الرئيسية / أضواء على / فضيحة والإهدار بالمليارات: رواتب تدفعها الدولة لـ126 موظفاً وهم في منازلهم!؟

فضيحة والإهدار بالمليارات: رواتب تدفعها الدولة لـ126 موظفاً وهم في منازلهم!؟

تكاد لا يمرّ وقت حتى تعلو صرخة من هنا وهناك مصدرها أشخاص في اختصاصات مختلفة نجحوا في امتحانات رسمية لوظيفة معينة تقدموا إليها بناء على طلب مجلس الخدمة المدنية، وبعدها توقف توظيفهم لأسباب إما طائفية أو سياسية أو لعدم رضا هذا الزعيم أو ذاك على النتائج، فانتهى بهم المطاف إما بإلغاء الامتحان أو ترك المرشحين في الهواء (لا معلقين ولا مطلقين) يتوسلون السياسيين والزعماء ليتكرم عليهم أحدهم بتعيينهم فيصيروا مدينين له مدى الحياة. وما يجري بالنسبة إلى موظفين في المطار وخبراء المحاسبة والمراقبين في الضمان الاجتماعي وغيرهم لخير دليل على ذلك.

ما سنعرضه، وللمفارقة، مختلف تماماً. فغالباً ما يتم توقيف الدورات قبل صدور مرسوم التوظيف والانصراف عن نتائج المباريات، إنما في حالتنا اليوم الوضع مغاير، وخلاصته توظيف 126 رئيس دائرة (فئة ثالثة) في المعهد العالي للادارة وصرف أموال طائلة عليهم خلال سنة ونصف سنة، وصرف رواتبهم الشهرية باعتبارهم قانوناً موظفين رسميين من دون تعيينهم والاستفادة من خدماتهم. فهم يلازمون منازلهم ويتقاضون رواتبهم كل شهر مع ما يترافق معها من تقديمات، كما استفادوا من سلسلة الرتب والرواتب من دون تقديم أي شيء أو الالتحاق بأي مركز.

تعبيرية.

حكاية التوظيف

القصة بدأت منذ عام 2012 عندما أعلنت الدولة اللبنانية عن حاجتها إلى نحو 300 موظف فئة ثالثة لمراكز شاغرة، وعيّنت امتحانات عبر مجلس الخدمة للتقدم الى هذه الوظائف، وهكذا جرى ففاز في هذه الامتحانات 133 شخصاً فقط ممن تقدموا. غير أن استدعاءهم في عام 2013 كما كان مقرراً لم يحدث نتيجة تقاعد رئيس مجلس الخدمة المدنية الوزير السابق خالد قباني ونائبه، الأمر الذي أجّل الاستدعاء لأواخر عام 2014 حيث صدر مرسوم باعتبارهم طلاباً في المعهد الوطني للإدارة، وتالياً موظفين رسميين. وفي 2 شباط 2015 التحقوا بالمعهد، ودرسوا مدة 15 شهراً وهي دراسة أقرب الى ماستر في الادارة الحديثة والبحوث والقوانين وتحديث القوانين تطلبت جهداً كبيراً قبل تخرجهم في نيسان 2016.

وكانت الآلية تقضي بأن يُختار الطلاب عبر مجلس الخدمة ايضاً وتبعاً للمراكز الشاغرة يعينون في المراكز الأنسب لهم في المرحلة الاولى، ويدرس المجلس الطلبات ويقيم في مقابلات مع الناجحين ومن ثم يقترح تعيينهم بحسب العلامات في المرحلة الثانية، وبعدها يعدّ مجلس الخدمة المدنية المرسوم بهذه التعيينات الى مجلس الوزراء وهذا ما جرى في تشرين 2016، وكله على أساس ان يمر المرسوم في أول جلسة لمجلس الوزراء وينطلق الجميع الى مهامه. وهذا ما لم يحدث، إذ انطلق الموظفون نحو منازلهم ولا يزالون.

تعبيرية.

(الصورة تعبيرية)

وعود من دون تنفيذ

لا تبرير رسمياً حتى الساعة لهذا التأخير، والموظفون لم ينالوا سوى الوعود بأن تعيينهم سيكون عند أول جلسة لمجلس وزراء، مطالبين في كل فرصة سانحة بتوزيعهم على الإدارات. “وعالوعد يا كمّون”.

وفي هذا السياق، ووفق المعلومات، فإن الموظفين الـ133 أصبحوا 126 بعد التحاق 3 منهم بالسلك القضائي بعد نجاحهم فيه والأربعة الآخرون التحقوا بالسلك الديبلوماسي ووزارة المالية، اما الباقون فتوزيعهم ليس فيه اختلال كبير فهم يتشكلون من 75 مسلماً و51 مسيحياً، استحقوا سلسلة الرتب والرواتب ولم يقبضوها حتى الساعة لأن معهد الادارة ليس لديه ميزانية لكنهم سيتحصلون عليها من دون شك. وهم يقبضون رواتبهم من دون أي تأخير، وتبلغ نحو مليون وخمسمئة ألف تقريباً من دون السلسلة. وفي عملية حسابية بسيطة، يظهر أن الدولة أهدرت المليارات كرواتب من نيسان 2016 حتى اليوم (نحو 5 مليارات) على هؤلاء الموظفين من دون أن تسفيد منهم بأي خدمة ولا تزال المهزلة مستمرة.

ضرر مادي ونفسي واجتماعي

من جهة ثانية يرفض الموظفون أن يكونوا عالة على الدولة وعلى الخزينة لا سيما أن هذا الامر بدأ يؤثر عليهم وعلى عائلاتهم، فهم دفعوا 35 مليون ليرة كفالة طلبتها الدولة منهم فور دخولهم الى المعهد (بناء على تعهد بعدم ترك الوظيفة خلال 10 سنوات لأن الدولة ستتكلف تعليمهم وتوجيههم)، فجزء منهم رهن منزله وأملاك اهله لتأمين المبلغ، إضافة إلى الضرر النفسي والاجتماعي الذي يصيبهم فهم يضعون مجموعة من الشباب المتفوقين في جامعاتهم أغلبهم يحمل شهادات الدكتوراه والدراسات العليا في منازلهم من دون اي إنتاج او اي استثمار لشهاداتهم ومعارفهم، فهم ممنوعون من العمل والتوظف في أي مؤسسة أخرى، وحتى من التظاهر أو التصريح الى الاعلام لكونهم موظفي دولة. زد على ذلك فهم نسوا ما تعلموه في المعهد حول الإدارة الحديثة لمرافق الدولة نتيجة هذا التأخير، كما انهم لم يوفروا وسيلة للضغط والمطالبة بتعيينهم ولم يستخدموها وجميعها فشلت حتى الساعة آخرها طلبات متوالية لموعد من القصر الجمهوري من دون الحصول على جواب.

هذا وعلمت “النهار” أن سبب التأخير في التعيين ليس فقط الحجة المعهودة بعدم التوازن الطائفي، بل الخلاف على توزيعهم والدوائر التي سيرأسونها. وهناك اعتراض من “التيار الوطني الحر” على طريقة التوزيع المرسلة من مجلس الخدمة المدنية، وهو يريد إجراء تعديلات عليها ويطالب بمراكز معينة لمقربين منه، وهذا ما يرفضه مجلس الخدمة الذي يصر على تشكيلاته التي بنيت على أساس اكاديمي وبناء على علامات الموطفين والمقابلات معهم.

الحوت: المحاصصة هي السبب

إلى ذلك حاول بعض النواب التدخل للدفع بهذا الموضوع قدماً ولكن محاولتهم لم تنجح، ومنهم النائب عماد الحوت الذي كشف لـ “النهار” أن المرسوم بحاجة الى تواقيع عدة وزراء ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية ليصبح نافذاً، وهذا يبدو متعثراً بسبب اللعبة الطائفية والتذرع بالمناصفة”.

وعن أن مشكلتهم لا تشبه غيرهم وخصوصاً أنهم اصبحوا موظفين ويقبضون رواتبهم، فرأى أنها “جزء من المشكلة ولو كانوا موظفين، فالمعيار الأساس للدولة اللبنانية هو المحاصصة الطائفية لا الكفاءة”.

وشدد على أن الموظفين يرغبون في مباشرة العمل لكن دولتهم لا تريد بسبب نزعتها الطائفية ولو أنها تدفع رواتبهم، مؤيداً رأي مجلس الخدمة المدنية بعدم المس بالتعيينات والتصرف بطريقة انتقائية”.

alexandre.khachacho@annahar.com.lb

twitter:@alexkhachacho

اضف رد