الرئيسية / home slide / «فوتوغرافيا الوباء» من الطاعون إلى كورونا: محاولات (متعثّرة) للقبض على القاتل!

«فوتوغرافيا الوباء» من الطاعون إلى كورونا: محاولات (متعثّرة) للقبض على القاتل!

صورة خالية من مدينة البندقية في إيطاليا (ماريو دي لاورو – غيتي)لا يخرج المرض في قصّة «قناع الموت الأحمر» (1842) لإدغار ألن بو من الأجساد، ولو أن الكاتب الإنكليزي يبدأ قصّته بوصف الأعراض التي تظهر على أجسام المرضى كالبقع القرمزية وتدفّق الدم على الجلد. المرض قادم بكل الحالات. وبوصفه الأعراض الأولى، يشرع بو بتلمّس شكل وباء «الموت الأحمر»، الذي لا يلبث أن يدخل الدير المقفل حيث يهرب الأمير بروسبرو مع حاشيته. ينفّذُ الأمير إجراءات حماية مُحكمة، تحظّر أي تواصل مع الخارج الموبوء. غير أن الوباء يجتاز عتبة الدير أثناء إحدى الحفلات التنكريّة الصاخبة التي يقيمها الملك والساهرون مساء، ويقضي معهم السهرة بأكملها حتى حلول منتصف الليل. حين يتخلّى الساهرون عن أزيائهم وأقنعتهم، يُبقي بو على كائن وحيد متنكّر في الدير، لا يمكنه انتزاع زيّه لو أراد هو ذلك. لقد جاء بزيّ نهائي لا سبيل للتراجع عنه، أي بعظام وجوه ضحايا الموت الأحمر الذين لا يمهلهم الوباء إلا نصف ساعة، قبل أن يحوّلهم إلى جثث. ما لا يعرفه المقيمون أن المرض كان متواجداً دائماً في الدير، حتى قبل وصول الهيكل العظمي إليه. يُخرج بو في قصّته تصاوير متعدّدة للوباء، من خلال إحدى غرف الدير السبع المعتمة بستائرها السوداء التي يتسلّل منها اللون الأحمر، وبساعة كبيرة على أحد جدرانها. لا دليل محتّماً عن أصل ذلك الوباء المتخيّل الذي وضعه بو في قصّته. غير أن هذا السعي اللغوي إلى تصوير شكل الوباء، يختزل توق الأعين إلى رؤيته. توق ورثته الكاميرا منذ اختراعها، لتجسيد الوباء وجعله مرئيّاً. ما بات يُعرف لاحقاً بـ «فوتوغرافيا الوباء»، ظهر للمرّة الأولى مع الموجة الثالثة للطاعون الدملي الذي اجتاح العالم نهاية القرن التاسع عشر.
جنود بريطانيون يغسلون أحد المواطنين الباكستانيين، من «ألبوم لجنة الطاعون في كراتشي» (1897)
كانت تلك التغطية الأولى للجوائح فوتوغرافياً في صور ملأت الصحف العالمية. غير أن تلك التصويرات المبكرة، اصطدمت باستحالة القبض على الداء نفسه. الكاميرا التي فتحت منذ اختراعها سبلاً وأبعاداً جديدة للرؤية، أظهرت عجزها وحدودها مراراً. هذا ما رأيناه في جائحة كورونا، التي وضعت الكاميرا مجدّداً أمام العلاقة المهتزّة بالمرئي واللامرئي. ولسدّ الفراغ البصري الذي يخلّفه خفاء الفيروس، ظهر سيل لا يُحصى من التصويرات والتمثيلات البصريّة له في صور بيانية ورسومات توضيحية، لا تفعل شيئاً سوى أنها تتجاوز الجسد المريض والوباء نفسه، نحو تظهير النتائج التي أودى إليها، أو في حالات أخرى، سبل مواجهته كما في الرسومات الطبية. في مؤلّفها «جسد متألّم: صنع العالم وتفكيكه»، تنطلق الباحثة والأكاديمية الأميركية إلن سكاري من حقيقة فجّة تفضي إلى استحالة التعبير عن الألم لغوياً. ما يعني العجز عن بلوغ ألم الآخر أو الشعور به. تضرب مثالاً على ذلك، وجود شخص متألّم مع شخص آخر في غرفة واحدة. لن يستطيع فيها الأخير الشعور أو حتى فهم ما يشعر به المتألّم. مثل تكسّر اللغة أمام الألم، كذلك تعجز الفوتوغرافيا عن الوصول إلى الوباء وأعراضه وآلامه التي تلتهم الأعضاء والأجسام في الخفاء. عجز وصول الكاميرا إلى الفيروس، يبدو كمعادل لسوء الفهم الطويل بين الجسد المريض والجسد المعافى، وللمسافة التي تفصل المتفرّج عن الجسد الذي في الصورة، وهي المسافة نفسها التي تباعد ما بين جسد المتألّم والجسد القابع بجانبه.

الجسد المعطوب: الرؤية والمحو
كيف يمكن الاستدلال على الجسد المصاب بالكورونا لدى غياب أيّ عوارض؟ السؤال يبقى محصوراً بجانب طبيّ. حين يأتي الأمر إلى صورة الوباء، سيكون هذا السؤال مشروعاً دائماً في حالة غياب العوارض وفي حالة ظهورها على السواء. تلتقي صور الأوبئة بالإشكاليات الكثيرة التي ارتبطت بالكاميرا منذ ظهورها، ومنذ أن قام فالتر بنجامين بصياغة مصطلح «اللاوعي البصري»، مشيراً فيه إلى أن الكاميرا يمكنها النفاذ إلى نوع من اللاوعي البصري، تماماً مثلما يصل التحليل النفسي إلى اللاوعي. تقصّد بنجامين الإشارة إلى العوالم المرئية الجديدة التي شرّعتها العدسات والتي لا يمكن الوصول إليها بالعين المجرّدة. يختلف اللاوعي بالطبع عن الأمراض الجسدية المخبّأة والفيروسات، لكنهما يشتركان معاً بغيابهما. فتحت الكاميرا عوالم بصريّة جديدة، لكنها في الوقت نفسه، أكّدت على أن «هناك ما يبقى خارج الرؤية للأبد» وفق المصوّرة والأكاديمية الأميركية شون ميشيل سميث، التي تستعيد محاولات مصوّري الفوتوغرافيا الروحية لالتقاط أشباح الموتى بالتزامن مع صعود الحركات الروحانية في أميركا وأوروبا منتصف القرن التاسع عشر. ما أضافته هذه الحركات إلى التيارات الروحانية السابقة، هو طموحها لإثبات وجود الأرواح بدلائل مرئية وعلمية. الكاميرا كانت إحدى هذه الأدوات. تمسّك المصوّرون الروحانيون بطموحات هائلة، لا تكتفي بتصوير ما هو خارج البصر فحسب بل ما يفوق قدرة كل الحواسّ الأخرى. أحد أشهر هؤلاء المصوّرين هو ويليام ه. موملير الذي ظهّر صور زائريه في الاستديو الخاص به في نيويورك برفقة أرواح موتاهم، أشهرها صورة ماري تود لينكولن مع شبح زوجها الراحل أبراهام لينكولن، إلا أن هذه التجارب المفتعلة أودت بموملير إلى التوقّف عن العمل بتهمة الاحتيال.

سمات كثيرة متشابهة تربط ما بين الصور الحالية لكورونا مع صور الطاعون مثل الفراغ وصور المستشفيات والأطباء


تصوير الأوبئة محكوم مسبقاً بالإخفاق، مثل محاولات تصوير الأشباح وكائنات العوالم الخَفيّة. في الصور الصحافية لفيروس كورونا حول العالم، رأينا المرضى قابعين في أروقة المستشفيات، أو برفقة أجهزة التنفّس على الأسرّة. غير أن التعرّف إلى الأجساد المريضة، لم يكن ليكون متاحاً من دون الآلات الطبية، والديكورات الخارجية للمستشفى الذي يقبع المرضى داخله برفقة الممرضين والأطباء. عوارض الإصابة بالكورونا كدرجات الحرارة المرتفعة، ووجع العظام وفقدان حاسّتَي الشم والذوق، كلّها تجعل من التقاط المرض وتظهيره بصرياً أمراً متعذّراً. أمام هذه الاستحالة، راحت عدسات كثيرة تتتبّع عوارض المرض الخارجية في لقطات فوتوغرافية تكرّرت مراراً في دول عدّة، تعوّض ربّما غياب المرض نفسه. الكاميرا الساعية أبداً إلى الرؤية واللمس، تتبّعت العلامات التي خلّفتها الكمامات على الوجوه، خصوصاً وجوه الأطباء. لقطات تقصّدت تظهير جهود الأطباء وساعات العمل الطويلة، إلا أنها بدت كأنها تبتكر أعراضاً جديدة للمرض مثل العلامات الحمراء الماثلة على الوجوه، بسبب عجزها عن التقاطه. وبانصرافها إلى هذه الندوب الجسدية الظاهرة، فإن الكاميرا، كانت تقوم بالمحو بدل التظهير، تحديداً محو عوارض إصابة الجسد المصاب بكورونا، مقابل تظهير ما صنعته أقنعة الحماية من الوباء على وجوه الآخرين.

شارع بولڤار دو تومپل الخالي في باريس بعدسة المصوّر الفرنسي لويس داغير سنة 1838
صور الأمراض السابقة
في الفترة الأولى لانتشار كورونا، استعيدت سرديات الأوبئة السابقة من أجل التعرّف إلى الفيروس الجديد الذي كان لا يزال مجهولاً. من بين تلك الوثائق، ظهرت مجدّدّاً صور الطاعون كسبيل للمقارنة مع إجراءات الوقاية الحالية، مثل الأقنعة الواقية. شكّلت هذه الصور مرجعاً من كوارث صحية مماثلة، كسبيل لفهم التغيّر الطارئ. هكذا أسهمت تلك الأوبئة في تشكيل وعينا عن الوباء الحالي. هناك سمات كثيرة متشابهة تربط ما بين الصور الحالية لوباء كورونا مع صور الطاعون مثلاً، مثل الفراغ، وصور المستشفيات والأطباء. يعود ظهور «فوتوغرافيا الأوبئة» إلى الموجة الثالثة من وباء الطاعون الدملي الذي ضرب هونغ كونغ سنة 1894، وحاصر العالم حتى سنة 1958 أي بعد سنوات من اختراع الكاميرا. حرّرت تلك الصور الأمراض من طابعها الطبي فحسب، خصوصاً أنها كانت الصور الأولى للأوبئة في تاريخ البشرية التي نُشرت في الصحف والمجلّات حينها. ففي حين انصرفت الصور الطبية إلى تظهير المرضى وسبل العلاج وإجراءات الوقاية، وحملات التلقيح وغيرها من الإجراءات التي تُعنى بالطب وحده، راحت الكاميرا تظهّر أثر الوباء على المجتمع، وإجراءات احتوائه والسيطرة عليه على صعيد الدول والأفراد. نتيجة ذلك، التقطت الكاميرات حينها ممارسات سياسية رأيناها تتجدّد مراراً في صور الأوبئة وخياراتها المنشورة في الصحف. صوّرت العدسات منشأ الوباء الذي كانت قد توصّلت إليه الأبحاث الطبيّة. هكذا انتشرت صور الجرذان، وبعض الممارسات الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في نشر الطاعون أيضاً مثل طقوس الدفن. لدى ظهور وباء كورونا كذلك، عاد المصوّرون إلى أسواق اللحوم الحيّة في ووهان وبعض الدول الأخرى، وأخرجوا صور السوق الشهيرة من أرشيفاتهم. لم تنجُ هذه الصور من المقاربات العنصرية، سواء أكانت مقصودة أم غير مقصودة. إذ ظهرت مقاربات بصريّة عنصرية، أبرزها صورة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» العام الماضي للأسواق الصينية في الولايات الأميركية مع خبر عن إصابة المرأة الأولى في منهاتن، والتي كانت قد جاءت من إيران. نتيجة الانتقادات الواسعة، اضطرّت الصحيفة الأميركية لتغيير صورة الشارع الصيني، إلى صورة عامّة من مدينة نيويورك. ظهور الخطابات السلطوية في هذه الصور يبدو تكراراً لما ظهّرته صور الأوبئة منذ انتشار الطاعون. تحت سلطة الاستعمار البريطاني في الهند وباكستان وبنغلادش وغيرها من الدول، استخدمت الكاميرا كأداة استعمارية أخرى لتتبّع انتشار الوباء، خصوصاً في مدينة كاراتشي الباكستانية في ألبوم شهير بعنوان «ألبوم لجنة الطاعون في كراتشي» (1897). في هذا الألبوم، صور صادمة يقوم في إحداها الجنود البريطانيون بغسل أحد المواطنين الباكستانيين في وعاء، بينما يقف أحد الجنود بعيداً مع عصا في يده، مهدّداً جسد الرجل الباكستاني حتى قبل أن تثبت إصابته.

ظهرت مقاربات بصريّة عنصرية، أبرزها صورة للأسواق الصينية في صحيفة أميركية مع خبر عن إصابة المرأة الأولى في منهاتن


الخلاء مسرحاً للجريمة
كأنما الأمر حدث في لحظة واحدة. أُفرغت المدن من سكّانها. وصلتنا هذه الصور من كل العالم. صار الخلاء سمة المدن الموحّدة، بفضل إجراءات الحجر المنزلي وسياسات الدول لاحتواء وباء كورونا، وتحوّل إلى مادّة فوتوغرافية لتجسيد الوباء. لا مبالغة في القول إن هذا الفراغ صنع من المدن مدينةً واحدةً، ومن الشوارع شارعاً كبيراً يعبر القارّات. يستعيد هذا الخواء المستجد مع وباء كورونا لحظات تاريخية كثيرة من أوبئة عدّة، ظهر فيها الغياب الهائل للناس. غير أنه يشير كذلك إلى المراحل الأولى من تطوّر الوسيط الفوتوغرافي. أسباب هذا الخواء تختلف بالطبع، ولا يربطها الوباء نفسه. في الصور الأولى التي التقطها لويس داغير مثلاً لباريس في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان يصعب العثور على كائن حي. لم يكن ذلك خياراً جمالياً، بقدر ما كان اضطرارياً لعجز الكاميرا حينها عن التقاط الحركة والكائنات المتحرّكة، ما جعل من صوره للعاصمة الفرنسية عبارةً عن هياكل عمرانية وشوارع فارغة وصفتها الناقدة الفرنسية فرانسواز رينو بأنها مدن الموتى. الفراغ وحده ظهر لاحقاً، كخيار مقصود في صور الفنان السوريالي الفرنسي يوجين أتجيه (1857 – 1927)الذي أخرج من فراغ المدينة الغموض والشعور بالتهديد، شبّهها فالتر بنجامين بمسارح للجريمة. حينها، كانت هذه العزلات الخارجية انعكاساً للعزلة الداخليّة في المدن الكبيرة الآخذة في التوسّع. والآن حين نرى باحة متحف اللوفر الفارغة بسبب انتشار الفيروس، أو غيرها من الأماكن السياحية التي كانت في ما مضى تستقطب مئات الزوّار يومياً، فإن هذه الصور تظهّر لنا الأثر الخفيّ الذي تركه الوباء. ما يعيدنا مجدّداً إلى تشبيه بنجامين خلاء المدن بمسارح الجريمة. تظهير الوباء من خلال تصوير أثره في المدن والمساحات العامّة الخالية، دفع بعدد من النقاد إلى مقارنة صور الأوبئة بالصور الجنائية. تتخلّى الصور الجنائية لمواقع الجريمة منذ البداية عن تصوير المجرم. تلاحق بدلاً من ذلك، جريمته، وتنقّب عن أثرها. تبحث عن الدلائل كطريقة أخرى لتعريفنا بالقاتل، وهي تعوّل على هذا الفراغ بالتحديد من أجل إثارة الرهبة لدى المتفرّج، هذه الرهبة التي تشكّل ملمحاً أساسياً من ملامح القاتل. في حالة كورونا أيضاً، فإن الكاميرا العاجزة عن تظهير الوباء نفسه، تهتمّ بتوثيق الفراغ المديني كموقع لحدث هائل، غير أن ما يفصل بين القاتل والوباء هو أفعال القتل المتتالية، لا فعل قتل واحد.

ماري تود لينكولن مع شبح زوجها الراحل أبراهام لينكولن، بعدسة المصوّر الأميركي ويليام ه. موملير (1870)

آثار الكمامة الظاهرة على وجه أحد الأطبّاء

الصورة التي نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» للأسواق الصينية في نيويورك برفقة خبر إصابة المرأة الأولى في منهاتن