الرئيسية / home slide / فرقة الحضر (بالكرافتة) في بلاد البدو

فرقة الحضر (بالكرافتة) في بلاد البدو

24-11-2021 | 00:50 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

تعبيرية (نبيل إسماعيل).

مصادفات الحياة كثيرة، وليست كلها أفضل من ميعاد. كنت في ردهة الاستقبال في المبنى الذي تقع فيه مكاتب الشيخ #محمد بن راشد، حاكم دبي. وظهر أمامي وفد بدا أنه من تيار #لبناني. كيف تعرف ذلك؟ من مشية الاوزّ والاستعلاء وزحمة ربطات العنق. وراء مكتب الاستقبال في هذا المبنى، سيدة واحدة. لا مواكب. لا “بادي غاردز” من نوع أجسام الغوريلا والنظرات المقرفة. لا أثر لأي قباحة مما يغرق فيه شعبنا العظيم، بجباله، بتلاله، بسهوله. 
لا أعرف أي مشاعر خامرتني، وأنا في قلب هذه المصادفة. ولا أعرف إن كانت هناك في المقابل أيّ مشاعر يمكن أن تخامر فرقة الكرافتات، أو إن كان أيّ فرد منها قد انتبه الى أن في هذا المبنى بدوياً يدير إحدى اجمل الحركات العمرانية في التاريخ.

ماذا جاء هؤلاء السادة يفعلون عند البدو؟ أحدهم يلعلع دائماً في جوقة لعلعة الحقوق المسيحية. هل جاء يشكرهم على استقبال البابا؟ على منح الجنسيات للمسيحيين؟ على منحهم (مثلي) الإقامة مدى الحياة، مع افراد العائلة، دون السؤال إلا عن تاريخ الولادة، وليس عن مكانها أو مذهبها وذلك فقط لسبب العناية الصحية. وتُرفق الاقامة على الجواز ببطاقة هوية لمعاملاتك، كمقيم كامل الحقوق وعليك واجب واحد: القانون. وتتم المعاملات جميعها في أنظف وأنصع مكاتب على وجه الأرض، وليس على جنابك سوى ان تتأفف من تخلّف البدو، الذين يحفظون كرامة نصف مليون لبناني، فيما يتكفل الفتى المنقذ استعادة السيادة، فماذا تريد بعد؟ نفط وجبنالك. وغاز، ولحِّق على غاز! وقد أقسمت زميلة في جمعية “اقوالنا افعال” على انها اشتمّت بنفسها رائحة الغاز طالعة من البحر. “بحر الستّات” كان يسميه فيلمون وهبي، صاحب الملحمة الشهيرة “… اختك يا لبنان”.

جبران خليل جبرن كان يخاطب فاقدي الحسّ الأعلى المعروف بالضمير “يا ابناء الأفاعي”. جهاد الزين، المكلوم ببلده يخاطب أحفادهم “يا ابناء الانحطاط”. استكثر على بلد الأبجدية ان جامعاته باعت العراق 27 ألف شهادة دكتوراه مزوّرة. ولو؟ على ماذا الغضب؟ النفط مقابل الشهادات. ثم، ثم، ثم مهلاً، انت تلوم اللبنانيين بدل العراقيين. هذه نظرة رجعية من ايامك وايام لبنانك. اليوم عليك ان تعمل بمفهوم وزير خارجيتك الدكتور عبدالله بو حبيب، الذي وضع النزاع مع الخليج في نصابه الديبلوماسي الصافي والمعتّق: إن الكبتاغون يُرسل الى حيث “تصريفه” جيد. إذن، الحقّ على المستهلك لا على المنتج. وعلى الخليجيين ان يربّوا اولادهم بدل اغلاق الحدود والاحتجاج. لكن عبثاً. بدو! وإذا غضب البدوي يا ساتر، لا يعود يميّز بين البائع والشاري. وبين الرمان والكبتاغون.

لم يبقَ شيء ما أُحيل على الانحطاط. عندما شاهدت في المصادفة المدهشة، فرقة الكرافتات، لا ادري لماذا تناهى اليّ فوراً ميشال حايك. الأب الدكتور من السوربون والاستاذ فيها، والملهم صاحب كتاب “المسيحية في الاسلام”. لا ادري. ربما لأن النقائض تذكِّر ببعضها البعض. ربما لأن عصر المِحِل يذكّر بزمن العبقريات. ربما هذا الجفاف المالح في افواهنا يذكّرنا تلقائياً بيوم كانت القامات في مقام ذاتها.

لن اكتب عن دبي الى الأبد. سوف أبحث عن موضوع آخر لأن المقارنة مع دبي اصبحت تافهة. كيف تقارن بلداً على كل شبر فيه مخالفة، أو أكثر، ومدينة مذهلة في حداثتها ليس فيها مخالفة سير؟ كيف تقارن بلداً كان متقدماً على دبي بعقود فأصبح متخلفاً عنها بقرون؟ لكنه بلدك، وأنت مرغم أن تتذكره كلما قطعت شبراً في بلد، عنده وزارتان لا وجود لهما في اي بلد آخر: وزارة السعادة، ووزارة التسامح. وهذه الفرقة التي شاهدتها ضحى اليوم في مبنى “المكتب التنفيذي” آتية من بلد عديم التسامح، فاقد السعادة، فاقد الأمل بالحياة، ويبلغونه كل يوم ان حتى بقاءه مهدد. وهل تعرف ماذا؟ كثيرون اصبحوا يفضلون الموت. إذا كانت السيادة هي التي تحصّلها لهم الفتى الأغر، لن تعرف عدد الذين يفضلون الموت، أو الهجرة، التي دعاهم اليها رئيس البلاد، مع وعد بحق الانتخاب.

يبحث اللبنانيون منذ حين عن مفردات تصف سقوطهم الرهيب. بدأوا بالأزمة، ثم بالتأزم، ثم بالمأزق، ثم الافلاس، ثم الانهيار. ولما وصلنا الى قاع الانحطاط الخلقي هتف المفكر العريق جهاد الزين “يا ابناء الانحطاط”. كم مرة هددونا بالنزول الى الشارع. لغتهم الاثيرة وخطابهم المفضل، ها نحن الآن جميعا فيه. ولكن ليس كمعترضين بل كمشردين وسكان ولا مأوى ولا مرجع. والدولة تلجأ الى القانون فقط من اجل دوسه. تدوس المؤسسات الدستورية كما داست الدستور من قبل. وتسحق الألفة بين الناس. وتسكت عن الحق. وتسخّر قواها المتهالكة فقط للحرب ضد الناس. وبدا منذ سنوات ان لها مهمة واحدة هي دعم الوصوليات الصغرى من اجل هدف سام واحد: وصول الزعيم الأوحد.

يبني البدو مدناً خيالية في الرمال. وفي عالم مَدين ومتعثر بعد كورونا، أعلن ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، ان بلده سوف ينفق 12 تريليون ريال على الاستثمار قبل 2030. وأعلن الملك سلمان بن عبد العزيز ان المملكة سوف تخلو كلياً من الكربون الذي يهدد الكوكب، خلال سنوات. وبدأت اخيراً عملية زرع ملايين الاشجار. ويبدو انه صار لزاماً زرع مائة شجرة لقاء كل مبنى جديد في كل الخليج. وقد مضى الزمن الذي كنت تقطع فيه مسافات بلا نهاية دون ان ترى شجرة سدر.

ماذا جاؤوا يفعلون عند البدو، رجال فرقة الكرافتات؟ أي اقتراح يحملون من بلدهم المعتل والمضطرب والمحترق والمفلس والمرتعب؟ حتى مطر ربنا انحبس عليه وتأخر. حتى فصوله لحقتها اللعنة. لكن النفط (الذي تحت الأرض) لن يتأخر. والغاز بدأت رائحته تطلع بشهادة صحافية فاضلة. بلد سعيد مؤنس ودولة فعّالة. كلما شكا الشعب من كارثة جديدة، ألقموه تصريحاً جديداً. أو بياناً. أو تغريدة. أو براءة ذمة. يا سعادة الحاكم، الناس لا تطالبك بجردة عن اموالك واموال العائلة. تطالبك بفلوسها ورمق حياتها واقساط ابنائها و”ناولون” الهجرة وسفر برلك الجديد.

جاءنا وزير خارجية تركيا الفتية، السيد اوغلو، يتفقد احوالنا، يا سعادة الآغا تشكرات. يا معالي الافندي تشكرات. يا باشا. نحن في حاجة الى اطلالتك. منذ زمن لم يحلّ في الديار ضيف أعلى من وكيل وزارة. أو مبعوث أممي بالمرتبة نفسها. أو سفير عزيز من سفرائنا المبعدين، او وفد من مزارعي أيطو وإغبة وإغميد والدكوة وباب مارع. والله يا اوغلو باشا يدوم عزّك. يا صاحب النار والنور. يا مالك البواخرالمنورة. افندم لا تساعدونا. حضوركم وحده يرفع معنوياتنا ومستوى الزوار.

لا مؤاخذة. نسينا وفود بتوراتج وبحبوش وبحويتا وبرحليون… وبتدين اللقش.