الرئيسية / home slide / فرنسا… أيار وحزيران

فرنسا… أيار وحزيران

22-06-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حفل بمناسبة الذكرى 82 لدعوة المقاومة التي أطلقها الجنرال الفرنسي الراحل شارل ديغول في 18 حزيران 1940، في نصب مونت فاليرين التذكاري في سورينس بالقرب من باريس، فرنسا (18 حزيران 2022 – أ ف ب).

#فرنسا مقسومة على 43 مليون فرنسي. وهي البلد الوحيد في العالم الذي إذا اضفت عشرة مواطنين الى عشرة آخرين، تكون النتيجة عشرين فريقاً”

#ديغول

هذا شهر حزيران في فرنسا. الشهر الذي فيه وجّه الرئيس شارل ديغول نداءه الى الفرنسيين الأحرار من لندن: لا جمال إلا في الفوز، والعبودية موت. لا تصدقوا الماريشال بيتان! وطفق تلامذته يبشرون ويفسرون نداء 18 حزيران: المتواطىء اردأ من المحتل، والجبن اسوأ من الجهل. كان ديغول اكبر من فرنسا. وصادقاً قال: لست في اليمين ولا في اليسار. ديغول فوق. في اعلى مراتب التاريخ والإنسان. في ارفع رتب الفكر والثقافة. في الذروة الأخيرة من الترفّع والخلق وكرامة الذات.

في السياسة وفي المنصب وفي الكرسي وفي الحياة، كان اقرب الى المسيح. طرد الدجالين من الهيكل، ولم يقبل حوله إلا ذوي السيرة شبه الكاملة: عباقرة وعلم وتكرُّس من اجل فرنسا. لا محاباة ولا مسايرة ولا ازلام ولا اقارب ولا شبه شبه شبهة. يمكن لرجل الدولة ان يخطىء، رجل الوطن يجب ان يكون معصوماً. عندما طعن الفرنسيون في عصمته المدنية، اعتمر قبعته الشهيرة ومضى. يا للشعب الذي يدفع ذلك العملاق الى الاستقالة. شعرت فرنسا بالندم وهي تراه عائداً إلى قريته، كولومبي، حيث المنزل الأبهى من فرساي، والأجمل من الاليزيه. خطوة واحدة واصبح في اعمدة التاريخ. لا قبل ولا بعد. مجرد اسماء تدور خارج فلكه العظيم. وأصبح في إمكان نيقولا ساركوزي ان يكون على خط الخلافة في الجمهورية الخامسة، “قماز” ضحل وفاسد في كرسي شارل ديغول.

تهون الدول وتهان الشعوب عندما تسيء الاختيار. يهبط مستوى الديموقراطية. بل يسقط مستوى الجمهورية وقيمها واصولها. لماذا لم يثق ديغول مرة في خيار الفرنسيين وامزجتهم، ودائماً كان يسارع الى انتزاع فرنسا من بين رخاوتهم. اجل، هناك من هو اكبر من وطنه. ذلك عصر كانت فيه الارحام تحمل نوعاً من الرجال الأكبر من بلدهم مهما كان كبيرا. هؤلاء لا يطلون على هذا العالم كل يوم. ولا كل شهر. ولا كل 50 عاماً. منصة صغيرة في تاريخ العالم اجمع، يقف عليها بضعة رجال ونساء. والباقي عاديون وعاديات. أوتحت العادي، أو تحت الصفر، وتحت كل تحت. اعطي ساركوزي مجد ديغول فمرّغه في الوحل واصبح اول رئيس مدان في تاريخ فرنسا. يدخل الفاسد التاريخ من باب الجنح والشبهات والظنون.

عصر شارل ديغول كان عصر العمالقة في كل مكان: نهرو، وتشرشل، وشو آن لاي، وتيتو، واديناور، وانديرا غاندي، وجون كينيدي، ونكروما، وخروشوف، وداغ هامرشولد. هؤلاء صنعوا دولاً تليق بالناس وبالحياة وبالأمم. هزموا الجِزَم اللماعة والرؤوس المفصولة عن قلوبها. هزموا الاستعمار والاحتلال والبغاة. وكانو اكبر من دولهم. إلى الآن لا يزال نهرو اكبر من الهند، والأم تيريزا اكبر من الهند وايطاليا معاً، ومانديلا اكبر من جنوب افريقيا. مسكينة الشعوب التي زعماؤها اصغر من دولهم. مسكين الشعب الذي لا يعرف ماذا ارتكب إلا بعد ان يرى كل ما حوله حطام. مسكينة الناس التي ترتضي من هو دونها في العقل ودون الحجر في القلوب.

ديغول كان أباً تفوق مشاعره حنان الامهات. أول ما خطط لفرنسا ان يشيلها من ذل الفقر. أول ما فعل أنه سدد ديون “مارشال” الى اميركا. لا تكون فرنسا مدينة لأحد. ثم الغى الاصفار من الفرنك حتى محاها. لا اصفار في دولة فرنسا. بل ان الفرنك صعد حتى اصبح كل اثنين ونصف منه يساوي ليرة لبنانية كاملة. ذلك هوالوقت الذي كان ريمون اده يعلن السريّة المصرفية، وفؤاد شهاب يمنع شقيقه من الترقّي درجة واحدة. وعندما كتب محبوه أنه ديغول لبنان، قال كم انا بعيد عن ديغول، وكم لبنان بعيد عن فرنسا.

اجل، عندما سافرت الى جمهورية ديغول اول مرة ومعي حقيبة مشردين، كانت كل ليرة لبنانية معي تساوي 2,60 سنتيما. وكان وزير خارجيتنا فيليب تقلا، وسفيرنا جورج نقاش، وكان ديغول منهمكاً في انقاذ فرنسا من مجانينها. قال للفرنسيين ان جنرالات الجزائر فرنسية يهددون بالنزول بالمظلات في باريس وسوف يصطادون واحداً واحداً. في ذروة الحماقة العسكرية اصدر الأوامر بسيادة العقل. الجزائر للجزائريين.

كانت فرنسا مقسمة فوحَّدها. وكان ضعيفة فقوّاها، وكانت منهارة فانتشلها.

مدّ اليها ساعدين: واحداً لمساعدتها على النهوض وآخر لطرد الفاسدين والسماسرة والكَذَبة. لا يمكن لوطن ان يقوم وناهبوه يقسِّمونه. تأمل فرنسا ملياً وقال: فرنسا مصابة بالصرع الشديد. Le grand mal، ليست في غيبوبة دائماً، ولكنها في صرع هائل يشلها ولا يترك لها سوى أن ترغي وتزبد. حالة ألم شديد ولكن اليأس ليس تاما.

جمع من اجلها الكفاءة المطلقة والسمعة المطلقة. كان الصحافي الكبير جان لاكوتور يحضر حفلاً عندما دخل نائب الدائرة السابعة موريس كوف دو مورفيل واتجه نحوه مباشرة: “لن تصدق ماذا حدث. لقد أصبحت وزير خارجية ديغول”.

1968 خرجت فرنسا من عصر الكِبَر الـ Grandeur الى ما اصبح يُعرف “بما بعد الحداثة”. أي ان قضية الأمم ليست الكِبر والمكانة التاريخية بل استقرار اسعار الزيت والفاصولياء. ونزل الصغار والتافهون والمشبوهون امثال كوهين بنديت يحرقون باريس. ثم اقتلعوا حجارتها التاريخية، ثم اخذ هواة الفوضى والخراب يطالبون بذهاب ديغول .

تسنى لي حظ مهني نادر: ان اغطي اجراميات ثورة ايار، وأن اذهب الى ايرلندا خلف ديغول الذي ادرك بحاسته ان التاريخ بدأ ينقلب، فاستقال. واعتزل. لا مكان له بعد اليوم. في اميركا كانت الرئاسة قد انخفضت الى ريتشارد نيكسون. وفي المانيا الغربية انطوى عصر اديناور. وفي بريطانيا تسلم القيادة هارولد ولسون – وما ادراك ماذا كان السير هارولد.

تلك مأساة الديموقراطية: ان تسلم الناخب حرية الاقتراع، وان تراه في الشارع يتظاهر خلف كوهن بنديت. أن تتطلع اليه بحثا عن ضوء في الظلمة الحالكة وتجده يقترع لانبياء العتم ونبيَّته. ان تعطيه حرية العودة الى الصواب والضمير فيكرر تمسكه برموز النهايات.

ديغول كان واحداً في البشر الذين عملوا في السياسة والعسكرية. كانت لديه ابنة معاقة، وكان يركع امامها، وكان يحب الفرنسيين مثلما يحبها. كان أباً لفرنسا مثلما كان أباً للطفلة “آن”.

الإصابة بالصرع تحتاج الى عناية كبرى. لم يحفظ احد مثله شعارات الإنسان: الحرية والأبوة والعناية والخلق السامي. لم يمد يده إلى مال فرنسا حتى في فاتورة كهرباء. لم يشاهد ابنه أو ابنته أو صهره في حفل عام. ايفون ديغول كانت ايضاً اقرب الى القداسة. الحكم امانة كاملة ومطلقة. أي هفوة سقوط كامل. والسقوط الكامل حكم تاريخي لا يُبرَّر ولا يرد ولا تكون له اعذار. من شاء الحكم بالاعذار فليترك العمل للعاملين.

لم يعد ديغول الفرنسيين بالجنّة، لكنه ايضاً لم يتوعدهم بجهنم. هو قدم لهم الجمهورية الخامسة. فمنهم من صدّق ومنهم من حوَّل الاليزيه الى مركز جباية. في مغلفات معطرة أو في صناديق. لقد اعطتك فرنسا رئاستها، فماذا تريد بعد ايها المعقد الصغير. الكرسي امتحان رهيب في حياة الأمم، إما يصغّرك أو العكس. والأساس فيها من تنتدبهم للعمل معك. ديغول كان معه جيسكار ديستان، وجورج بومبيدو، وجاك شابان دلماس، وكوف دومورفيل، واندريه مالرو. وكان الى جانبه صحافيون من وزن فرنسوا مورياك. ومثله لا يمكن إلاَّ أن يكون الله معهم.

كنت في الماضي اجيء من بيروت لكي اغطي انتخابات فرنسا. الآن انا هنا. وليس ما يستحق التغطية. فقط يستحق ان يتذكر عُملاقها. أما هي، فمرة ايار ومرة حزيران والصرع الكبير.