فنان عراقي يحول جدران مضيف عشائري إلى جداريات تحاكي الحضارة السومريّة

علي لفته سعيد
1 – ديسمبر – 2018
القدس العربي

حلم ومضيف

يقول الفنان الكركوشي إن حلم تنفيذ جداريات كان يداعب المخيلة ويكبر معها ويتناسل أيضا، لأن في الجداريات روحا قد لا نجدها في اللوحات الاعتيادية أو الفنون الأخرى، حتى في مجال النحت. فالجداريات تعني إعادة الروح لما كان في العهود السابقة. عهود التاريخ العراقي الزاخر بالفنون.
هذه المقولة للكركوشي تعيد حسابات الفن وأهميته حين كان واحدًا من طرق توثيق الحياة وطرق توعية الناس وطرق العبادة والربط بين الفن والسماء أو الآلهة. فلا حضارة بدون فن ولا فن بدون جداريات، وتلك التي عرفت بالمسلّات والحروف المسمارية والرقيمات الطينية، لتكون كتبًا ووثائق تاريخية وبحثا في الحياة. والكركوشي وهو نحات حاصل على شهادة ماجستير فنون جميلة في قسم النحت، ورئيس اتحاد الفنانين التشكيليين العراقيين فرع كربلاء، ورئيس منتدى الفنانين التشكيليين الشباب سابقاً، يحلم أن ينفذ كلّ التاريخ العراقي حتى لو كان منذ بدء الخليقة، هو ما وجده في دعوة أحد رؤساء القبائل الأمير ثائر عبد الواحد الكركوشي أمير زبيد، الذي أنشأ أحدث مضيف للعشائر وفق الطراز المعماري الحديث، وليس من قصب أو بناء طبيعي من الطابوق، فوجد فرصة في جدران المضيف المستطيلة لتنفيذ جداريات مستطيلة، وكأنه يكتب التاريخ بأزميله من جديد، ويعيد صياغة المنحوتات بأسلوبه، بدون أن يخرج عن سياق السمات الفنية والتاريخية لكل مرحلة.

جداريات وحكايات

جداريات الكركوشي نفذت بطريقة نحت بارز (ريليف) وليست لوحات رسم، وتبدو كلّ جدارية بطول أربعة أمتار وبارتفاع متر و30 سم فيكون مجموع ومجمل مساحات الجداريات ما يزيد على 42 مترًا مربعًا، معتمدًا بكلّ تأكيد على خزينه المعرفي وقراءاته العديدة للتاريخ، وعبر مصادر ومراجع رصينة، لإخراج العمل الفني برؤيةٍ أكاديميةٍ في البحث والتقصي، لإغناء المتلقّي بمعرفة تاريخية من خلال صورة العمل الفني الذي يصل إلى الأذهان أسرع من الكلمة. وبهذا يقول: أنجزت العمل بعد مخاضٍ عسيرٍ لتقنيات النحت، باستخدام الطين كمادّة وسيطةٍ، وهي المادة التي استخدمها الأسلاف في النحت وصنع أدواتهم اليومية.. ومن ثم تم عمل قوالب ضخمةٍ احتوت تلك المنحوتات. وفي المرحلة التالية تم صبّ الأعمال في حالتها النهائية من مادة البولستر وتسليحها بالألياف الزجاجية (الفايبر كلاس).. وبعد ذلك تم تعتيق المنتج ليتخذ روحية البرونز، باستخدام الألوان المختلفة. ويقول أيضا: إن العمل استغرق خمسة أشهر، وهو زمن قياسي نسبة إلى دقّة العمل والبحث التاريخي والتمعّن في السمات والخصائص الفنية لكل مرحلةٍ من المراحل الحضارية. وكان العمل في أشهر الصيف الحارة المعروفة في العراق، التي يضاف لها انقطاع شبه تام في التيار الكهربائي.
حكايات الجداريات تعبّر عن الحقب التاريخية للحضارة العراقية، وهو الحلم الذي تحقّق ويقول: لا اهتمام بالفن في العراق، سواء في الحقبة الماضية أو الحالية، فالجميع يعد الفن، إما مكمّلًا للسلطة، أو إنه معادٍ له أو إنه يجب أن يكون بالنظرة ذاتها التي يحملها الحكم. ويتحدّث بشيء من الفخر عن عمله فيقول: إنها ثماني جداريات تمثّل حضارات بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا) على التوالي، بدءاً من حضارة سومر التي عرفت البشرية الكتابة من خلالها، وكذلك سجل أوّل عمل أدبي في تاريخ البشرية وهو (ملحمة جلجامش) وهذا ما تمّ تجسيده في الجدارية الأولى، لتليها جدارية ثانية تمثّل الحضارة الأكدية، ويعتبر الأكديون بُنات دولة قوية اعتبرت أوّل امبراطورية في التاريخ على يد سرجون الأكدي وحفيدهُ نيرامسين. ويواصل حديثه فيقول: بعدها برزت حضارة الانبعاث السومري الأكدي، التي امتازت بالبناء والقوة العسكرية، ومن أشهر ملوكها أورنمو الذي بنى زقّورة أور الشامخة حتى هذه اللحظة بالقرب من مدينة إبراهيم (ع) إلى الشمال من مدينة الناصرية. وتم بعد ذلك إنجاز جداريةٍ رابعةٍ تمثل حضارة بابل الأولى، ومن أشهر ملوكها حمورابي الذي شرع أولى القوانين للبشرية. أما الجدارية الخامسة فقد جسدت الحضارة الآشورية التي امتازت بقوّةٍ عسكريةٍ وبناء صروحٍ عظيمةٍ ما جعلها من أقوى الامبراطوريات في حينها. أما في الجدارية السادسة فقد تمّ تجسيد بوابة عشتار والملك نبوخذنصر، التي تمثل حضارة بابل الحديثة، وتم في الجدارية السابعة تجسيد حضارة مملكة الحضر، وهي أولى المملكات العربية التي قاومت الغزاة والاحتلال الروماني والفارسي، ومن بعدها الجدارية الثامنة التي تمثل الحضارة الإسلامية التي امتازت بالعمارة والنقش الإسلامي والخط العربي.

استنطاق

ما يميز أعمال الفنان الكروكشي أنها أقرب إلى تجسد ما يراه المتلقّي في المتاحف على الأقل من النظرة الأولى، لكنه حاول أن يعطيها ملامح الحاضر في التجديد على إنها الانبعاث الذي تحتاجه الأمة. وهو ما فعله مثلا مع تمثال سرجون الأكدي، الذي من المعروف إنه فقئت عيناه وقطعت أذناه وأنفه كنوعٍ من الانتقام. لكن الكركوشي جعله بكامل هيبته وكأنه يبعث من جديد.
وهذه الأعمال التي تمثل تاريخ الحضارات الأولى للعراق لم تكن هي أولى أعماله فقد سبقتها أعمال كتمثال جلجامش الذي شارك به في مسابقة وزارة الثقافة والإعلام، وكذلك مسابقة نصب العراق في ساحة الفردوس في بغداد، وبعدها تم تجسيد أسطورة جلجامش بعدد من الجداريات ما يقرب مساحتها إلى 75 مترا مربعا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*