الرئيسية / home slide / فرنسيس المراش تأثر به جبران وكان زعيمًا أدبيًّا وفجرًا للتجديد

فرنسيس المراش تأثر به جبران وكان زعيمًا أدبيًّا وفجرًا للتجديد

فرانسيس مراش

18-09-2020 | 00:12 المصدر: “النهار”

سليمان بختي

كان فرنسيس المراش كاتبًا وشاعرًا وطبيبًا (1873-1836) وواحدا من ألمع النهضويين. روايته “غابة الحق” التي صدرت في بيروت عام 1865 هي من بواكير الرواية العربية. يقول الناقد جمال باروت في كتابه “حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر” عن فرنسيس المراش “إنه أول عربي يصوغ نظريتي “العقد الاجتماعي” و”الحق الطبيعي” على نحو مترابط ومتماسك، معتبراً أنه أعاد صياغة أهم نظرية في الثورة الفرنسية وأعاد إنتاجها بما يناسب واقعه متأثراً بشعارات الثورة الفرنسية الداعية إلى الحرية والعدالة والمساواة.
ولد فرنسيس بن فتح بن نصر الله المراش في حلب عام 1836، وكان لوالده مكتبة خاصة وكبيرة استفاد منها ونهل. هو شقيق عبدالله ومريانا الشاعرة وصاحبة أول صالون أدبي في العالم العربي. درس العربية وتلقى دروساً في الطب على يد طبيب بريطاني، ومارس هذا المهنة في حلب ثم التحق بكلية الطب في باريس، إلا أن تراجع صحته منعه من مواصلة الدراسة فعاد إلى بيروت ثم إلى حلب وهناك فقد بصره، فصار يملي ليكتب وتفاقمت حالته حتى توفي في العام 1873

دارت معظم أعماله حول نظرية المعرفة وتأثر بالعلم والفلسفة أكثر من كل جيله. اعتبره المؤرخ موسى ماتي أول مثقف عربي عالمي، وأول كتّاب العصر الحديث. التزم مبادئ الثورة الفرنسية ومن خلالها انتقد الحكم العثماني للمنطقة. كما لعب دوراً مرموقاً في إدخال الرومنطيقية الفرنسية إلى العالم العربي وخاصة من خلال أسلوبه في استخدام الشعر المنثور. واعتبرت كتاباته من النماذج الأولى في الأدب العربي الحديث. وفقاً لسلمى الخضراء الجيوسي وشمويل موريه، فإن طرق المراش في التفكير والتعبير كان لها الأثر على الفكر العربي المعاصر وشعراء المهجر.
ساهم في “جمعية الادب” وكتب لجريدة “التقدم” ونشر العديد من مقالاته في مجلة “الجنان” لبطرس البستاني. ودافع عن حق المرأة في التعليم ودان تعنيف الرجل لها. كتب في الموشحات والزجل وحاول إدخال نفس ثوري وخطابي في الشعر العربي. وكان يسخر من موضوعات الشعر التقليدي وأغراضه. ذكر الشاعر خليل حاوي في كتابه “جبران في إطاره الحضاري والتاريخي”، أن صاحب “النبي” تأثر بفلسفة المراش عن الحب الكوني وترك ذلك في نفسه أعمق الاثر.
نشر المراش عام 1865 كتابه “غابة الحق” وهو قصة رمزية حول شروط إقامة الحضارة والحرية. وأظهر في هذا العمل أفكاره في الإصلاح السياسي والاجتماعي وإيمانه بالعقل “وانفتح لبصيرتي باب رحب مكتوب على قنطرته “العقل يحكم”، مسلطاً الضوء على حاجة العرب إلى امرين، المدارس الحديثة الوطنية الخالية من الاعتبارات الدينية، ودور اللغة كثقل موازن للاختلافات الدينية والطائفية وفي تحديد الهوية الوطنية.
اعتبر المراش بعد هذا الكتاب أنه أول كاتب عربي يعكس التفاؤل، ووجهة نظر الإنسانية في القرن الثامن عشر في أوروبا؛ تفاؤل بالتعليم والعلوم والتكنولوجيا التي من شأنها حل مشاكل الإنسانية الأخرى، ومناداة بالأخوة والمساواة بين الشعوب. حاول التوفيق في كتابه بين الفهم الفلسفي العميق لمفهوم الحرية واعتقاده بخيرية سلطة الكنيسة الكاثوليكية، مازجاً بذلك بين الفكر الأوروبي وقراءته الخاصة في الاعتقاد المسيحي في الحب العالمي.
عام 1867 نشر كتابه “رحلة باريس”، ومحوره احداث رحلته الثانية إلى باريس التي بدأها من حلب إلى الاسكندرونة واللاذقية وطرابلس وبيروت ويافا والاسكندرية والقاهرة ثم إلى مرسيليا وليون فباريس.
بين كل المدن العربية توقف المراش عند الاسكندرية والقاهرة ومشاريع التحديث التي بدأها اسماعيل باشا. بهرته فرنسا بكل شيء وقارن بين الشرق والغرب قائلاً إن الحضارة الغربية احتضنت النور في حين غرق الشرق عميقاً في الظلام.
لكن علاقته بالغرب واعجابه به لم يمنعاه من نقده دفاعاً عن العرب: “حتّام تزورن يا افرنج بالعرب/ مهلا فلا خير بابن قد زرى بأب/ إن كان بالعلم جئتم تفخرون فمن/ معالم العرب كل العلم والأدب/ تذكروا ما غنمتم يوم ندوتكم/ في أرض الأندلس من تلكم الكتب”.
عام 1870 أصدر كتابه “مشهد الأحوال” وسلك فيه مسلكاً اجتماعياً معالجا فيه أحوال الكون والعالم. وأصدر عام 1872 كتابه “درر الصدف في غرائب الصدف”، وهو مجموعة من القصائد والأعمال القصيرة في النثر المقفّى، صوّر فيه الحياة الاجتماعية اللبنانية وانتقد التقليد الفارغ للعادات الغربية واستخدام الكلمات الفرنسية في الحياة اليومية، داعيا إلى نشر التعليم وتطوير التجارة الحرة والصناعة وتحسين أحوال الكادحين وتقديم العون لهم، وتوفير أمن الفرد وصون عرض الإنسان.
من كتبه نذكر أيضاً “دليل الحرية الإنسانية” (1861) و”المرآة الصافية في المبادئ الطبيعية” (1861) و”تعرية المكروب وراحة المتعوب” (1864) و”كتاب دليل الطبيعة” (1867) و”الكنوز الفنية في الرموز الميمونية” (1870) و”مرآة الحسناء” (1872) و”شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة ” (1892) الذي صدر بعد وفاته.
غلبت على أعماله التأملات الفلسفية مؤثرا إياها على العلوم الرياضية، وجنح نحو التحرر من قيود اللغة. من “غابة الحق” نقتطف هذه الفقرة: “بالمحبة قد قام العالم جميعه وبالمحبة تتحرّك جميع الاشياء وبالمحبة يثبت كل من المخلوقات على حدته وبالمحبة يحافظ الكل على أجزائه”.
قرأه جبران في مدرسة الحكمة وأعجب بأفكاره الداعية إلى التحرر والحقيقة والخير الطبيعي للإنسان، والأخلاق التالفة في المجتمع. واللافت أن الكثير من التعابير والمصطلحات التي استخدمها في كتاباته غدت رصيداً استخدمه الكتّاب العرب في القرن العشرين. من مثل “وديان التأمل العقلي” و”أحجية الأفكار” و”حجاب التاريخ” وغيرها. كان فرنسيس المراش مفكراً في الحرية وسعى إلى أن تكون هذه الحرية مدخلاً للبشر في حياتهم، ولأجل اكتساب والمعرفة وتأصيلها في عقول البشر.
ذكره مارون عبود في كتابه “رواد النهضة الحديثة” واعتبر أن ما دعا إليه في كتبه وأطروحاته هو ما تدعو إليه الاونيسكو في العالم اليوم، أنه على قصر عمره (37 سنة) كان زعيماً أدبياً وابن بيت علم ترك دوياً ساطعاً في فجر التجديد قوامه العقل والحرية.