الرئيسية / home slide / فلاحون نبلاء وأطباء وشيوعيون أشرار.. عودة إلى التاريخ الثقافي والاجتماعي للأوبئة

فلاحون نبلاء وأطباء وشيوعيون أشرار.. عودة إلى التاريخ الثقافي والاجتماعي للأوبئة

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
05122020

مع اندلاع وباء كورونا، شكّلت الحياة الجديدة (حياة الحجر) والانقطاع عن ممارسة النشاطات اليومية المعتادة، دافعا لدى العديدين للكتابة في هذا الشأن، ليصدر عدد كبير من المقالات والكتب والانطباعات عن هذا المرض وعلاقتنا به. ولذلك يمكن القول إن من تأثيرات هذا الوباء، فتحه الباب للنقاش حول تاريخ الأمراض وما خلقته من تغيرات، سواء في تاريخ مدننا العربية أو على صعيد العالم، كما أنه أتاح فرصة للباحثين للتعرف على تواريخ أخرى بديلة عن التواريخ السياسية أو الاقتصادية، وهي تواريخ شملت الذهنيات والطقوس والسلوكيات والمؤسسات التي تعاملت مع هذه الأوبئة. وبما أننا نعيش اليوم موجة جديدة من هذا الوباء، وجدنا من الضروري العودة مرة أخرى لتاريخ بعض الأوبئة، التي اجتاحت العالم، خاصة مع إصدار مشروع كلمة للترجمة قبل أيام قليلة كتاباً جديداً بعنوان «الجوائح» ترجمة حسن عزلان، من تأليف كريستيان ماكميلان، مؤرخ متخصص بالتاريخ الاجتماعي للأوبئة، وقد صدر في عام 2016 عن مطبعة أكسفورد. وسيصحبنا المؤلفُ، في هذا الكتاب، برحلة لن أقول إنها سعيدة على الصعيد الإنساني، فهي مليئة بالموتى والإصابات، إلا أنها غنية على صعيد أسلوب الكتابة التاريخية، خاصة وأنه لا يروي لنا النقاشات الطبية حول الأوبئة، وكيفية علاجها فحسب، وإنما سيركز على البشر والمؤسسات السياسية، والعادات التي كانت تحيط بها وكيفية تفاعلهم معها، سواء عبر اعتمادهم تفسيرات دينية أو دنيوية، أو اعتبارها مؤامرة، كما حدث مع كورونا، أو على صعيد خلق مؤسسات وأساليب صحية جديدة للتعامل معها.
يبدأ المؤرخ حكاياته مع مرض الطاعون، الذي عرف، وفقاً للمؤلفِ، أكثر من موجة. وكانت غزوته الأولى في القرن الخامس الميلادي، حينها وصلت السفن الموبوءة من مصر إلى موانئ غزة وعسقلان عام 542 وانتقل من هناك إلى دمشق، وكان لهذا الانتشار آثار كارثية على الإنتاج الزراعي وأعداد السكان في المجتمعات المستقرة. أما في جزيرة العرب، فقد أسهم نمط حياة الترحال في منع الطاعون من إحكام قبضته على تلك المنطقة، ما زاد من قوتهم العسكرية والبشرية لاحقاً. وبسبب كثرة تكرار انتشار الطاعون في سوريا، مع بداية العصور الإسلامية الأولى، اكتسبت سمعة أنها أرض مبتلاة بالطاعون والتصق بها ذلك الانطباع.
مع عودة الطاعون في القرون الوسطى، كنا نشهد هذه المرة تطورات اجتماعية مختلفة عن موجاته الأولى. ففي عام 1349 أجبرت ندرة الأيدي العاملة في بريطانيا أصحاب بعض المزارع على الدخول في اتقافية جديدة مع المستأجرين والفلاحين، وبشروط أكثر إرضاء لهم. وفي عام 1351، أعفي الفلاحون في أكسفورد من العديد من التزاماتهم، وطالب الكثيرون منهم بتعديل قوانين الآجار والعمل، كما طالب الممرضات والحرفيون الصغار ممن يمتهنون الأعمال اليدوية، بثلاثة أضعاف المعتاد مما يتقاضونه، وطالب عمال الزراعة بتوفير الثيران وجميع البذور، وقد أدت هذه الدعوات إلى خلق تغيير ملحوظ في العقلية التي ظهرت في أعقاب الموت الأسود، والعقود اللاحقة من القرن الرابع عشر، ولعل ما يدعم وجود هذه التغيرات هي تعليقات النخبة وامتعاضها من سلوك الفلاحين، الذين برأيهم أخذوا يستخدمون الفائض في شراء ملابس لا تليق بمنزلتهم في الحياة، ومارسوا الصيد الذي كان في ما سبق حكرا على الأغنياء. وفي هذا السياق، نعثر على رثاء جون فوار حول انقضاء الطرائق القديمة، إذ يذكر أن المزارعين في سالف الزمان لم يقتاتوا على خبز القمح، بل كان خبزهم من الفاصولياء والذرة، وشرابهم الماء، ثم إن الجبن والحليب كانا بمثابة الوليمة لهم، ونادراً ما نالوا وليمة غيرها. كما كانت ملابسهم رمادية بسيطة وكانوا منظمين، أما بعد قدوم الطاعون فقد غدا الخدم أسيادا يتفاخرون بمحاكاة سلوك الرجل النبيل، ويقلدون مظهره في ملبسهم. ولم تقتصر التغيرات على تبدل علاقات القوة بين الفلاحين والنبلاء، بل طالت أيضا الكنائس والتعليم، فندرة الكهنة والهفوات في التعلم الناجمة عن الطاعون، كانت الملهم لإنشاء الجامعات. كما فسح انهيار الكاتدرائيات الكبرى في إنكلترا المجال أمام بناء كنائس أصغر وأكثر اعتدالا. والطريف أيضا أنه مع نهاية القرن الرابع عشر، وبشكل أكبر خلال القرن الخامس عشر، أخذ الأطباء ينظرون إلى الطاعون كفائدة وفرصة تصب في مصلحتهم، ليس على صعيد بروز دورهم وتقديره، مقارنة بالسابق فحسب، بل أيضا شكلت كتاباتهم وشروحهم عن هذا المرض فرصة لظهور نمط جديد من الكتابة وكتّاب جدد (الأطباء) يقدمون قراءة ولغة مختلفة عن القراءة والكتابات الدينية.

أما في جزيرة العرب، فقد أسهم نمط حياة الترحال في منع الطاعون من إحكام قبضته على تلك المنطقة، ما زاد من قوتهم العسكرية والبشرية لاحقاً. وبسبب كثرة تكرار انتشار الطاعون في سوريا، مع بداية العصور الإسلامية الأولى، اكتسبت سمعة أنها أرض مبتلاة بالطاعون والتصق بها ذلك الانطباع.

كما يؤكد كريستيان أنه مع مرور الأيام كان هناك من يقول بأن الإصابة تتولد عبر العدوى، ما ولد فكرة الحجر الصحي، وعزل الناس والبضائع، ووضع القيود على السفر، ومنع التجمعات العامة كالمحافل الدينية، وكذلك أتاح للدولة زيادة رقابتها على حياة الأشخاص المرضى. وسيشمل التغير علاقة أوروبا بالعالم الإسلامي، إذ يرى كريستيان أنه مع تفاقم تأثير هذا الوباء، كان هناك رأي وقناعة تتولدان حول دور الشرق في ولادة هذا الداء، ولذلك أخذت الدعوات تتزايد بضرورة القطيعة مع هذا العالم، ما ساهم في تسريع الانقسام بين الشرق والغرب، الذي سيزداد عمقا خلال جوائح الكوليرا في القرن التاسع عشر. وفي هذا التفسير، نرى أن العامل الذي لعب دوراً في زيادة الانقسام، لم يتعلق فحسب بالحروب الصليبة، وإنما كانت الكوليرا هي من تعيد صياغة العلاقة السياسية والدينية في المنطقة.

الجدري… الحداثة اليابانية

مع وباء الجدري، الذي لازم البشرية عبر قرون، نلاحظ أن تأثيراته لم تقتصر فحسب على الديموغرافيا البشرية، بل دفع ببعض المجتمعات مثل الهنود الحمر إلى تطوير رقصة لتهدئة روح الجدري. كان الجدري قبل القرن السابع عشر قليل الأثر، وقلما ذكر في النصوص الطبية، أو روايات المؤرخين والرحالة على أنه مرض خطير، لكن بحلول القرن الثامن عشر أصبح القاتل الرئيس في قارة أوروبا، ومسؤولا عن أكثر من 8٪ من الوفيات في لندن. وربما من القصص الطريفة التي تتعلق بهذا المرض هي قصة اكتشاف لقاحه، إذ واجه بداية قبولا متشككا، وعدائيا من جانب اليابان، التي شهدت معركة كبيرة حوله، وهي معركة لم تتعلق بالجانب الطبي فحسب، بل أيضا بمدى قبول زعمائه للعلاج الغربي من عدمه. ولذلك نظر لاحقاً إلى الذين أدخلوا اللقاح لهذا البلد على أنهم الطليعة التنويرية التي أرادت انفتاح اليابان على الغرب، فكان اللقاح معبرا أساسيا نحو الحداثة.

الملاريا… الشيوعيون الأشرار

وفي سياق قراءته لتاريخ وباء الملاريا، يؤكد كريستيان، أن هذا المرض هو وليد التغيرات الحضرية، فقد أدى التوسع في المراكز المدينية، وبالتالي الإنتاج الزراعي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر في إنكلترا إلى استنزاف الأراضي وظهور الأهوار الزراعية، ما شكل بيئة مثالية للملاريا، كما فاقم الصرف الصحي السيئ وتراكم المياه الملوثة في المدن من انتشاره. ومن خلال التعرف على الأساليب التي استخدمها الناس آنذاك، نكتشف أن استخدام المناخل للأبواب والشبابيك، كانت نتاج هذه الفترة، ثم أخذت بالانتشار. ولعل اللافت أيضاً في قصة محاربة الملاريا، ارتباطها بمشروع تشجيع الديمقراطية، واجتثاث المد الشيوعي، إذ أعلنت إدارة التنمية الدولية في الولايات المتحدة عام 1956 أن مكافحة هذا المرض، ساهمت في تخفيف الاكتظاظ الحضري في جزيرة جاوة الإندونيسية، كما سمح اتحاد استقلال فيتنام برش مبيد «دي دي تي» وتخليص الريف من الملاريا، ما عنى أن الفلاحين الذي لا يملكون أرضا في السابق يمكن أن يصبحوا مزارعين ناجحين على الأراضي المستصلحة حديثا، ومنعهم بالتالي من أن يصبحوا إرهابيي هوك (حركة شيوعية مناوئة لليابان وحكومة الفلبين) ولذلك عنت الملاريا حجب التطور، والوقوف في وجه الحداثة، وهذا ما عبّر عنه خبير الملاريا باول راسيل بالقول: «ساعدت الملاريا على تعريض مجتمع للإصابة بالجراثيم السياسية التي يمكن أن تهدم الحرية».

الكوليرا… الهند مصدر الشرور

مع أن الكوليرا وجدت في الهند منذ القرن الثامن عشر على الأقل، إلا أنّ وباء عام 1817 يعد بداية تاريخ الكوليرا بوصفها وباء يجوب العالم. ومنذ ذلك الحين، تفشت سبع موجات للكوليرا في أنحاء العالم، وأصبحت مرض الفقراء من أهل المدن والمهاجرين من الهند، قبل أن تتحول إلى وباء كبير، كشف عن ضعف البنية الصحية الأوروبية من ناحية، وكذلك عن مواطن القلق والانقسامات الاجتماعية والاقتصادية في أماكن كباريس ولندن ونابولي وهامبورغ، كما رمزت إلى عالم أصبح أصغر وأكثر اتصالاً، فقد اخترق الوباء حدوده. ويؤكد كريستيان، أن الرواية التي بقيت سائدة هي أن الهند مصدر هذا المرض، لكن البحوث المتعلقة بالتاريخ الطبيعي للكوليرا في السنوات الأخيرة جعلت المؤرخين أقل تيقنا من مصدره، وهذا ما يفتح المجال أمام احتمال أن الأوبئة المشابهة للكوليرا في أوروبا، قبل عام 1817، كانت في الواقع أوبئة كوليرا. مع زحف المرض لأوروبا، اشتعلت الفوضى في بريطانيا عام 1832، إذ صب الغوغاء غضبهم على الأطباء، فقد شكوا في أنهم يسممون الفقراء من أجل جمع جثثهم لاستخدامها في دروس التشريح لدى كليات الطب، وفي فرنسا، أظهر بعضهم قلقا من أن الأغنياء خططوا للتخلص من الفقراء باستخدام الكوليرا. كما نكتشف أنه عندما اقتربت الكوليرا من أبواب موسكو في خريف عام 1830، بنت روسيا خط دفاع قوي عبر قطع الطرق وهدم الجسور ومنع المرور من المدينة وإليها، وأدى وضع المرضى في المستشفيات بشكل قسري إلى إشعال فتيل اضطراب شعبي في موسكو وسانت بطرسبرغ.

الأنفلونزا… حرب كيميائية

كانت الأنفلونزا التي اجتاجت العالم في موجتين عام 1918 وموجة ثالثة عام 1919 أسوأ جائحة في التاريخ منذ جائحة الطاعون، وقد بقي مصدر هذه الأنفلونزا غامضا، وغالبا ما ذكرت آسيا في هذا السياق. لكن في أوروبا، كان للطليان موقف آخر حيال ظهوره، فقد انتشرت في ايطاليا الشائعات التي تقول بأن الأنفلونزا ليست مرضاً، وإنما هي حرب كيميائية اقترفها الألمان. كما طاف على السطح رأي طبي يقول بأن مصدرها هو الجراثيم، ما أجبر دور السينما في لندن على بناء نظام تهوية جديد.
في الكتاب أيضا عشرات القصص التي تولدت عن الأفارقة بوصفهم حاملي الأوبئة، قبل أن تعدل الاكتشافات المخبرية من هذه الصورة العنصرية، كما نتعرف على ظروف ثقافية واجتماعية جديدة أحاطت بها، وهذا ما يذكرنا ربما ببعض الصور التي نعيشها مع كورونا. وفي الختام ينهي مؤرخنا كتابه بملاحظة، ربما تكون مهمة بالنسبة لنا، وهي أن الأوبئة تمر بموجات عديدة، وأن التخلص من آثارها لا يكون بالأمر الهين، أو بالأحرى لن يكون شيئا مؤقتا، ففي الغالب كانت عناصر هذه الأوبئة لاعبة وفاعلة في التاريخ، إلى جانب الصناعيين والسياسيين والاقتصاديين، ولذلك لا بد من وضعها في الحسبان في أي تخطيط للبلدان وبناها الصحية والثقافية.

٭ كاتب سوري