فرويد «يعالج» هتلر وتروتسكي يكتشف ستالين: هل تقرّر مصير العالم في مقاهي فيينا 1913

حسام الدين محمد
القدس العربي
23032019

اجتمعت في مدينة فيينا عام 1913 شخصيات كبرى ساهمت في إنهاء العالم القديم بأشكال مختلفة. كان التاريخ يتحضر لانفجار كبير، فهل كان سكن فرويد وهتلر وتروتسكي وستالين وتيتو في تلك السنة صدفة؟ على الأغلب لا.
كانت فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية، التي كانت تضم 15 أمة و50 مليون ساكنا، وكان ضباط جيشها يتحدثون بـ11 لغة إضافة للألمانية، واشتهرت المدينة الساحرة بمقاهيها التي كانت مراكز كبرى للنقاش السياسي والثقافي، وتقول الأسطورة إن ظاهرة «المقاهي» هذه بدأت بعد أن ترك الجيش العثماني طروداً كبيرة منها بعد فشله في فتح المدينة عام 1683.
لقد كانت النخبة الثقافية في فيينا صغيرة نسبياً، وحسب تشارلز إيمرسون، الباحث في تشاتهام هاوس، وصاحب كتاب «1913: في البحث عن العالم قبل الحرب الكبرى»، فإن المدينة ونخبتها كانتا منفتحتين على المنشقين والمطاردين سياسيا، ولأنّ الدولة المركزية كانت ضعيفة فإنه «إذا أردت أن تجد مكانا للاختباء في أوروبا، حيث يمكنك مقابلة الكثير من الأشخاص المثيرين للاهتمام فإن فيينا هي المكان المناسب». كان «لاندتمان» هو مقهى سيغموند فرويد المفضل، أما ليون تروتسكي وأدولف هتلر فكانا يفضلان «كافيه سنترال» (المقهيان ما زالا موجودين)، ولا يعلم أحد إن كان هتلر قد التقى بتروتسكي أو بستالين (الذي سيصير حليفه بين 1939 و1941)، ولكن أعمالا أدبية، مثل «دكتور فرويد سيراك الآن سيد هتلر»، وهي مسرحية بثت إذاعيا، قامت بتخيّل لقاء كهذا.
كان فرويد أول هؤلاء في سكنى تلك المدينة الساحرة، مع انتقال عائلته إليها في طفولته عام 1860. أما هتلر فوصلها عام 1908 شابا بعمر 24 عاما، محاولاً الانتساب إلى كلية الفنون الجميلة فيها، ولا نعلم إن كان رفض طلبه مرتين كان من حيثيّات المرارة التي امتلأ بها صدر صاحب «كفاحي»، وإلى ابتعاده عن الفن إلى العمل السياسيّ، واعتناق نظريات «مهمة الأمة الألمانية» و»الحل النهائي للمسألة اليهودية»، وكره الماسونيين والمثليين جنسيا و»العروق الدنيا».

كانت النخبة الثقافية في فيينا صغيرة نسبياً، وحسب تشارلز إيمرسون، الباحث في تشاتهام هاوس، وصاحب كتاب «1913: في البحث عن العالم قبل الحرب الكبرى»، فإن المدينة ونخبتها كانتا منفتحتين على المنشقين والمطاردين سياسيا.

الشخص الثالث كان الزعيم البلشفيّ الشهير ليون تروتسكي، الذي أقام في المدينة خلال الأعوام 1907 و1914 وهناك أطلق صحيفة «برافدا» الشهيرة.
أما الرابع فكان رفيقه في الحزب جوزيف ستالين الذي أقام هناك مدة شهر ملتقياً بتروتسكي ومنشغلا بكتابه «الماركسية والمسألة القومية» مع زميله نيكولاي بوخارين، إضافة إلى شخص خامس طبع أيضاً بلاده بطابعه، هو جوزيب بروز، الذي أصبح قائدا ليوغوسلافيا تحت اسم الماريشال تيتو.
٭ ٭ ٭
بجواز سفر يحمل اسم ستافروس بابادوبولوس هبط شخص أسمر بشاربين كثين من قطار مقبل من كراكاو في فيينا حاملا حقيبة خشبية، وقد حصلنا على وصف لهذا الشخص من شخص آخر التقاه: «كان قصيرا نحيفا… ووجهه البني الأقرب للرمادي مليء بالبثور، لم أر في عينيه أي شيء يعبّر عن الودّ». اسم الشخص لم يكن بابادوبولوس، بل يوسف فيسارينوفيتش دجوغاشفيلي، وكان أصدقاؤه يسمونه كوبا، لكن التاريخ عرفه باسم ستالين، الزعيم البلشفي الذي سيكون مع هتلر، اثنين من أكبر طغاة التاريخ.
الشخص الذي التقى بستالين ووصفه ذاك الوصف كان تروتسكي، القائد الثوريّ الشهير، ومؤسس الجيش الأحمر، ولاحقاً المنشقّ الذي أصبح أشهر أعداء الستالينية، والمنظّر للحركة الشيوعية التي سميت باسمه، ثم واحداً من ضحاياها، حيث نجح أحد عناصر مخابرات ستالين باغتياله ببلطة حديدية في المكسيك عام 1940. أما الخامس فهو الكرواتي جوزيف بروز «تيتو» الذي خدم (مثل هتلر) في جيش الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية برتبة رقيب (بينما خدم هتلر برتبة عريف)، وخلال احتلال الجيش الروسي للمجر في الحرب العالمية الأولى، ومثلما سكن في فيينا وجاب مقاهيها فسيشتبك تاريخه بتاريخ بعض منهم، وخصوصا هتلر وستالين. لقد أسر الروس تيتو حين احتلوا المجر خلال الحرب العالمية الأولى ونقلوه جريحا إلى معسكر للأشغال الشاقّة في الأورال، حيث هــــرب وانضــــم لاحقاً إلى البلاشفة وساهم في ثورتهم، وكان عليه أن يقاتل مجددا حين احتلّ النازيون بلاده في الحرب العالمية الثانية. ولابد أن تجربتي مواجهة الاحتلال الروسي ثم الألماني في صنع سياسة تيتو المستقلة، حيث سيقاوم سطوة نظيره الشيوعي ستالين، كما قاوم هتلر، ولم تمنعه شيوعيته من قيادة استقلال بلاده عن نفوذ الاتحاد السوفييتي لاحقا، حيث أصبح (مع جواهر لال نهرو، وجمال عبد الناصر) أحد الزعماء الثلاثة الكبار الذين أسسوا حركة عدم الانحياز.
٭ ٭ ٭
تستحضر مع هؤلاء كل عناصر الدراما التاريخية الهائلة التي انطلقت شرارتها مع اغتيال ولي عهد الإمبراطورية فرانز فيرديناند بعد سنة واحدة من وجودهم في فيينا على يد «إرهابيّ» صربيّ في مدينة سراييفو، عاصمة إقليم البوسنة والهرسك، وشكّل إعلان الإمبراطورية الحرب على صربيا، ابتداء للأعمال العسكرية للحرب العالمية الأولى. ستساهم الحرب في انهيار الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية وستكون المصهر الذي سينضج نار المرارة الألمانية من الهزيمة الكبيرة وشروطها المذلة، ما سيدفع بهتلر وحزبه النازي إلى قمّة السلطة الألمانية، وسيكون الاضطهاد الممنهج الذي مارسه النازيون سبباً لفرار فرويد وذهابه ليموت في بريطانيا بعيدا عن المدينة التي أحبها وأنتج فيها أشهر أعماله. وستكون الحرب الأولى أيضاً أحد العوامل التي أدت لنجاح الثورة الروسية عام 1917 التي ستدفع بتروتسكي وستالين إلى قمة السلطة على حطام الإمبراطورية القيصرية التي ستتحول إلى «الاتحاد السوفييتي».

 أما البلاد العربيّة فلم تستطع صدّ غزو الحلفاء للعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وكان ذلك سببا في نشوء إسرائيل وظهور «الدول الوطنيّة» وجيوشها التي استملكت البلاد والعباد وأدّت إلى الكوارث الكبرى التي نشهدها الآن!

سيكون لأولئك الرجال تأثير أيضاً على بلداننا العربية، سواء عبر المعارك التي خاضتها جيوش هتلر في إفريقيا، أو في أثر «الهولوكوست» على تطبيق المشروع الصهيوني في فلسطين، أو من خلال انسحاب روسيا البلشفية من اتفاقية سايكس ـ بيكو ـ سازونوف (وزير خارجية القيصر الذي شارك في المفاوضات عام 1916)، والتي كانت موعودة بالسيطرة على أجزاء من أرمينيا وعلى الدردنيل والبوسفور وعلى إسطنبول التي كانت ستعاد باعتبارها القسطنطينية (لأن عائلة القيصر تزاوجت بأسرة بعض حكام بيزنطة)، وكان الجيش القيصري دخل إلى قم وهمذان في إيران، كما دخل تركيا واقترب من إسطنبول. وحسب سيميون باغداساروف، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط وبلدان آسيا الوسطى، فإن استعادة روسيا لـ «القسطنطينية» كانت ستحلّ «مشكلة تاريخية قديمة»، أي إعادة عاصمة الإمبراطورية البيزنطية إلى العالم المسيحي، وأن الروس كانوا سيهاجرون بأعداد كبيرة إليها لإعادة طابعها الروسي ـ البيزنطي.
أحلام التوسع الروسية هذه تعرّضت لـ»خيانة» من البلاشفة بسبب اضطرارهم لمواجهة العصيان العسكري وانخراطهم في الحرب الأهلية التي نشبت بين «الحمر» و»البيض»، وهو ما خفف المهمة على أتاتورك، الذي قاد جيوش بلاده ونجح في استعادة إسطنبول من البريطانيين، وأنطاليا من الإيطاليين، ودحر جيوش اليونان التي كانت قد وصلت إلى أنقرة، وبهذا المعنى فإن وجود ستالين (وتروتسكي إلى حد أقل) في السلطة، ساعد الأتراك في الحفاظ على الجزء الأكبر من بلادهم، أما البلاد العربيّة فلم تستطع صدّ غزو الحلفاء للعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وكان ذلك سببا في نشوء إسرائيل وظهور «الدول الوطنيّة» وجيوشها التي استملكت البلاد والعباد وأدّت إلى الكوارث الكبرى التي نشهدها الآن!

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*