فيلم «ابن باديس»: سيرة نضالية جزائرية تتخطى الحكاية السينمائية

بسمة شيخو
الجزائر – القدس العربي
Jul 26, 2018

الجزائر ـ «القدس العربي» ـ بسمة شيخو: يختتم المخرج السوري باسل الخطيب فيلمه «ابن باديس» بما قاله جون فاشو، وهو يعرض إعجابه بهذه الشخصية الكاريزمية .. «لابد من اعتبار ابن باديس أباً لحركات التمرد بين عامي 1945 و1954، وملهماً لأفكار جبهات التحرر الوطني». ما بين هطول المطر على أقدام الأسرى المسربلين بالحبال، وهطول أوراق الشجر على أكتاف الحزانى، تمرّ سيرة حياة ابن باديس ابن قسنطينة؛ ما بين النداء الذي علا معلناً قدومه للعالم عام 1889 ونداء الوداع بعد واحدٍ وخمسين عاماً 1940. يقص الفيلم حياة الرجل في ما بين نداءين، مضيئاً على مراحل يعتبرها مهمةً، ومعتماً على مفاصل أخرى مسقطا لها من اعتباره. الفيلم سيناريو وحوار رابح ظريف، ونفّذ العمل بكوادر جزائرية وسوريّة وإيرانية، ويعتبر من أضخم الإنتاجات الجزائرية.

النضال

بدا ابن باديس في القسم الأول من الفيلم رجل دين عاديا، بدون علامات فارقة مهمة تميزه عن هذه الطبقة من طبقات المجتمع، شيئا فشيئا ظهرت المفارقة والتمايز، أراده الفيلم أن يكون رجل دين متنورا، فهو لم يتخلَ عن جوهر الدين ومواصفات المتدين وفي الوقت ذاته ساهم في إثراء الثقافة بافتتاح الصحف والجمعيات ذات الصبغة الدينية ــ «البصائر»، «الشهاب» و«المنتقد» ــ ولم يتخل عن العناوين الجذابة لرجل الشارع العادي بانتقائه باقةً من العناوين الجاذبة للمتدين، كجمعية علماء المسلمين وجماعة الرواد، وأراد أن يعطي المشاهد لمحة تشريحية لتكوين ابن باديس الثقافي بإيراده مجموعة مختصرة من خطاباته للناس، ولأعضاء الجمعيات التي يؤسسها، تحيز الفيلم لبطله بشكل مطلق فجنبه الحوارات العميقة مع تلامذته ومريديه، أو النقاشاتٍ المهمة مع رفاقه التي تظهر حقيقة ابن باديس، فكان رجل منبر يتحدث بكلماتٍ بسيطة ملهمة مشجعة تليق بالجماهير، فقد كان يرى أن للخاصة أموراً لا يفهمها العامة. ركّز الفيلم على إصدار جريدة «المنتقد» في ثاني أيام عيد الأضحى، وقد أراد التوكيد على مكانة الإسلام بمعناه المشرق بالتركيز على مناسبة براقة كعيد الأضحى، حيث يجتمع ملايين المسلمين لتأدية الفريضة ذاتها في المكان ذاته، مظهرين التواضع والمساواة، وهي إحدى أهم الرسائل الدالة على حرص ابن باديس على توصيلها خلال رحلته الجهادية؛ وكان لإغلاق الجريدة ذاتها حيزاً جدياً من الشريط السيماني، فلحظة الولادة مهمة وقد تكون لحظة الموت أكثر أهمية، فجاءت لقطات إغلاق الجريدة معبرة ومحملة بالمعنى الدرامي. من ناحية أخرى كان بن باديس يكتب الشعر ويرتجله ويكتب المقالات، وعمل قاضياً وهذا جانب لم ينل كفايته في أحداث الفيلم، ومن خلال كتاباته كان يحرّض على المقاومة، ويعلن انتماءه للشعب الجزائري، كان مهادناً في النهار ومعادياً لفرنسا في الليل، كما قال أحد جنرالات فرنسا في الجزائر، حاولت فرنسا اغتياله ولم تفلح، ساومته على والده حين اشترطت مساعدته بضائقته المالية بشرط استقالة بن باديس من جمعية العلماء المسلمين، ومع ذلك لم يهتم وبقي عروبياً يحارب التضييق على تعليم اللغة العربية ويعلمها ويساعد على نشرها، ويعادي أبسط تفاصيل فرنسا كالقبعات الفرنسية، ويعتبر تمريغ الرأس بتراب الجزائر أهم من اعتمارها، كان إسلامياً يبصر الخلاص في التمسك بالدين، ويجد ألا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. لخّص الفيلم هذا الموقف بعائلة طاهر، الشاب الذي سيق إلى الخدمة العسكرية حيث لم يبق من يعيل الأسرة بوجود أم مشلولة سوى جوهر، الابنة الصغرى، فيعرض ابن باديس المساعدة المادية ويصر على تعليم الفتاة في موقف تنويري يعكس ثقافة الرجل التي تتجاوز عصره وقد اختصرها بمقولة عميقة وكثيفة ومختصرة وهي «إن علمت فتاة فقد علمت أمة». وبهذا أظهر الفيلم مدى التصاق ابن باديس بواقعه وتفهمه لما يجري في الشارع الجزائري الرازح تحت ثقل استعماري مهيمن، وقد لخص موقفة من شارعه ومدى انصهاره فيه بقوله «قلبي قلبكن، عقلي عقلكن، روحي روحكن، ماضيي ماضيكن، حاضري حاضركن، مستقبلي مستقبلكن».

الأسرة

يتطرق السيناريو إلى بداية الخلاف بينه وبين زوجته، حيث تتهمه بالانشغال بحلقات التعليم رغم تضييق خناق الفرنسيين عليها ومنعه منها، يصل الخلاف بين ابن باديس وزوجته إلى ذروة اللاعودة، بعد سقوط ابنهما الوحيد من على صهوة الجواد ملاقيا حتفه، ثم تأتي النهاية التي لا بد منها لعلاقة مهتزة من هذا النوع وهي الطلاق، الذي يأتي عام 1932، لا تجد الزوجة المكلومة بعد الابن زوجاً حاضراً، فقد نذر ابن باديس نفسه للجزائر ولا تبدو أن للنساء حظوة عنده ولو كانت زوجته.

الأداء والتقنية السينمائية

حافظت قسمات الممثل يوسف سحايري ــ الذي لعب دور عبد الحميد بن باديس ــ على تعبير واحد هو سحنة العالم جامد الأسارير، فلم نجد ذلك الانفعال الإنساني، عندما واجهته قسوة الواقع بموت أمه أو ابنه، وحتى موقف الانفصال عن زوجته، بدا باهتاً وغير منسجم مع الشخصية العامة التي نعرفها عن الشخصية التاريخية. كذلك لم يستغل المخرج الخلفيات التي تفرضها البيئة الجزائرية التي عاشها ابن باديس، وانشغل باختيار كوادر فنية عالية المستوى للقطات كاميرته، مفضلاً أن يركّز على وجوه الممثلين، فظهرت الخلفيات في المشاهد ضبابية بدون ملامح، فخسر توظيف المكان، وهو عامل مهم من عوامل اللوحة الكاملة للرجل وعصره، فأفلام السير الذاتية لا تتوقف على الأفكار والمواقف وتتعداه إلى المكان الذي نشأت فيه، وهي في جوهرها معبرة عنه وممتزجة فيه متفاعلة معه، فبدت كلمات ابن باديس وصورته وحيدة ومبعدة عن بيئة حضارية كانت عاملا مؤثرا في تكوين شخصيته.
أما اللقطة الأبرز في الفيلم، التي علقت في الذاكرة فهي عباءة ابن باديس السوداء، وهي ترفرف أثناء مغادرته مع الشمعة المتقدة في يد الطفل وكأنها دلالة لاستمرار فكر عبد الحمـــــيد بن باديــــس رغم مغادرته، التي رافقتها أغنية (اشهدي يا سما) وقد ارتجل بن باديس كلماتها في إحدى الاحتفاليات بليلة القدر، قد منحت الأغنية جرعة إضافية من الأمل للمشاهدين مع نهاية الفيلم: اشهدي يا سما/واكتبن يا وجود، إننا للحمى/سنكون الجنــود، سنزيح البلى/ ونفك القيود … هكذا سنعود فاشهدي يا سماء أننا للعلا أننا للخلود.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*