الرئيسية / مقالات / فصح في زمن الكورونا

فصح في زمن الكورونا

صلاة أمام أحد الكنائس في ميلبورن الأوسترالية (أ ف ب).

هذا العيد ليس عيدا يا “توما”. فالعيد من دون لقيا يصير وهماً او سراب عيد. الناس تصنع العيد.

هذا الموسم افتراضي في عالم العزلة والافتراضية. فاللقاء في خبر كان، على أمل “لعلّ” التي هي من أخوات “إنّ”.

كورونا يضرب ما تبقّى من اجتماعية الانسان. يلغي ارتباطه بعوالم الواقع، ويحوّل البشرية الى جزر غير مترابطة. مصمِّم هو على انهاء ما تبقى من اجتماعية البشر. مزمع على عزلهم.

أتى فيروس التباعد كي يعيدنا الى المغاور. يعيدنا الى جاهليتنا وبرّيتنا. فلا نعود نتواصل الا من خلال نوافذ عالم افتراضي ممسوكة. يدخلنا الى صوامع وبرية. ومن لا يتقن طرائق النسك والتفتيش في نفسه عن العيد، تلتهمه البراري وينساه رب العيد. فصحنا في هذا العام ليس لقاء واناساً تنتفض في الشوارع مرنّمة أناشيد النصر والغلبة على الموت. ولن ينطر البوسطجي حنّا أبواب الموت، فيقتحم الخوري طنسى تلك المملكة كاسراً أمخالها. فالبوسطجي رحل قبل مشوار الصوم حاملاً معه مفاتيح ذلك الباب.

فصحنا لهذا الموسم نسك وفصح “مريم المصرية” في البرية. هناك حيث لا تعاين إلا وجهه تعالى.

أقفلتُ ابوابي كي ألج الى أعماق نفسي، فلا يلتهمني الضجر. فتعلمت من الكورونا أهمية الآخر بالنسبة اليّ. منها تعلمت أهمية اللقاء والمواسم. فالإنسان لا يقدِّر ما لديه إلا حين يُحرم إياه.

وقلت لربّي:

“سيدي، البارحة خرجت من مملكة عزلتي، وقررت ان أفتش عنك. قررت ان اعرّج على البيوت. قرعت الأبواب فما فتحت ليَ الأبواب”.

هجرت الأنغام الكنائس يا توما، والشعب هجر الكهنة. فأدركوا وأدركنا أهمية ان نكون معا. وحدها الاجراس مكثت تقرع وحيدة. ولمن تُقرع الاجراس؟

بحثت عن أنغام انتظرها سنة بعد سنة، وموسما بعد موسم. انتظرتها كي تحملني الى الصاعد الى اورشليم العلوية، فأمضي معها على درب جلجلته الى فوق ولو لحظات. ما سمعت اهازيج أطفال يهللون له وهو داخل في رحلته الأخيرة الى المدينة الايقونة التي لعنها. فحتى الأطفال التهمتهم الأبواب.

بحثتُ عن طيب الزانية في ترنيمة كاسياني. مضت الترنيمة وأخذت الراهبة كاسياني وكلماتها. ضاعت وما وجدها الأمير الذي مضى يبحث عنها كي يسرقها من عزلتها ونسكها.

فصرخت:

“بحثت عن محياك يا ختني القادم في نصف الليل ولم اجدك. اتراك وافيت في نصف الليل وما وجدتنا بين العذارى العاقلات؟

سألت ان ادخل خدرك. الا انّ ثيابي كانت خوفا وشكوكا وقلقا. ما كانت العيد. فبقيت خارجا ابكي.

اتراك مررت على تينتنا غير المثمرة وقطعتها؟

اين يوسف، أيكون ضاع في طريقه الى مصر، ام التهمته الوحوش كما قيل لأبيه؟”.

وتطلعت فوجدت قميصه المضرّج بالدماء. ووجدت يعقوب ينتحب يوسفه: يا يوسفي ومخلّصي. فانتحبت على حضارتي وعالمي. وتطلّعت، وقلت لي: “اصبر مع أيوب”.

ابلغتني بانك لست في البيوت الحجرية يا ختني. ابلغتني بانك لست في دفّتَي كتاب بل في التاريخ والحاضر والمستقبل. ابلغتني بانك في ضيافة الغرباء والمعذبين والمتألمين والمهمشين. أيها الغريب الذي لم تجد لك مكانا تسند اليه رأسك، أيها المتمرد في الحق. ورأيتك، وعند التينة في المدينة العظيمة رأيت يهوذا معلقاً وفي جيبه كل أموال العالم وقد اكله الوباء. وانا تعلقت قربه على تينة اوهامي ومخاوفي يا ربي وملكي.

في برد الرواق استمعت الى الديك يعلن انكشاف المستور من هشاشتنا. فبكيت مع بطرس انكار ارث المحبة، واستمعت بخوف وجبن الى حكم محفل مخالفي الشريعة. جميعنا اثمنا وأسلمنا حضارتك الى المرائين يا سيدي.

وغسل بيلاطس البنطي يديه من دم الصدّيق، وكل صدّيق في العالم، وعاد الى قصره. هكذا تنتهي الحضارات عندما لا يجعل ملوكها الحق هدفا والآخر ضرورة. تنتهي بتسييج الأنا عن المتألم. وحده يوسف الذي من الرامة ما بين كل اليهود وقف لدى بيلاطس ملتمساً جسد الغريب الذي باعوه بثلاثين من الفضة. وحده وقف مدافعا عن الإنسانية. ودفن الجسد وطيّبه.

وجلست على قدميك مع مريم وصحبها. وتأملت كيف أفرغت نفسك بالكلية، فمتّ عن الشعب. فالموت في سبيل الآخر والتسليم الى الحقّ قيامة. سألتك ان ادخل الى ملكوتك كلصّ اليمين.

ورقدت. فاهتزت الأرض وتشققت الجدران. وستار الهيكل تمزق. فرح الأشرار وبكى الابرار. وظنّ البشر ان لا إله. وأنهم دفنوا الخير والنور.

وقفت في اليوم التالي خائفا امام قبرك، ودعوتك ان تقوم وتحكم الأرض. وانت ستقوم حتما. فالفصح الجديد قادم لامحالة. قادم وسنعبر من ارض الى سماء، ومن ملوحة الى عذوبة. وستقبلني حتما انا الضعيف والفقير والساقط. اعلم انك عارف بأنه مازال في ارضنا ابطال و”البطولة تترافق مع النقص، والعقل مع الضعف، والشجاعة مع التردد”، كما قال ونستون تشرشل يوما. اعلم أنك ستقوم وستغلب الخوف وستعود الى شوارعنا وازقتنا بهجة العيد وفرح القيامة.

سيقوم المسيح وستضع يدك في جراحه يا توما الصغير. وسنعود نعاين معا كيف يقتحم الخوري طنسى امخال الجحيم التي ينطرها البوسطجي “حنّا”. فنضيء شموعنا من وجوه هي القيامة. ونرشّ الغار في الكنائس والأماكن والطرقات. وتخرج الناس الى الشوارع. ونحمل البشرى مع حاملات الطيب. سنقتحم الأبواب. ونعود نرتل مع اهل بلدتنا القديمة في ازقتها ترتيلة جديدة، ونتعانق كما قبلاً، ونصدح: “المسيح قام!”. فترتجّ لحية الخوري طنسى. ويرد علينا الشير المقابل: “حقا قام!”.

اضف رد