء في فيلمه إلى قضايا، جعل المخرج تود فيليكس هؤلاء القتلى الثلاثة فاسدين مرتبطين بعمدة المدينة «غوثام» المكروه من أهلها. وقد لقي مقتل الثلاثة تأييدا من المتظاهرين الذين، من لحظة حصول تلك الجريمة، راحوا يعلنون تضامنهم، بل انضمامهم، إلى مرتكبها المجهول. لقد أصبح بطلا، وإن خفيا، لكنه ظل يهبط نحو الفشل والجنون معا، ونحو الجريمة التي طالت أمه وهي على مريضة في المستشفى حيث أماتها خنقا.
كان يستمر في فشله وإحباطه بالتوازي مع انتصار الثورة التي خرجت من جنونه. في آخر الفيلم، حيث تحقّق الانتصار، كانت حشود المقنّعين ملتفّة حوله، هناك على أنقاض المدينة المدمرّة، هاتفة له. وهو، الذي نجا مما لحق به من الدمار، ظهر واقفا، مبقيا على وجهه مساحيق المهرج الضاحك، مثيرا بذلك مرة أخرى النقاش حول ذلك الإختلاف الجنوني بين ما يظهره القناع وما يخبّئه. ثم بدأ، فوق سطح السيارة المحطمة التي كان قد أخرج منها، يرقص رقصته تلك، المازجة سعادته بجنونه، كأن ليعلن، من دون وعي منه، أن جيشه انتصر على المدينة وها هو يحتفل بإيصالها إلى جحيمها.
فيلم «جوكر» ثقيل ومدهش وحامل أثقالا كثيرة. منذ الآن رشحه كثير ممن تناولوه بالكتابة والتعليق على وسائل التواصل، لأن يكون بين الأفلام الكبيرة المخلدة، كما أنهم رشحوا مؤدي دور بطولته جزاكين فينيكس إلى أن يكون الأكثر حظا بنيل الأوسكار، حيث بحسب المقالات عن الفيلم، قضى أوقاتا طويلة في معايشة المرضى النفسيين والعمل على جسمه ليصير نحيلا مناسبا للدور، بما يذكّر بالاحتفاء الذي حظي به روبرت دو نيرو بعد تحضير جسمه ليناسب دوره في فيلم The Raging bull. دو نيرو أدى دورا صغيرا في فيلم Joker.

٭ روائي لبناني

اضف رد