الرئيسية / home slide / فيروز وطيور السماء

فيروز وطيور السماء

إبراهيم عبد المجيد
القدس العربي
03122022

في الواحد والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الذى مضى، بلغت فيروز السابعة والثمانين من عمرها فهي من مواليد 1935. فيروز حصلت على كثير من الأوسمة في لبنان ومصر والعالم، ومهما اختفت بسبب العمر، فهي لا تغيب. جعلني ظهورها يوم حضر رئيس الوزراء الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت المدمر عام 2020، أنظر إليها كطفل أنقذوه من الغابة، وأهتف «فيروز هنا» رغم كل الآلام التي سببها الانفجار لنا ولبيروت نفحة السماء.
حين عرفت بموعد ميلادها ورأيت الحفاوة به على السوشيال ميديا، وكم الدعاء لها بموفور الصحة، وجدت نفسي كالعادة معها أسبح تحت السماء محاطا بالطير الجميل يرفرف حولي ويعزف. أخذتني عشرات السنين إلى الوراء، كيف كنت أسمعها في صباي وشبابي المبكر صدفة في الراديو، قبل أن تظهر شرائط التسجيل والفيديوهات والسوشيال ميديا، التي سهّلت علينا كل شيء. قليلا ما كنت أسمعها في برنامج مثل «ما يطلبه المستمعون» أو في الإذاعات المصرية مثل «القاهرة» و»صوت العرب» وغيرها. الصدفة كانت تأتي بأغنيات قليلة لها مثل «سكن الليل» لجبران خليل جبران أو «سهار بعد سهار» أو «شايف البحر شو كبير» للأخوين رحباني، وربما أغنية أخرى أو اثنتين. كما قلت لم تكن الإذاعة المصرية تذيع لها أغاني كثيرة. قيل في ذلك كلام كثير مثل الإشاعات من إنه ربما كانت أم كلثوم وراء ذلك. الأمر الذي سمعناه من قبل عن عبد الحليم وأصوات مثل كمال حسني. لم أكن أصدق، لكنني كنت أسأل نفسي لماذا حقا لا يذيعون لها أغاني كثيرة. إنهم يذيعون لصباح وفايزة أحمد وهما من الشام مثلها، فهل لا بد من الحصول على الجنسية المصرية، أو الهجرة إلى مصر ليحظى المطرب بالشهرة الكبيرة. كنت أشعر كثيرا بالحنين إلى صوتها، لكن لا أستطيع أن أصل إليه، ثم سهّل ظهور شرائط التسجيل المهمة. كثير جدا يمكن أن أقوله مدحا في صوتها الإلهي، أو موسيقى الأخوين رحباني، لكن ما أخذني بقوة هو الصور الشعرية في أغانيها لكل من غنت لهم من الشعراء، وهم كثر.
في عام 1968 ملأت فيروز فضاء مصر بعد أغنيتها «زهرة المدائن».. تأمل هذه الصور الشعرية:
عيوننا إليكِ ترحل كل يوم
تدور في أروقة المعابد
تعانق الكنائس القديمة
وتمسح الحزن عن المساجد

٭ ٭ ٭

الطفل في المغارة وأمّه مريم وجهان يبكيان

٭ ٭ ٭

لن يقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأصلّي
سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب
وستغسل يا نهر الأردن وجهي بمياه قدسية
وستمحو يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية
بعيدا عن الأثر العظيم للأغنية على الناس بعد هزيمة 1967. هذا الأثر الذي شمل الأمة العربية كلها، كنت أتوقف عند الصور الشعرية. وقياسا على الأثر العظيم في الناس جاءت أغنية «أنا وشادي» كانت أيضا عام 1968التي حين تقول فيها «عشرين مرة إجا وراح الثلج» تذكرنا بعشرين عاما مرت على النكبة. رحلة عمر وزمن تبدأ:
من زمان أنا وصغيرة كان فيه صبي يجي من الأحراش ألعب أنا وياه كان اسمه شادي
أنا وشادي غنينا سوا لعبنا على الثلج ركضنا في الهوا كتبنا على الاحجار قصص صغار ولوحنا الهوا ويوم من الإيام ولعت الدني ناس ضد ناس علقوا بهالدني
إلى أن تقول: شادي ركض يتفرج خفت وصرت اٍندهله وينك رايح يا شادي اٍندهله وما يسمعني ويبعد يبعد ع الوادي ومن يومتها ما عدت شفتو ضاع شادي
والثلج اٍجا وراح الثلج عشرين مرة اٍجا وراح الثلج وأنا صرت أكبر وشادي بعده صغير عم يلعب ع الثلج ع الثلج.
رؤى الطفولة بصدق عفوي عظيم بعدها ذاع في مصر اسم «شادي» وحتى الآن بشكل كبير لا يتوقف، ثم جاء اليوم الذي استمعت فيه لأغنية» قديش كان فيه ناس» فتجلت أمامي الفلسفة الوجودية التي أُغرمت وهمت بها تفسيرا لرحلة الحياة، المضطرون نحن إليها في كلمات وصور هذه الأغنية:
قديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس وتشتي الدني ويحملوا شمسية وأنا بإيام الصحو ما حدا نطرني.

٭ ٭ ٭

صار لي شي مية سنه مشلوحة بها الدكان ضجرت مني الحيطان ومستحية تقول وأنا عيني ع الحلى والحلى ع الطرقات غنيلو غنيات وهو بحاله مشغول نطرت مواعيد الأرض وما حدا نطرني….
ثم الأكثر تأثيرا التي لخصها عشرات المبدعين والفلاسفة:
«صار لي شي مية سنة عم ألف عناوين مش معروفه لمين».
طبعا إذا مشيت مع أغاني فيروز احتاج كتابا ضخما، وإذا توقفت عند الصور الشعرية في أغانيها سيحدث الأمر نفسه، لكني اكتفيت بأمثلة ثلاثة لاثنين منهما كان لهما الأثر العظيم في الشعوب العربية كلها، وهو أثر لا ولن ينتهي، وللمثل الثالث أثر عليّ أنا المتيم بالاغتراب في العالم الذي قُذِفنا إليه دون إرادتنا.
حين عرفنا أنه ستقام لها حفلة في مصر في نهاية عام 1976 كانت ليلتي أمام التلفزيون أشاهد الحفل الذي أقيم في حديقة الأندلس، وأشاهد من معها من المغنين وممثلي المسرح اللبنانيين، الذي شاركوها مسرحياتها التي لم تكن تُعرض في مصر من قبل. لقد عرفت مما تنشره الصحف أن السباق على شراء التذاكر بلغ السماء، وكثيرون جدا لم يستطيعوا الحصول على تذكرة. بدا لي أن المصريين يجيبون على السؤال الضائع، كيف غابت عنا فيروز حقا كل هذا الغياب؟ حمدت الله على نعمة التلفزيون، واستمعت إلى الحفلة كأنني بين جبال لبنان التي لم أكن قد زرتها، وكأنني أيضا في برزخ بين السماء والأرض. بعدها لم تفارقني شرائط تسجيلها. حين سافرت للعمل في السعودية عام 1978 كانت فرصة عظيمة أن أعود بعد عام ومعي كنز من شرائط تسجيلها، ليس لعدم توفرها في مصر، لكن لأنها صارت في فراغ المكان والزمان هي الملاك الذي يطير بي عابرا الزمن. أستمع اليها كل ليلة بعد أن ينتصف الليل، وأنا وحدي وسط الكون، ففيروز تحملك إلى الوحدة والتأمل. أشعر بأن وجود أحد معي قد يفسد عليّ المتعة، وليس كما هو مع أم كلثوم التي يكون سماعها مع الآخرين متعة من نوع آخر. أضحك وأنا اتذكر كيف جاء أول يناير/كانون الثاني عام 1985 وتم القبض عليّ فجأة بسبب موقفي وكتاب كثيرين من التطبيع وحضور إسرائيل إلى معرض الكتاب. كان مما أخذه الضابط مع بعض الكتب الماركسية الكثير من شرائط تسجيل الأغاني، وقال لي ستكون في صالحك ودليل أنه لا علاقة لك بما أنت متهم به، ويمكن أن تأخذها في ما بعد. كان لطيفا في كل شيء ولا أنساه. كان ذلك زمنا آخر. قلت ما أسهل شراء غيرها.
أعترف أني لا استمع كثيرا للطرب العربي الآن، لسبب خاص بي، وربما يكون خاصا بمن تقدموا في العمر، فهو يثير الحنين إلى زمن ولَّى وإلى أحباء، الذين كان قريبا منهم صار بعيدا أو رحلوا عنا. لكن لثلاثة أيام يوم مولد فيروز وبعده صارت زوجتي تترك أغانيها سابحة في البيت، واستطعت أن لا أنساق إلى الذكريات ورحت أسمعها بينما أكتب أو أقرأ. أتوقف عند الصور الشعرية طول الوقت وأقول كم كانت عظيمة هي والأخوان رحباني ثم ابنها زياد في اختيار الأغنيات والمسرحيات. المسرحيات الرائعة التي لم يكن لها نصيب في التلفزيون المصري إلا قليلا، خاصة بعد حفلها الثاني في مصر عام 1989 أمام الأهرامات، ثم صارت لدينا قنوات عربية ولبنانية نرى عليها مسرحياتها حين نريد، ثم صارت السوشيال ميديا معينا وقت الحنين للجمال. كم كانت الدنيا ستصير ضيقة دون قيثارة السماء فيروز منحها الله الصحة والعمر. مهما ضاقت بنا الدنيا فطيور السماء الجميلة تحملنا مع فيروز بنت السماء.

روائي مصري