فيلم «الأحلام الممكنة» تحفة وثائقية تستنطق الواقع المصري بعين مُرهَفة

عدنان حسين أحمد
القدس العربي
10052019

هاجم بعض النقاد فيلم «الأحلام الممكنة» للمخرجة الراحلة عطيات الأبنودي بضراوة غير مسبوقة، وصلت إلى حدّ المطالبة بإسقاط الجنسية المصرية عنها تحت ذرائع شتّى مثل، الإساءة إلى سمعة مصر، أو الإضرار بالسياحة، أو التركيز على حياة الفقراء والمهمّشين، وما إلى ذلك من حُجج واهية حرّضت نُقادًا آخرين على أن يصطفوا إلى جانبها، ويدافعوا عن تجربتها الفنية العميقة، ورؤيتها الإخراجية المتفرّدة.


تجدر الإشارة إلى أن عطيات الأبنودي هي مُخرجة أفلام وثائقية موهوبة التزمت باشتراطات الفيلم الناجح فلا غرابة في أن تنطوي أفلامها على قصة سينمائية ذكيّة، وسيناريو مُحكَم تتخلله الفكاهة، والدُعابة السوداء، ولا يخلو من الحسّ النقدي المُرهف. كما أنّ أبطالها من عامة الناس، وهم ليسوا ممثلين محترفين، لذلك أطلقوا عليها لقب «مخرجة الفقراء»، و«صاحبة مدرسة السينما التسجيلية الواقعية الشاعرية»، فهي مأخوذة بالحياة كما هي، لا تجمّل الواقع ولا تزوّقه البتّة فهي تقدّم العامل والفلاّح والغفير بأزيائهم الشعبية المتعارَف عليها، وتتركهم يتحدثون بلهجتهم القروية الصريحة الخالية من التصنّع، الأمر الذي قاد البعض إلى الالتباس، وأوقعهم في سوء الفهم، فما هو المعيب إذا كانت وجوه الفلاحين مسفوعة بالشمس، أو إذا كانت ملابس الأطفال رثّة وممزقة؟ أليس هذا واقع الحال في القرى والأرياف المصرية والعربية؟

قصة واقعية

تروي أم سعيد قصة واقعية لا رتوش فيها، وتتحدث بسلاسة وكأنها لا تنظر إلى الكامير التي تسجّل كل شيء لأنها تسرد قصة تعرفها، وتلمّ بكل جوانبها، إنها قصتها هي، وقصة العائلة التي تعرف أفرادها فردًا فردًا، حتى إن تلكأت في استذكار البعض منهم لأنهم كثيرون فقد أنجبت 13 طفلاً مات بعضهم في أعمار مبكرة، لكن البعض الآخر بقي على قيد الحياة، رغم تفشّي الأمراض، وتردّي الأوضاع الصحية في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، فالفيلم أُنجز عام 1982 كما هو موضّح في البروشور، لكنه عُرض في عام 1983 وأثار الضجة المعروفة في حينه، رغم أنّ أفلامها كانت تجد صعوبة حتى في الوصول إلى المهرجانات العربية والدولية، بعد أن قاطعتها المهرجانات وقنوات التلفزيون المحلية.
لا يمكن لأم سعيد أن تسرد قصص جميع الأفراد، لأن العائلة كبيرة، لذلك ركّزت على البعض منهم مثل منى وفريال ونصر ومصطفى، كما تناولت حياة زوجها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وكان لجد الأطفال النصيب الفكاهي فهو يمنع البنات من الدراســـة، لأنه يخشى أن يكتبن رسائل حُب إلى الفتيان، سواء أكانوا من الأقرباء أو الغرباء.
لا شك في أن الأعمال المنزلية التي تقوم بها أم سعيد مهمة جدًا مثل صناعة الخبز، والطهي، والكنس، وغسل الملابس، وتربية المواشي، ومتابعة بعض الأولاد الذين يواصلون الدراسة رغم بُعد المدارس، وتجشّم عناء الذهاب والعودة، ثم الانهماك في الأعمال المنزلية، وتأدية الفروض الدراسية وسواها من الواجبات البيتية، لكن الحدث الأهمّ فيها هو حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي كشفت المعدن الأصيل لهذه العائلة، التي كانت تفضّل الموت على الهجرة من السويس، مدينتهم التي أحبّوها، وعاشوا فيها، وأكلوا من خيراتها، وشربوا من مائها، ولم تكن هذه المشاعر مقتصرة على الرجال وحسب، وإنما تمتد إلى النساء، فأم سعيد كانت تتمنى أن ترى إسرائيليًا من دون سلاح «لتقطم رقبته لأنها ممتلئة غيظًا من كل شيء إسرائيلي»، فهذا العدو هو السبب الرئيس الذي يقف وراء قصفهم بالصواريخ، وتهديم منازلهم، واقتلاع أشجارهم.

لا تجيد أم سعيد القراءة والكتابة لكنها تستطيع أن تجمع الأرقام في رأسها وتعرف عدد أواني الحليب التي تبيعها في اليوم والواحد. كما أنها تعرف مواقيت الصلاة بواسطة حركة الشمس نهارًا ونجم الثريا ليلاً.

لا تجيد أم سعيد القراءة والكتابة لكنها تستطيع أن تجمع الأرقام في رأسها وتعرف عدد أواني الحليب التي تبيعها في اليوم والواحد. كما أنها تعرف مواقيت الصلاة بواسطة حركة الشمس نهارًا ونجم الثريا ليلاً. أما زوجها فهو يتاجر بالمواشي، يخرج نهارًا ليشتري أو يبيع، بينما تنهمك زوجته في الأعمال المنزلية، ثم تتوسع في الحديث عن بناتها، فنعرف أن «منى» تذهب مشيًا على الأقدام إلى مدرسة بعيدة لعدم توفر المواصلات، وحينما تعود ظهرًا تبدأ بجلب الماء، وغسل الأواني، وأعمال التنظيف الأخرى. أما فريال فقد حُرمت من الدراسة لأنهم لم يعثروا على شهادة ميلادها. فمن بين 48 بنتًا في العائلة لم تتعلّم منهن سوى منى وغالبية العوائل في ذلك الوقت كانت تفضّل بقاء البنات في البيوت للمشاركة في الأعمال المنزلية، آخذين بنظر الاعتبار أنّ البنت الواحدة تعمل بقدر ثلاثة رجال، تتمنى أم سعيد من أعماقها أن تُعلّم كل البنات لكنها لا تمتلك شيئين أساسيين وهما القدرة على فرض رأيها في المنزل، والعجز المالي الذي يحول دون ذهابهن إلى المدارس، ثم تختتم الفيلم بجملة معبّرة مفادها:»أنا بحلم على قدّ ما معاي».

آراء وإضاءات

تضمنت الأمسية آراءً وإضاءاتٍ متعددة أولها كلمة ريم بهجت التي سلّطت فيها الضوء على السيرة الذاتية والإبداعية للمخرجة عطيات الأبنودي، وأحاطت الحاضرين علمًا بالأفلام الثلاثة التي ستعرض تباعًا وهي «الأحلام الممكنة» و«راوية» و«القاهرة 1000، القاهرة 2000». أما المخرج السوري أنور قوادري فقد أعرب عن إعجابه بالفيلم الذي وصفه بالرائع واللافت للانتباه لأنه يقدّم مصر الحقيقية بعيدًا عن البهرجة والتزويق، كما وصف أم سعيد بالمرأة الاستثنائية لأنها تكدح ليل نهار، وتبذل قصارى جهدها من أجل تعليم بناتها، وإرسالهن إلى المدارس. ورغم أن الفيلم وثائقي إلاّ أنه لا يخلو من نكهة روائية ذلك لأن بطلته تروي قصة واضحة المعالم للأسرة، والحرب، والوطن. كما أشار إلى رسالة الفيلم الضمنية التي تقول بأنّ المرأة هي التي بنت مصر، أو كان لنا الدور الأكبر في عملية البناء، واختتم قوادري كلامه بالقول إنّ هذا الفيلم الوثائقي حرّك مشاعري وأثار شجوني.
أما أسماء الطاهر التي قدِمت من القاهرة لحضور هذه الأمسية الاحتفائية والتعليق على الأفلام فقالت إنّ بعض شخصيات الفيلم الذي أُنجز عام 1983 قد حققوا تقدمًا ملحوظًا في الدراسة والحياة الاجتماعية فـ»نصر» نال درجة الدكتوراه من أمريكا، ومصطفى أصبح موظفًا في قناة السويس، ومنى تعمل في قناة السويس أيضًا، وتزوجت، وأسست أسرة ناجحة، وأم سعيد تتمتع بصحة جيدة. كما أجاب قوادري وأسماء على بعض الأسئلة التي وجّهها لهم الحضور، ويتمحور أغلبها على إمكانية عرض هذه الأفلام في القنوات التلفزيونية أو المنافذ الثقافية المعروفة، كما تكلمت عن الدعم المادي الذي تلقته عطيات عن فيلم «الأحلام الممكنة» مع خمس مخرجات من بلدان مختلفة، فيما أشاد قوادري بتقنيات الصوت والصورة والقدرة المونتاجية التي منحت الفيلم سلاسة غير معهودة جعلته يمرّ وكأنه حلم خاطف وجميل. عرض الفيلم في المكتب الثقافي للسفارة المصرية في لندن تكريما للمخرجة الراحلة عطيات الأبنودي، التي وافاها الأجل في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2018 مخلّفة وراءها 27 فيلمًا وثائقيًا.

٭ كاتب عراقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*