الرئيسية / مقالات / فشل قوى الممانعة في “الأمر لنا”

فشل قوى الممانعة في “الأمر لنا”

لعل قادة الاجهزة الامنية ادركوا قبل الطبقة السياسية ان ما يجري على ارض لبنان ليس الا تبادل رسائل خارجية في اطار الصراع الكبير في المنطقة ما بين محورين، وان عليهم تجنب الانزلاق الى الهاوية، والتورط مع السياسيين الذين يحفرون لأنفسهم حفرة عميقة يصير الخروج منها صعبا، كلما تقدم الوقت الذي لا يصبّ في مصلحتهم.

فقد ارادت قوى الممانعة في لبنان منذ زمن قلب المعادلة، وراهنت على ان ليس لدى الرئيس سعد الحريري خيارات بديلة غير قبوله الواقع المرير بالاستمرار في موقع رئاسة الحكومة، ولكن من دون انياب، موفرا الغطاء الخارجي لهذه القوى التي امعنت في التخريب. وراهنت على ضعف الحريري الذي، باعتقادها، عندما فقد الغطاء السعودي، تراجعت كل امكانات الفريق الذي يعتمد على المحور الاميركي الخليجي.

ولمّا انتفض الحريري فجأة، ارادت تلك القوى دفعه الى “الانغماس” مجددا، فأصر “الثنائي الشيعي” على عودته على رأس الحكومة الجديدة. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنهم. استقال واعتذر عن عدم قبوله التكليف والتأليف، تاركاً الجَمل بما حمل للفريق الآخر الذي دخل في نزاعات اهل البيت ليثبت هؤلاء ان التعطيل الذي يدّعونه ويتذرعون به، انما لا يأتي من خارج، وانما يقوم على تبادل مصالح متبدلة اصلاً، ويمكن ان تزول مع تغير الاوضاع والظروف.

لكن الاسوأ على فريق الممانعة، من “اخلاء” الحريري السرايا، كان اجراءات السلطات المالية والمصرفية والامنية، واذ حاولت تلك القوى ان تقول “الامر لنا”، فانها جُبهت بتطورات اكدت لها ضعفها حيال المستجدات، وان كانت تملك، بالتأكيد، اوراق قوة كثيرة، منها قوة التخويف والترهيب.

الرسائل التي وجهتها تلك القوى عبر الشارع لم تحقق هدفها. رسائل “مجموعة المصرف” تخطت الحاكم رياض سلامة، الى حدود واشنطن، واجراءاتها العقابية على “حزب الله” والمصارف المتعاملة معه. لكن الرسائل لم تبلغ المرمى، ولم تُصِب، خصوصا ان ازاحة الحاكم في هذا الظرف العصيب، رغم مآخذ عليه، ستجعل سعر صرف الدولار بلا سقف، ما يدفع الى انفجار اجتماعي لا تقدر دول على محاصرته. وايضا اتخذت المصارف اجراءات تضييق، اصابت المودعين والتجار، واصابت في الوقت عينه الاستقرار والامن الاجتماعيين، الامر الذي وسّع الفجوة ما بين المواطن وكل الطبقة المشاركة في السلطة.

واذا كان شعار “الحاكم نرهبه” سقط، فان عدم تجاوب قيادة الجيش وقيادة قوى الامن الداخلي، مع الدعوات الى قمع المتظاهرين، وفتح الطرق بالقوة، اربك القوى السياسية، ودفعها الى اتهام قادة الاجهزة بالارتماء في الحضن الاميركي، في حين اعتبرت هذه القوى ان فرض الامن بقوة السلاح من دون حل سياسي، انما يدفع الى مواجهة ما بين العسكر وذويهم، ويحقق خدمة للراغبين في تحقيق هذا الامر لغايات عدة منها إضعاف الاجهزة العسكرية والامنية لوضع اليد عليها، وادخالها في صراعات تتطلب وساطات من اهل الحل والربط في الشارع، وبالتالي ارتهانها لاصحاب تلك الوساطات، وهو ما رفضت الانجرار اليه، مسقطةً محاولة فرض “الامر لنا”.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb

Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد