فرصة لرسم مسار جديد للبنان

لا يمكن أحداً الترويج لعقوبات اميركية على مسؤولين لبنانيين لانه في الاصل تدخّل في شؤون بلد آخر، وهو يصنَّف عملاً “غير سيادي” للدولة المتلقية. لكن ضعف الامل بامكان قيام القضاء اللبناني بملاحقة ناهبي المال العام ومحاسبتهم، يدفع الى القبول تلقائيا بأي اجراء ولو من خلف الحدود. فإن تعلن الخزانة الاميركية عن “امكان إدراج مسؤولين لبنانيين متهمين بالفساد على قائمة العقوبات” لأمر يدعو الى الابتهاج والسرور، ذلك ان كل الكلام اللبناني على ملاحقة الفاسدين لا يعدو كونه استهلاكا محليا خالصا، ومحاولة استيعاب شارع مستاء، وبعضه منتفض. العقوبات الاميركية يجب ألا تقتصر على “حزب الله” ومموليه، بل ان تتوسع لتشمل رؤساء ووزراء ونوابا، ورؤساء احزاب، ومسؤولين مصرفيين، ومقاولين. فالفساد درجات ومستويات. لكن القيام بملاحقة افراد صغار، في اجراء يُستعمل لذرّ الرماد في العيون، لا يعدو كونه حقنة مخدرة تليها جولة جديدة من الفساد والإفساد.

واذا كان الامل حتى في الادارة الاميركية ضئيلاً ايضا، لأن للاخيرة حساباتها السياسية التي قد لا تلائم مصالحنا الوطنية غالبا، فان الامل يبقى معقودا على الداخل، وربما على الانتفاضة التي تخاذلت على جبهتين. الاولى في تراجع زخمها، وهذا امر طبيعي لا مسؤولية فيه على احد، اذ ان التلكؤ في المشاركة من اللبنانيين، والتنظير من خلف الشاشات، لا يوفران للانتفاضة الحياة للاستمرار، فيما المشاركون تعبوا، وربما أُحبط البعض منهم. والجبهة الثانية، هي في عدم تحديد الاهداف بوضوح، بل محاولة غض النظر عن بعض الاهداف الحقيقية الكامنة وراء الفساد، ربما تجنباً للمواجهة القاسية، او ربما لان البعض يدفع بهذا الاتجاه من خلف الحجاب.

لكن ما بين هذا وذاك، تبقى الانتفاضة شعلة امل يجب ألا تنطفئ، لان السلطة القائمة، وإن تراجعت، ووهنت، وهي تمدد حياتها على حساب ضعف خصومها، مستعدة للانقضاض على الثوار والمطالبين بالتغيير، ودفعهم الى السجون، استباقا لكل محاولة، حاضرة او مستقبلية، تستهدف نظام المحاصصة القائم، والمستمر بفساد لا نظير له، ما اوصل البلاد الى نحو مئة مليار دولار من الديون.

وهذه الانتفاضة التي تراجعت لظروف عدة معقدة، لم تخسر المعركة، لان النظام الذي تقاومه في حالة موت سريري، ولان المسؤولين الذين تحاربهم باتوا لا يصلحون للزمن الحاضر، واكتافهم مثقلة بملفات الفساد. لذا قد تكون الانتفاضة امام فرصة حقيقية لاستعادة ثقة الشارع بها، وامام فرصة حقيقية لعدم التلهي بالمهرجانات الفنية، وان كانت ظاهرة حضارية، بل الانطلاق بخطة محكمة لفرض التغيير الذي انطلق بخطوات خجولة.

لا يهم قول السفيرة الاميركية المغادرة إليزابيت ريتشارد إن “لبنان يقف أمام نقطة تحول”، لان وقت التحول قد يكون في كل حين، لكن الحقيقة ان الفرصة مؤاتية حاليا، وهي وفق قولها “فرصة لرسم مسار جديد يجعل هذا البلد يدرك كامل إمكاناته كعضو حديث ومزدهر في المجتمع الدولي”.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb

Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*